فساد التعليم الجامعي يقع بين القمة والقاعدة
بقلم/ د. محمد البنا
نشر منذ: 8 سنوات و 11 شهراً و 3 أيام
السبت 31 مارس - آذار 2012 04:43 م

التعليم الجامعي في بلادنا يعاني صعوبات كثيرة أهمها وأخطرها هو انحطاط بعض قيادات مؤسسات التعليم الجامعي. بالنسبة للقاعدة القانونية للتعليم العالي وعلى الرغم من بعض القصور فيها الا انها تشكل أساسا طيبا للتعليم الجامعي, غير ان الكادر القانوني في مؤسسات التعليم العالي الذي يقع عليه واجب تطبيق تلك القوانين هو من يخالفها ويعمل ضدها. فلو ذهبنا الى التطبيق العملي للقوانين في مؤسسات التعليم العالي الحكومية سنجد بان رؤساء مؤسسات التعليم العالي وعمداء الكليات يعتقدون بانهم فوق القوانين وخارج اية رقابة او محاسبة تصل حد مخالفتهم الفاضحة لتوجيهات القيادات العليا. لو أخذنا مثلا بسيطا من الأيام القليلة الماضية عندما اعلنت وزارة التعليم العالي وقف الدراسة الجامعية ليومي الاربعاء والخميس حفاظا على صحة الطلاب, قام عميد كلية الحقوق بجامعة عدن بالزام الطلاب بالحضور بل واستعراض قوته باظهار انه فوق الجميع واعلان وقف الدراسة بشكل مستقل بقرار منه يوم الخميس فقط. في الوقت الذي يرتكب فيه عميد هذه الكلية الجامعية الكثير من المخالفات بحق الطلاب وأعضاء الهيئة التدريسية في الكلية متقويا بعلاقات شخصية تحمي موقعه.

من ناحية اخرى, يعلم الجميع بان جامعاتنا الحكومية شكلت بقوانين. فالمادة (106) من اللائحة التنفيذية لقانون الجامعات اليمنية الصادرة بالقرار الجمهوري رقم (32) لسنة 2007م, تنص على ان يكون للجامعة بنية تنظيمية أكاديمية وإدارية موحدة في مسمياتها واختصاصاتها وفقاً للنظام الصادر بذلك بقرار من رئيس مجلس الوزراء بعد موافقة مجلس الوزراء بناءً على عرض من الوزير وموافقة المجلس الأعلى, وتضيف المادة (108) بان يصدر بقرار من الوزير بناءً على اقتراح رئيس الجامعة لائحة تحدد اختصاصات ومهام مجلس الأقسام غير الأكاديمية التابعة للجامعة والكليات وشروط تعيين رؤساءها والعاملين فيها. كذلك تامر المادة (102) من اللائحة التنفيذية للقانون بان يصدر رئيس الجامعة بعد موافقة مجلس الجامعة والمجلس الأعلى القرارات الخاصة بإنشاء أو دمج أو نقل الكليات والأقسام والمعاهد ومراكز البحوث والتعليم والتدريب والاستشارات والمستشفيات والبرامج الخاصة والمدارس التطبيقية في حرم الجامعة. هذا يعني بان اية قرارات او لوائح او نظم تصدر عن تلك المؤسسات, يجب وبشكل الزامي ان تستند الى القانون ولا تخالفه مطلقا باي شكل من الأشكال خاصة وان المادة (7 مكرر) من قانون الجامعات اليمنية رقم (18) لسنة 1995م, خص المجلس الاعلى للجامعات بإقرار اللائحة التنفيذية للجامعات واللوائح الداخلية للكليات والمعاهد, والموافقة على إنشاء كليات أو أقسام أو معاهد أو مستشفيات جديدة في الجامعة أو تعديل أو إلغاء أو دمج القائم منها ورفعها إلى المجلس الأعلى لتخطيط التعليم لاعتمادها, ووضع النظم الخاصة بتقويم وتطوير التعليم الجامعي.

لكننا في الواقع نجد العكس تماما, ففي جامعة عدن توجد نيابة للشؤون الاكاديمية تتبعها دائرة التقويم وتطوير الأداء الأكاديمي المرتبطة بالمجلس العلمي الأكاديمي الذي يتراسه نائب رئيس الجامعة للشؤون الاكاديمية ويحدد مهامه ووظائفه قانون الجامعات اليمنية وتعديلاته, وكذا لائحته التنفيذية. حيث تنص المادة (18) الفقرة (د) من اللائحة التنفيذية للقانون على ان يختص المجلس الأكاديمي بالنظر في المسائل المتعلقة بتطوير المناهج الجامعية ورفع كفاءة الأداء الأكاديمي لأعضاء هيئة التدريس وتوفير الدعم المادي لتحقيق أهداف الجامعة في هذا الجانب. كما تعطي المادة (36) البند (1) الفقرات (ج و ح و ط) لنائب رئيس الجامعة للشؤون الاكاديمية الإشراف على إعداد وتنفيذ الخطط المتعلقة بوضع المناهج الجامعية ورفع كفاءة الأداء الأكاديمي لأعضاء هيئة التدريس، وتوفير الدعم المادي لتحقيق أهداف الجامعة في هذا الجانب, والإشراف الأكاديمي على تقويم أنشطة الشؤون الأكاديمية في مجال الأداء الأكاديمي لأعضاء هيئة التدريس ومساعديهم والأقسام العلمية والبرامج، والكليات التابعة، وغيرها من الوحدات الإدارية، ورفع تقرير سنوي بذلك الى رئيس مجلس الجامعة لعرضها على مجلس الجامعة, وكذا رئاسة مجلس التأديب الخاص بأعضاء هيئة التدريس ومساعديهم وضمان حقهم في الدفاع عن أنفسهم، ومتابعة قرارات مجلس الجامعة وفقاً للقانون وأحكام هذه اللائحة واللائحة الخاصة بمجلس التأديب.

ان قانون الجامعات اليمنية كان قد صدر عام 1995م وتمت عليه العديد من التعديلات ومنها التعديل بالقانون رقم (33) لعام 2000م الذي أضاف المادة (17 مكرر) والتي تامر بإنشاء دائرة متخصصة في كل جامعة لتقويم وتطوير الأداء الأكاديمي في الجامعة، ويكون لهذه الدائرة رئيس بدرجة عميد كلية يصدر بتعيينه قرار من رئيس الجامعة بناءً على ترشيح نائب رئيس الجامعة للشئون الأكاديمية. وبالفعل وجدت هذه الدائرة في جامعة عدن وتتبع النائب للشؤون الاكاديمية المخول بترشيح رئيس هذه الدائرة. لكن وبعد تسع سنين العام 2009م من صدور القانون تقوم جامعة عدن بتنفيذ القانون على طريقتها, حيث اصدر رئيس الجامعة القرار رقم (277) لعام 2009م, بتاريخ 19 ابريل 2009م باللائحة التنفيذية لمركز تطوير الأداء الأكاديمي, التي وضعت مادتها (4) هذا المركز تحت الإشراف المباشر لرئيس الجامعة, ومنحته المادة (39) صفة كلية وتمثيله في مجلس الجامعة, وفرضت المادة (40) مشاركته في اجتماعات جميع اللجان المختصة بمهامه داخلياً وخارجياً, الى ان يصل الأمر في المادة (42) الى إلغاء دائرة التقويم وتطوير الأداء الأكاديمي التابعة لنيابة الشؤون الأكاديمية في الجامعة, وبهذا تحولت وظيفة المجلس العلمي الاكاديمي الى المركز الجديد التابع لرئيس الجامعة. فهل يمكن للائحة داخلية الغاء مواد القانون واللائحة التنفيذية له؟

لو بحثنا عن سبب هذا التصرف المخالف للقانون سنجده في تاريخ صدور قانون التعليم العالي الذي صدر في 21 أغسطس 2010م برقم (13) لعام 2010م, الذي يهدف إلى وضع الأحكام والضوابط المنظمة لوظيفة التعليم العالي في اليمن. بموجب هذا القانون وفي المادة (28) منه, يتم إنشاء مجلس يسمى "المجلس الأعلى للتعليم العالي"، يعد السلطة العليا المسئولة عن شؤون التعليم العالي والإشراف عليه والتنسيق بين مؤسساته, على ان تتولى وزارة التعليم العالي وفقا للمادة (38) تنفيذ السياسة العامة للتعليم العالي والبحث العلمي في الجمهورية وفي نطاق مؤسساتها المشمولة بهذا القانون، ولها في سبيل تحقيق ذلك مراقبة وضبط جودة التعليم العالي، والتأكد من تطبيق مبادئ الجودة ومعايير الاعتماد الأكاديمي, ولذا امرت المادة (39) بانشاء مجلس يسمى (مجلس الاعتماد الأكاديمي وضمان جودة التعليم العالي) يتألف من تسعة أعضاء بدرجة أستاذ من تخصصات أكاديمية مختلفة يتم اختيارهم بطريقة تنافسية، تحددها اللائحة، ويصدر بتسميتهم قرار من رئيس مجلس الوزراء. ويتولى المجلس وفقا للمادة (41) وضع أسس وآليات استرشادية لقيام مؤسسات التعليم العالي بالتقويم الذاتي لأنشطتها ككل وكذلك لبرامجها ومخرجاتها على نحو سليم. واوجب القانون في المادة (48) على مؤسسات التعليم العالي إجراء دراسة التقييم الذاتي وفق الدليل المعد من مجلس الاعتماد وضمان الجودة وتطبيقه بشكل دوري, على ان تنشأ في كل مؤسسة تعليم عالي حكومية أو أهلية (وحدة إدارة الجودة) يصدر بتحديد صلاحيتها ومهامها ونظام عملها قرار من رئيس المؤسسة (المادة 47).

من المعلوم ان أي قانون يمر قبل صدوره بعدة مراحل من المناقشات والتعديل وغيرها, مما يدلل على معرفة جامعة عدن ببنود هذا القانون قبل صدوره, ولهذا السبب قامت باستباق صدور القانون بإصدار لائحة تخالفه وتعطي صلاحياته لوحدة من وحدات جامعة عدن تتجاوز المهام المحددة لوظيفتها لتستحوذ على مهام مجلس علمي رسمي مكون من اختصاصيين في اغلب التخصصات ومختارين بعناية لتنفيذ مهام أكاديمية علمية مترابطة, إضافة الى إلغاء مجلس تأديب أعضاء هيئة التدريس ولائحة الجزاءات الخاصة بهم والمحددين في قانون الجامعات اليمنية ولائحته التنفيذية.

قد يعتقد البعض بان هذه المخالفات يتحملها رئيس الجامعة لتنسب اليه تهم الفساد وغيرها من التهم المتداولة هذه الايام, في حين ان رئيس الجامعة يستند الى مشورة اختصاصي كبير في القانون وعميد كلية الحقوق ومستشار مركز المرأة والمسؤول عن مجلة الجامعة ومجلة كلية الحقوق والعضو في العديد من اللجان والمحاضر في معهد القضاء......وغيرها الكثير. إضافة الى اشتراك كامل مجلس الجامعة في اقرار كل ما يصدر عن المجلس الذي يحضره دوما مدير عام الشؤون القانونية بالجامعة وهو من يقدم التوضيحات والتفسيرات القانونية والمبررات لكل ما يصدر عن المجلس. في هذه الحالة ولو تعاملنا بحيادية وإنصاف وبحسب الطريقة المعمول بها في بلادنا, وتسائلنا هل يمكن لرئيس الجامعة ان يعد مشاريع القوانين والقرارات ويدرس مدى مطابقتها للقوانين النافذة المعمول بها في اليمن؟ بالطبع لايمكن له ان يقوم بذلك, ويمكن ان يكون ذلك من ابداع عميد كلية الحقوق الذي سيقدم الفكرة والمقترح وسيحال الى مدير عام الشؤون القانونية لدراسته وتقديم خلاصة به لتقديمه الى مديرة مكتب رئيس الجامعة المخولة حصريا إعطاء الكلمة الفصل في صلاحية تقديمه الى مجلس الجامعة الذي ليس له من وظيفة سوى رفع الايدي بالموافقة الجماعية دون نقاش. وخير دليلا على ما أوردناه هو ما تم في اجتماع مجلس جامعة عدن بتاريخ (26مارس 2012م), عندما أقر مجلس جامعة عدن منح ألقاب علمية (أستاذ وأستاذ مشارك وأستاذ مساعد) مالياً لعددٍ من أعضاء الهيئة التدريسية المساعدة, وذلك لتحملهم مسؤوليات قيادية في الدولة والمجتمع وفي جامعة عدن في الأعمال الإدارية والأكاديمية والبحثية, ودروهم الريادي في تأسيس الجامعة وكلياتها ومراكزها العلمية.

هل من المعقول ان يمر عضو هيئة التدريس بمراحل طويلة وشروط عديدة والتزامات قانونية كثيرة للحصول على اللقب العلمي يمر بعدها بمراحل عويصة للحصول على البدل المالي للقب العلمي, في حين يتم منح اللقب بجرة قلم لأشخاص ليس لهم علاقة بالعملية التعليمية الجامعية تحت مبررات واهية. هل من المعقول ان يكافئ الموظف الذي تحمل مسؤوليات قيادية في الدولة او في العمل الإداري او عضو الهيئة التدريسية المساعدة (معيد يحمل شهادة بكالوريوس) بمنحه لقب علمي عالي لا يستطيع عضو هيئة التدريس الذي يحمل شهادة الدكتوراه الحصول عليه قبل عشر سنوات على الاقل وبشروط واجراءات لا حصر لها. هل من المعقول ان يكون اللقب العلمي هدية مجاملة؟ كيف سيكون موقف الدكتور الذي قضى ما يزيد عن خمسة عشر سنة ولم يستطيع الحصول على اللقب العلمي ليجد نفسه فجأة يخاطب المعيد حديث العهد بالصفة العلمية بروفيسور, وكيف يمكن له ان يشرف عليه او يطالبه باداء أي من مهامه.

إننا نرى بان الفساد هو في المستويات الوسطى للمنافقين والمطبلين, ولو استطعنا تنظيف الوسط المحيط بأصحاب القرار سنتمكن حينها من معرفة ما اذا كان المسؤول الأول فاسدا لا يمكن إصلاحه. لذا فعلى المسؤولين أنفسهم القيام بهذه المهمة كبادرة إثبات البراءة من تهمة الفساد والتغرير السياسي وشراء الذمم لأغراض شخصية.