جبر الخواطر يا إصلاحنا الشاطر «1»
بقلم/ ابو الحسنين محسن معيض
نشر منذ: 4 أسابيع و ساعتين
الثلاثاء 18 يونيو-حزيران 2019 07:00 م

بعد نشر مقالنا " المتفلتون من الإصلاح " , انقسم المتابعون السلبيون حوله قسمين . الأول من الصف الإصلاحي . والثاني من خارجه من الخصوم والمنافسين .

 أما القسم الأول فقد ظن محدودو الفهم وسطحيو التفكير أن ذلك يشخص حالة خاصة , ويفند معضلة محصورة , ويتعرض لقضية نادرة . فأقول لهؤلاء القلة .. إن تشخيص العلل وتوضيح مكامن الخلل ثلثا الطريق نحو التقويم والتصحيح , فعليكم بالتحلي بعمق التفكير وسعة الفهم , فليس كل نقد هدما وما كل شكوى جرما . التفلت أمر خطير , ينشأ صغيرا لعلة بسيطة تكمن في النفس نتيجة لتصرف غير متقبل من شخصية إصلاحية معتبرة , أو من آثار سماع متكرر من هنا وهناك حول موقف إصلاحي غير معلل .

. وهذا الصغير إن لم يتم البوح به وتداركه فإنه يكبر شيئا فشيئا , ويصل إلى النجوى الداخلية منتشرا كالنار في الهشيم . 

وما كتبت مقالي عن التفلت إلا بعد تواتر أحاديث مع عدد غير قليل من الإخوة في داخل الوطن والمهجر . وهو بحمد الله تفلت جسدي سطحي من انقطاع التواصل وعدم تبيين الشبهات وشرح المستجدات , وليس تفلتا قلبيا يخدش جذور الانتماء , ولا عقليا يمحو أصالة الفكر . 

وإن الأخ ينتقد من باب الحرص التام كي يظل الإصلاح دائما كما عهده صفاء ونقاء , وكما اقتنع به فكرا ومنهجا , وكي يظل رجاله في دعوتهم نبراسا للهدى , وفي سياستهم قادة متميزين متجردين . ومن أجل هذا مد يده معاهدا على الوفاء والصدق والحق , لا على التملق والمواربة والتدليس على أهله . ولذا على القادة الاهتمام والإنصات والإصغاء , ثم التواصل والتبيين والعلاج . 

فلا يعقل أن يسعوا إلى صون الجماعة من مخططات الاستئصال الخارجية , وحمايتها من مكر الأعداء المتربصين بها , دون عناية وتفقد مستمر لما يعتمل في الداخل من آفات وعلل , ودبيب نمل . ولهم أسرد من سيرة الحبيب صلى الله عليه وسلم ما حدث بعد النصر في يوم حنين , لقد حاز رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم الكثيرة أربعة وعشرين ألفا من الإبل وأربعين ألفا من الغنم وآلاف الأوقيات من الفضة , فوزعها كلَّها على المؤلفة قلوبهم ومسلمة الفتح , وأمَّا الأنصار فلم يعطهم منها شيئا فوجدوا عليه في نفوسهم وكثر منهم القيل والقال , فدخل عليه سعد بن عبادة , فقال يا رسول الله إن الأنصار قد وجدوا عليك في نفوسهم , لما صنعت . قال فأين أنت من ذلك يا سعد . 

قال ما أنا إلا من قومي . فطلب منه الرسول أن يجمعهم له , فجمعهم في حظيرة ليس فيها غيرهم , ثم وقف فيهم خطيبا : " يا معشر الأنصار ما مقالة بلغتني عنكم ! أوجدتم علي في لعلعة من الدنيا أعطيتها أقواما أتآلفهم بها للإسلام , ووكلتكم إلى إسلامكم . ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي ؟ ألم أجدكم عالة فأغناكم الله بي ؟ ألم أجدكم متفرقين فآلف الله بينكم بي ؟ . فقالوا جميعا , لله ولرسوله المن والفضل . ثم قال يا معشر الأنصار ألا تجيبون ؟ فقالوا بم نجيب يا رسول الله .

 فقال أما إنكم لو شئتم لقلتم ولصدقتم , أتيتنا مكذبا فصدقناك وطريدا فآويناك ومخذولا فنصرناك وعائلا فآسيناك . يا معشر الأنصار ألا يرضيكم أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون برسول الله إلى رحالكم , أما والله لولا الهجرة لكنت من الأنصار , ولو سلك الناس فجا لسلكت فج الأنصار . اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار . فبكوا حتى أخضلت لحاهم , وقالوا رضينا برسول الله حظا وقسما . 

أليس هؤلاء هم بايع الرسول صلى الله عليه وسلم وخرجوا معه يقاتلون حيث يأمرهم ؟ أليسوا هم الذين منحوه الوطن والدار , ووضعوا بين يديه أموالهم وأرواحهم ؟ قائلين بإخلاص , والله لو خضت بنا البحر لخضناه معك ما تخلف منَّا رجل واحد . أليسوا هم أبطال بدر وشهداء أحد ومغاوير الخندق وفاتحو مكة ؟ .

 بلى إنهم هم . فما لهم اليوم قد سرت بينهم مقالة نقد على تصرف رسول الله ؟ .

 إنها النفس البشرية التواقة لدحر ما لا تراه صائبا من سلوكيات وتصرفات قادتها , ورفض ما لا تجده مستساغا من مواقف وقرارات جماعتها .

 ثم دقق في موقف القيادي سعد بن معاذ ! وهو يؤكد موقفه مع قومه في نقدهم . لا مجال للتملق والوصولية والمداراة مع مسؤوله المباشر , بل وضوح وشفافية , وصريح مقال وصدق موقف . وتفكر حين جمعهم الرسول وليس معهم غيرهم .

 إنه الإحصاء والحصر للفئة المتصلة بالموضوع , لتوصيل رأيهم وبيان مقالهم بكل إجماع وحرية , دون تداخل لفظي ولا تدخل فعلي من غيرهم . ثم قف مع موقف القائد المربي المسؤول رسولنا صلى الله عليه وسلم , واستفد . 

هل أهمل الأمر وترك المقال يزداد وينتشر ؟ هل عنفهم ووبخهم , هل اتهمهم بالتمرد والمعصية , أو بالمرض التنظيمي والنتوء التربوي .

 لا , بأبي هو وأمي , بل سارع إلى جمعهم مبتدئا حديثه معهم بما له من فضل عليهم , ثم أردف ـ معترفا ـ بما لهم من فضل عليه , ومشجعا لهم ليقولوا في وجهه الحقائق , فهم كذلك لم يقصروا مع القيادة والجماعة في دعوة ولا نفير .

 وحينها شرح في هذا اللقاء الشفاف عوامل وأسباب تصرفه , ووضح في هذه المصارحة الأخوية عدم خلو الصف من ضعاف إيمان وأهل دنيا , والمرحلة تتطلب مواقف وقرارات قد لا يرضى عنها المخلصون , أهل الحمية , ولا يقتنع بها المتجردون , أهل الحماسة , وأكد لهم موقفه وموقف الجماعة كاملة منهم , وهو موقف مبني على الوفاء والحب والامتنان , وأساسه الصدق والثقة والإخلاص . 

فطابت النفوس واطمأنت القلوب , وزالت العلة , وزاد الصف ترابطا وقوة وفاعلية . فهلا جعل حكماء رجالنا , شعار " الرسول قدوتنا " , واقعا ملموسا , يفتت كل عائق بيننا , ويزيل كل حيرة عنا ؟!.

ـ يتبع ـ

عودة إلى كتابات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
خالد عبدالله الرويشانمأرب ليست الإصلاح
خالد عبدالله الرويشان
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
إحسان الفقيه
قلمٌ… ولا مِمحاة
إحسان الفقيه
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
عبدالرحمن مهابادي
غروب الملالي وشروق المقاومة في إيران
عبدالرحمن مهابادي
كتابات
عبده سعيد الصمديمأرب ما بعد الانتفاشة
عبده سعيد الصمدي
مشاهدة المزيد