كي لا تلهينا النماذج ..دعوة للمراجعة
بقلم/ كاتب/رداد السلامي
نشر منذ: 6 سنوات و 9 أشهر و 27 يوماً
السبت 09 فبراير-شباط 2013 10:14 ص

النموذج التركي ليس إسلاميا خالصا بقدر ما هو توليفة من التهجينات التي لا ترقى الى مستوى الفهم الحقيقي للإسلام ، نحن نحترم التجربة التركية بصبغتها الإسلامية لكننا لسنا ملزمون ان نتعامل مع التجربة على أساس أنها نقية ونموذجا يجب علينا ان نحذو حذوه.!

نحن لدينا الوعي الحركي والسياسي المنطلق من مصادر الإسلام الأساسية وأصوله المعتبرة \"القرآن الكريم ، والسنة النبوية \" الذي يؤسس في الواقع قيم الإسلام بعيدا عن النمذجة التي تجعلنا رهناء التجاذبات المختلفة نتذبذب بين ان نكون هذا أو نكون ذاك ، فاقدين لذواتنا وهويتنا منقادين لسحر التجارب التي جرى تهجينها وتصديرها إلينا ، فإيران صدرت نموذجها الشيعي المنحرف جدا تحت اسم الثورة الإسلامية وتركيا تسحر ذوي الانتماء السني بتصدير نموذج إسلامي مفرغ من محتواه السني والقيمي ، وأميركا اخترعت الإرهاب لفرض إسلام على النحو الأمريكي ، إذا كيف يمكن ان نبني نموذجنا ؟

لا ضير من أن نستفيد من تجارب الآخرين لكن دون ان يكون لدينا وعيا مستلبا يرى ان ما لدى الآخرين هو الصحيح والأفضل وأننا لسنا قادرين على ان ننهض الا من خلال إدخالنا في بوتقة التجربة التي مروا بها ومارسوها في حياتهم وحولها الى فلسفة في تكوين نظمهم السياسية والاقتصادية والثقافية دون معرفة الأسباب التاريخية التي أجبرتهم على أن يكونوا على النحو الذي هم عليه ، فالنماذج الثلاثة منحرفة تماما وإن كان التركي أخفها وانعمها في تمرير الثقافة الليبرالية والفهم على الطريقة الأمريكية للإسلام المرغوب أمريكيا ، إذا نحن يجب ان نستفيد دون أي تقديم تنازلات وما ستتبعها من تحويرات مقطرة وتدريجية ماسخة تستنسخ فكر الآخرين وتلصقه في أذهاننا لصقا ، فثمة أسس واضحة لفهم الإسلام هو ما كان عليه صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام وسلف الأمة ومجددوها في اي مكان أؤلئك الذين حين تقرا لهم تدرك أن منطلقاتهم في التجديد والاجتهاد مضبوطة بالأصول والقواعد ولا تند عنها وتقرأ سيرتهم وسلوكهم فتجد انه لم يخرج عن قيم وأخلاق ومباديء الإسلام قيد أنملة ، وهذه هي المنهجية التي يجب ان نتبعها ، وأن نجعل العقل تابعا للنص ويعمل بطريقة صحيحة دون أن نجعل النص تابعا للعقل ، ويحاول مستخدمه تنكب تعاليم القرءان وأسسه التشريعية ومبادءه وقيمه بتأويلات خطيرة منطلقين من المنهج التأويلي الغربي بكل مدارسه واندساسته الخفية التي أخذت تعمل في الوعي المسلم بشكل عام والحركي بشكل خاص.وتصيغ الرؤى والتصورات والسلوكيات صياغة لا تنتمي الى الإسلام في شيء والى مفاهيمه ومبادئه الكلية وتوجيهاته ومنظومته القيمية والأخلاقية ..

فالذي يحدث الآن أن التنازلات التي قام بتقديمهـا للعلمانيـة بعـض زعمـاء الإسـلاميين من باب المراوغة ـ على أفضل فروض حسن الظن ـ يقوم بها الآن وأكثر منها بعض تلاميذهم من باب الاقتناع، وما أن تبدأ بالتنازل عن بعض الإسلام حتى تنتهي على الفور بالإسلام؛ حدث ذلك في تركيا، ويحدث مثله في تونس ومصر وأماكن أخرى. والنتيجة هي كما تقول مجلة الشاهد البريطانية: \"إن الصفقة التي تطبخ الآن تسعى إلى جعل الإسلام التركي مفرغاً من ثوابت الدين» ولكن الأهم من ذلك هو ترويج هذا النموذج التركي نفسه على أنه النموذج الإسلامي الليبرالي المعتدل الذي ينبغي الاقتداء به في كل دول العالم الإسلامي إلى درجة أن كبار القادة الأمريكيين مثل \"الرئيس بوش\" و\"كولن باول\" و\"كوندليزا رايس\" أعلنوا مراراً أن النموذج التركي هو النموذج الذي ينبغي أن يسود في المنطقة، بل إن اليميني المحافظ الصهيوني المعروف بعدائه وتعصبه الشديد للعالم الإسلامي \"وولفويتز\" أعلن أن \"الأتراك يقاتلون من أجل مجتمع حر وديمقراطي ومتسامح يمكن أن يصبح نموذجاً مفيداً لدول أخرى في العالم الإسلامي\" بل إن مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يقوم في الأساس على الارتكاز الفكري لمفهوم الإسلام الليبرالي \"بدأت تسريبات معالمه مع زيارة رئيس وزراء تركيا (رجب أردوغان) إلى واشنطن في 28/1/2004 ونشرت صحيفة تركية \"يني شفق\" ومعناها \"الفجر\" في 30/1/2004 عرض الرئيس الأمريكي \"بوش\" على \"رجب\" معالم هذا المشروع الذي يمتد من المغرب حتى أندونيسيا مروراً بجنوب آسيا، وآسيا الوسطى والقوقاز، وقد ابتدأ العرض على تركيا لتتولى الترويج لنموذجها الديمقراطي واعتدالها الديني \"بحسب خبر الصحيفة \"لدرجة أن الرئيس الأمريكي اقترح أن تبادر تركيا إلى إرسال وُعَّاظ وأئمة إلى مختلف أنحاء العالم الإسلامي ليتولوا التبشير بنموذج الاعتدال التركي المطبق في تركيا.

فالتجربة التركية الحديثة كما وصفها احد الأتراك \"منحت الإسلام الحرية لكنها لم تنزعها من العلمانية \"، وهو أكثر وصف رائع لتركيا.

الثورة أنتجت انفتاحا غير محسوب أو مؤسس على قواعد معتبرة ، وهكذا أخذنا ننجر الى ساحات التدافع وميادينه المختلفة مزودين بحس الانفتاح الرخو ، وعدم تكثيف التربية التي تلملم القوة وما تبعثر ، بل زادنا الانفتاح بعثرة في الرؤى و تشضيا في المفاهيم وأصبح كل يدعو الى نموذج يجب ان يطبق أو تفكير سياسي يجب ان يتخذ في التعامل مع الخصوم الذين يؤيدون انفتاحنا كي يستطيعوا الإمساك بناصية العقل وتحويره وتجفيف الفاعلية الروحية لدى المسلم الحقيقي.

الإعجاب بالنماذج أفقد بعض شباب الإخوان المسلمون الوعي بذاتهم الحركية وأهداف الحركة الكبرى ، مما ساهم في تغييب الرؤية التي أسست الجماعة عليه ابتداء-هكذا يبدو للمراقب- فالإفراغ من المحتوى القيمي يتخذ مظاهر مختلفة لا يمكن اكتشافها إلا بعد ان يستفحل داء الإعجاب ويتجذر بشكل كامل يصعب معه التقويم من جديد