قراءة في سيكولوجية جماهير الثورة والثورة المضادة
بقلم/ طارق عثمان
نشر منذ: 7 سنوات و أسبوعين و 4 أيام
الأربعاء 04 سبتمبر-أيلول 2013 04:21 م

كنت قد قرأت كتاب غوستاف لوبون ( سيكولوجية الجماهير ) مرتين أيام الربيع العربي إلا أني وجدت نفسي حريصا على إعادة قراءته في أيام الربيع الآخر ، كان يجب فهم الجماهير بعيدا عن اللوحة السريالية التي خلقتها مجموعة الصور المتدفقة من ميادين تونس أو من ميدان التحرير (النسخة الأولى) في القاهرة والتغيير في صنعاء أو بقية الميادين في اليمن و سوريا .

ورغم إن غوستاف كتب كتابه قبل قرون لكني أراه وكأنه يستقل هيلوكابتر مثل المخرج خالد يوسف ولكن لا يصور الأعداد المتدفقة على التحرير بكامرا تلفزيونية يوم 30 يونيو بل يمتلك أجهزة تصوير طبقي مقطعي ورنين مغناطيسي وموجات فوق صوتية يصور بها دواخل الجماهير شرائحها إنفعالاتها عواطفها كجسد واحد بأعضاء وأجهزة مختلفة .

تناول الجماهير من خلال كتاب يحتاج لكُتب لأن كل تناول يقوم به الكاتب ستضطر لإسقاطه على الجماهير الحالية بالشرح والتفسير والتوضيح لذلك سأكتفي بنقاط موجزة ومركزة .

- الجماهير خاضعة والانتفاضات استثناء عابر بل إنها محافظة وتمل من فوضاها وتتجه نحو العبودية لحاكم قوي وهذا ما كان يدفع جزء كبير من الجماهير إلى رفض سقوط حسني وصالح والقذافي وبشار بل حتى إن جزء كبير جدا من الجماهير الغير مسيسة أو المستفيدة من الأنظمة القمعية تتجه أحيانا بنفسها لإخماد الإنتفاضات إما بالعنف اللفظي أو الجسدي أو تحطيمها معنويا حفاظا على حالة الخضوع أو حفاظا على القائد الذي ألفوه لسنوات طويلة وذلك بسبب هذا الجنوح نحو المحافظة ، الجماهير أميل للإنضمام لحزب الكنبة حتى في أكثر اللحظات ثورية ومن يقومون بالثورة كانوا هم جزء من الشعوب وليست الشعوب .

- الجماهير عاطشة للقيادة أكثر من عطشها للحرية ولذلك فلا عجب أن رأيتها تبرر للطغاة تسلطهم وغطرستهم وفسادهم فقط لوجود سيماء القيادة فيهم أو لوجودهم لزمن طويل على سدة الحكم ، كانت خطابات حسني وصالح والقذافي وبشار كفيلة في بعض الأحيان بإعادة العجلة إلى الصفر كنا نشعر أن كل مامضى ذهب أدراج الرياح بعد كل خطاب يذكر القائد الجماهير بإنجازاته وما قدمه كزعيم في مراحل تاريخية حرجة . ولذلك تتجلى صفة المحافظة أيضا في الميل نحو إبقاء الجماهير على الدولة العميقة ، فرغم القمع والإذلال والاستبداد الذي تمارسه بعض أجهزة الدولة العميقة والتي طالت قطاعات كثيرة نجد أن هناك من لا يزال حريص عليها .

- الجماهير تحترم القوة ولا تحترم الطيبة وحين تدوس الديكتاتوريين فإنها تفعل ذلك لأنهم فقدوا قوتهم وليس لأنهم لم يكونوا طيبين ، عندما شنق كثير من الطغاة على أيدي الجماهير أمثال تشاوشسكو مثلا لم يكن ذلك بسبب أنها تنتقم منهم بل لأنها لم تعد تحترمهم بسبب فقدهم للقوة حدث هذا مع تشاوشيسكو ومع القذافي وحتى مع مرسي الذي بدا أمام الجماهير كشخص يفتقد القوة .

- الفرد يتحرك بشكل واعي والجمهور يتحرك بشكل لا واعي فالوعي فردي واللاوعي جماعي لذلك كان واضحا أن الجماهير في حالات كثيرة في كل الميادين العربية يمكن أن تتحرك بشكل غير واعي وهذه ليست وصمة لكل الجماهير بل للجماهير التي لا تحركها إدارات حشود واعية، وعموما الجمهور أقل مستوى من الفرد عقليا وفكريا .

- العاطفة وحدها من يحرك الجماهير لا العقل ( خاطب عقول الأفراد وعواطف الجماهير ) كان السيسي وهو يحلف أغلظ الأيمان ومبارك وهو يقول لهم أنه سيموت فوق تراب مصر ومرسي وهو يخاطبهم بأهلي وعشيرتي إنما يخاطبون العاطفة في هذه الجماهير وظهر صالح وهو متفحم ليستعطف الجماهير فعل ذلك زين العابدين في خطابه الأخير ، الجميع يدغدغ العاطفة .

- غياب التفكير النقدي و نمو المشاعر اللاهبة والتأثر بالصور الموحية واللغة المجازية لذلك لا تستغرب من تصديق البعض لفبركات إعلامية ساذجة ثم يندهش حين تفندها له ببساطة لذلك لا تتوانى عن دحض ما يكرره البعض من أكاذيب تبدو ساذجة لا مجال لذكر أمثلة منها لأن في كل قطر عربي عشرات الآلاف من الأمثلة خلال الفترة المنصرمة ومجرد ذكرها ستنقدح في ذهن القارئ مئات الصور .

- التأثر بالشعارات المبسطة والقاطعة التي تقبل دون نقاش فالجمهور غير مستعد لقراءة المقالات ومشاهدة البرامج الوثائقية والتحقيقات الصحفية ، هو يريد شعار جاهز وعبارات قصيرة تعفيه عناء التفكير ولذلك ليس من المهم أن يسمع برنامج حمدين صباحي مثلا وإنما ستعجبه ( واحد مننا ) (الأفعال وليس الكلام لشفيق ) أو( قوتنا في وحدتنا) أو( رئيس من أجل اليمن لا يمن من أجل الرئيس) .

- الفرد يفقد خصوصيته ويكتسب صفات مختلفة وربما معاكسة لصفاته الفردية فيتحول الفرد الجبان بين الحشود إلى أسد هصور ويتحول البخيل إلى جواد كريم قد يبذل الكثير وهكذا ، بناء على طبيعة الحشد والروح السائدة فيه فكم من شاب متخاذل وقف أمام دبابة أو شيخ كبير صارع عدد من رجال الحرس الجمهوري وحيدا أعزلا في الشارع كما شاهدنا وكم من شاب إنقاد مع المئات في ملاحقة فتاة وتعريتها في التحرير .

- يدخل الفرد في حالة من التنويم المغناطيسي ويفقد التمييز ويتحول الى السلوك الآلي ... فالفرد المعزول يمتلك الاهلية للسيطرة على ردود افعاله.

- المحرضات هي من تجعل الجماهير بطلة او مجرمة ، مضحية أو قاتلة وتهيمن على الجماهير حد غياب حب

البقاء وهذا يعتمد على التوجيه من قيادة الحشود ، فحشد مثل حشد التحرير النسخة الثانية مثلا قد يتحول نفسه إلى حشد التحرير النسخة الأولى بفعل القيادة فالخطاب الذي يحرض على التضحية في رابعة كان دافعا للوقوف أمام المدرعات بصدور عارية والتحريض على العنف في مظاهرات الاتحادية كنت تدفع الجماهير إلى المشاركة في القتل وسحل كل ملتحي أو الاعتداء على كل محجبة . الجماهير قد تمزق ضحية اربا اربا كقطيع من الذئاب وقد تتحول إلى ملائكة تمشي على الأرض بفعل هذه المحرضات

- لا شيء ثابت لدى الجماهير وقد تنتقل من النقيض للنقيض تحت تأثير المحرض السائد في ساعتها ولذلك فمسيرة عظيمة مثل مسيرة الحياة من تعز حتى صنعاء وجدت في آخر لحظة من يحرف مسارها لأنه جاء جاهز بالمحرضات واللافتات والهتافات .

- أفعال الجمهور نابعة من الحبل الشوكي والفرد من الدماغ . الجماهير سريعة الانفعال خفيفة نزقة..

- يميل الجمهور الى تحويل العواطف الى ممارسات فغضبه يتحول هتافات و قد يتحول تدمير وقد يتحول وقوف أمام دبابة أو مدرعة الحب والكره والغضب لا تبقى في القلب بل تخرج ولذلك وجدنا إبداعات غير عادية وخاصة فنية أثناء الثورات .

- الجمهور ساذج جدا لذلك عندما تجد قصص خرافية تقال لحشد كبير جدا ثم يصدقها فلا تستغرب هذا طبيعة الجمهور .

- مهيأ لأي اقتراح ومن يمتلك البرنامج والأجندة الجاهزة والإدارة وقوة التنظيم ويسيطر على المنصة واللجان هو من يسير الجماهير ، توكل كرمان كنت مثلا صاحبة مبادرة ومقترح مصاغ بشكل جيد و هي تعرف أن هناك من سيستسيغ مقترحها لذلك سرعان ما يتحول إلى فعل مؤثر في لحشود .

أول اقتراح يفرض نفسه بالعدوى والانتشار لدى الأذهان المهم أن يكون صاحب المقترح ذو سلطة وقوة وتأثير في الجماهير .

- الهلوسات الجماعية التي تصدق المعجزات لذلك عندما يتقدم شخص مثلا وهو مجلل بالثياب البيضاء ثم ينقذ شاب وسط الرصاص ويختفي لا تستبعد أن الجماهير تعتقده ملاكا بل سيؤكد لك الجميع ذلك ..

- الجماهير تفتقد ملكة الملاحظة لذلك فإن تضليل الجماهير أسهل من تضليل الفرد

- الجمهور يضخم مشاعره ليحمي نفسه من عذاب الشكوك بصحة ما يعتقده ، فالجمهور كالنساء تذهب للتطرف من خاطر ليقين..

فخاطر أن هناك مؤامرة تدار من تل أبيب ضد صالح تضخمها الجماهير المؤيدة حتى يصبح يقين وكذا المؤامرة الكونية ضد بشار أو مؤامرة غربية ضد السيسي فهذا ما يحميها من عذاب الشك في صواب ما تفعله وهي ترى آلاف الضحايا ، لا يمكن أن يستمر طاغية دون أن يروج لمؤامرة تقنع جماهيره بتقبل كل جرائمه وتريح ضميرها بتحويل بعض الخواطر إلى يقينيات .

- الجماهير غير المتجانسة عديمة المسؤولية فجماهير التحرير في مصر غير متجانس لذلك كانت تصدر منه تصرفات لا أخلاقية كثيرة جدا وكان العدد يعطي ثقة بالنفس واطمئنان لغياب العقوبة فالخوف من العقوبة تقمع عواطف الفرد

- يتحرر الأبله والجاهل والفقير من دونيتهم وعجزهم وعدم كفاءتهم ويصبحون مجيشين بقوة عجيبة .

- عنف الجماهير لا يعني أنها تمتلك غرائز ثورية فظاهرة البلاك بلوك مثلا لا يعني أن أصحابها لديهم ميول ثورية لمجرد ما يقومون به من أعمال قد تبدو أحيانا أنها في قمة المغامرة أو الشجاعة بل هم مجموعة مشاغبة وعنيفة ليس إلا .

-الجماهير عكس الفرد لا تحركها المصلحة الشخصية بل ربما التضحية بالمصلحة الشخصية فتتخلق بأخلاق كالتفاني والاخلاص والتضحية وهذا ما جسدته رابعة مثلا حدا دفع بوزير سابق زار الميدان ليقول أن من رأيتهم هم أشرف من رأيت في حياتي .

سأكتفي بهذا القدر وقد أعددت الكثير من مقاطع الفيديو كرصد وتوثيق لسلوك الجماهير .

عودة إلى كتابات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
محمد  المياحي
سبتمبر وسيطرة المنافق على صنعاء..!
محمد المياحي
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
محمد كريشان
ترامب إن بقي… وإن رحل
محمد كريشان
كتابات
احمد طلان الحارثيالاعتذار النموذج
احمد طلان الحارثي
مشاهدة المزيد