المساوي – المليكي محاولة متميزة نحو الحوار المتمدن
بقلم/ عبدالملك طاهر المخلافي
نشر منذ: 8 سنوات و شهرين و يوم واحد
الخميس 15 ديسمبر-كانون الأول 2011 05:05 م

تابعت كغيري من جمهور قناة الجزيرة حلقة الثلاثاء الفائت ( 13-12-2011) من البرنامج المعاكس الذي يديره د. فيصل القاسم، والذي استضاف فيه شابين سياسيين يمثلان مؤسستي الحكم والمعارضة في اليمن هما الأخوان: عباس المساوى وجمال المليكي.. ومع أنهما يمثلان قوتين مختلفتين تقفان على طرفي نقيض .. إلا أنهما بغض النظر عن انتمائهما أو القوى التي يعبران عنها، فقد شكلا أنموذجاً جيداً بكل ما تعنيه الكلمة من معنى للقوى الشابة والمثقفة اليمنية. نعم لقد عودنا الحرس القديم على احتكار مسألة الظهور على الشاشات المحلية والأجنبية بصورة منفرة وهزيلة مظهراً وجوهراً، مما يدمغنا بخاصية الافتقار للعمق الثقافي والفكري، ناهيك عن الجهل بمهارات وقواعد وأخلاقيات الاختلاف والحوار، مثل مهارة الاستماع الجيد وإدارة الحوارات والمداخلات والخلافات بشكل ناجح، فما أن يبدأ احد الأطراف بالشروع في الحديث حتى يُباغت بالهجوم على شخصه دون الالتفات إلي مضامين أقواله وفحوى أفكاره.

حقيقة لقد شعرت ببالغ الفخر والبهجة وأنا أتابع أداء الرجلين خلال الحلقة الفائتة من البرنامج نظراً لقدرتهما على المشاركة في تنفيذ الحلقة بطريقة نظيفة وحضارية مترفعة عن كل البذاءات والألفاظ الجارحة، بغض النظر عما أورده كل طرف من وقائع وحقائق ومعلومات لوصم الطرف الآخر وتفنيد مزاعمه.. فقد تم كل ذلك في إطار من الحكمة والمسئولية النبيلة.

ولكن ليسمح لي الأخوان العزيزان أن ابدي بعض التعليقات والملاحظات البسيطة حول أدائهما خلال ذلك اللقاء.. وعلى النحو التالي:

أولا: فيما يتعلق بالأخ عباس: لقد استمعت الى تجاربه ومشاركاته السابقة في قناة الجزيرة وغيرها دفاعاً عن النظام أو الحزب الذي ينتسب إليه.. ولا أنكر بان الرجل يمتلك عقلية منظمة و(ذكاءً لغوياً) عالياً، مما جعل منه خطيباً مفوهاً ومحاوراً لبقاً، ولكن كان كل ما يؤخذ عليه الاندفاع في طرحه ودفاعاته، وهو ما كان يغيض الشارع اليمني، وساد الانطباع عنه بكونه شخصية اقل ما يمكن ان يقال عنها أنها موتورة ومستفزة.. ولكن الذي تبدى لي من هذا اللقاء هو أن الرجل ربما قد أجرى مراجعة فكرية وعاطفية وسياسية للنهج الذي يسير عليه وللطريقة الإعلامية التي عمل بموجبها في السنوات السابقة، لعل ذلك كان بناء على ما يصله من تغذية مرتدة من أصدقائه أو خصومه، ربما مع اللجوء الى تطبيق تقنية إدارية معروفة ومفيدة إما بقصد أو بدون قصد تسمى (نمذجة السلوك)، وعلى افتراض أن الرجل قد وظفها في اصلاح حالته، فأنا أؤكد انه قد أجادها ونجح فيها بامتياز.. وأرجو أن يستمر على ذات الوتيرة، وألا تعود ريمه الى عادتها القديمة، وما شدني إليه أكثر هو ذكاؤه الذي ألهمه بانتهاج إستراتيجية سيكولوجية خطيرة في التعامل مع الموقف واحتواء الهجمات التي كانت تصوب نحوه أثناء الحلقة، وهي إستراتيجية تقوم على اللجوء الى الاستماع الجيد ومحاولة ضبط النفس والتفكير المتأني وعدم التسرع في الرد. كذلك استطاع عباس أن يتقمص حالة يستدر بها عطف الآخرين والظهور بلبوس الضحية، بل وكان أحياناً يلجأ الى ممارسة دور الناصح والواعظ الوقور، وذلك على العكس تماماً مما ترسخ عنه من انطباع في الذاكرة الشعبية.. ليس ذلك فقط بل أن المفاجأة التي صعقني بها عباس هو تصريحه وقناعته بان الحقبة التي ظل يدافع عنها بجسارة أوشكت على الأفول وطفق يهاجمها بقوة ويبشر بغيرها. لقد توقفت كثيراً عند هذا الأمر ولم استطع أن استنتج حقيقته، أهي قناعة تامة تترسخ مع الأيام لدى الرجل أم تكتيك لجأ إليه لإنقاذ ذاته حينما شعر أن الموقف بدأ يميل لصالح الطرف الآخر.

نعم عباس قدرة وكفاءة يمنية متميزة، وأتمنى أن يسخر إمكانياته لخدمة القضايا الوطنية والدفاع عن الحق والفضيلة وألا يصبح بوقاً مستأجراً ومستفزاً لضمير المجتمع.

ثانيا: فيما يتعلق بالأخ جمال المليكي: هو أيضاً استمعت الى تحليلاته ومشاركاته السابقة عبر قناة الجزيرة كواحد من المنافحين بشجاعة عن الثورة الشبابية القائمة في اليمن، وكنت تواصلت معه من خلال الفيس بوك وقدمت له تغذية مرتدة عن أدائه الإعلامي الذي كان لي عليه بعض التحفظات الطفيفة.. وقد تقبل ذلك مني مشكوراً.. وعندما سمعت بموعد اللقاء وبأنه سيقف وجهاً لوجه مع عباس المساوى.. أشفقت عليه بل وخامرني شك في قدرته على إدارة الموقف بجدارة.. ولكن بمتابعتي للمواجهة التي دارت وجدته مطمئناً ومتماسكاً وواثقاً وقوياً بشكل يثير الإبهار والإعجاب. وساعده على ذلك انه يمتلك قضية يدافع عنها بحجج وأدلة قوية يتكيء عليها، بعكس زميله.

على أي حال اشعر أن الأخوين جمال المليكي وعباس المساوى برغم الاختلاف في التوجه والرؤى والحسابات المصالح ونوع القضية التي يدافع عنها كل واحد منهما، فإنهما في تقديري قد قدما أنموذجاً مشرقاً للشباب اليمني في هذه المناسبة بالذات، لما تحليا به من أدب في الحوار وعمق في الطرح ورقي في الأسلوب، ومثل هذا النموذج وما هو على شاكلته لا شك انه يمثل وسيلة فاعلة لترميم الصورة الذهنية التي تكونت لدى الآخرين حول البلد والشخصية اليمنية، بسبب الخطاب المتخلف الصادر عن الجيل القديم والإعلام الرسمي، وأخيراً إعلام (الجندي).. وهنا اقترح أن تتبنى الأحزاب سواء كانت في السلطة أو المعارضة برامج لاكتشاف هذه الشخصيات ذات الميزة التنافسية وتنميتها وتمكينها، وذلك من اجل صياغة وتشكيل الوجه العالمي المشرف للجمهورية اليمنية.