ثورات الربيع العربي ليست أمريكية
بقلم/ د.فيصل الحذيفي
نشر منذ: 6 سنوات و 3 أشهر و 6 أيام
الأحد 12 مايو 2013 04:55 م

ماذا لو أن أمريكا تريد شرق أوسط جديد، ولم يكن ثمة نخبة عربية تسعى الى التغيير؟، هل كان بإمكان العامل الخارجي أن يصنع ثورة عربية؟

نطرح السؤال على هذا النحو لدحض مقولة: إن ثورات الربيع العربي هي صنيعة أميركية، مخطط لها منذ زمن بعيد.. وهذا الاتجاه يتبناه بحماسة منقطعة النظير فلول الأنظمة الساقطة والمتضررة مصالحها، يسعى هذا النفر المغضوب عليهم شعبيا – نكاية واستنقاصًا - أن يحط من شأن الثورة العربية كقيمة حضارية إنسانية تعبر عن إنسان عربي يبحث عن ذاته وحريته وإرادته وكرامته.. نسي هؤلاء القوم أن العربي إنسان ذو قيمة مثل بقية خلق الله، ولا يزالون ينظرون إليه بذات النظر البهائمية التي كانوا يحكمونه بها.. ونظرتهم له بأنه قطيع لم يرشد بعد ولا يستحق الديمقراطية.

وبالعودة إلى تاريخ العرب.. فهل نستطيع إنكار قيام ثورة بني العباس في وجه طغيان بني أمية وفساد ملكهم؟.. هل نستطيع إنكار ثورة عماد الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي ضد فساد الإمارات الإقطاعية، التي باعت نفسها للأجنبي من أجل بقائها في الحكم، فتم الإطاحة بها، وتم تحرير القدس الذي ظل ما يقارب مائة عام تحت الحكم الصليبي الغازي؟.. أين كانت أمريكا من كل هذه الثورة العربية الإسلامية ضد الفساد والانحلال السياسي حينذاك؟

ماذا كان يفعل المجاهد الكبير عمر المختار بـ ليبيا وعبدالحميد بن باديس وعبدالقادر الجزائري وعبدالكريم الخطابي وعلال الفاسي في المغرب.. هل كانوا يتحركون بوحي من أمريكا؟.. ماذا كان يفعل أحمد عُرابي وسعد زغلول.. هل كانوا يتحركون بوحي من أمريكا؟.. ماذا كان يفعل أحمد محمد النعمان والزبيري والشيخ المجاهد علي عبدالله الحكيمي ضد الاستعمار البريطاني والاستبداد الإمامي؟.. هل كانوا يناضلون بوحي من أمريكا؟.. احترموا - قليلًا - عقولنا أيها القوم؟

إن الأمة العربية خلال مائة عام من الاستقلال والاستقرار النسبي واتساع رقعة التعليم وانتشار وسائل الإعلام الحديثة بدأ مثقفوها يقارنون وضعهم بغيرهم من الأمم وبدأوا يعيدون صياغة الأسئلة المسكوت عنها.. عاد المثقف العربي من جديد ليطرح نفس السؤال الذي طرحه المفكر العربي شكيب أرسلان قبل مائة عام كعنوان لكتابه المعني بمشروع النهضة العربية، وهو: ((لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم))؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ظهرت اليوم على شكل ثورة شعبية تُعبّر عن رفض الإنسان العربي للاستبداد باعتباره أساس هذا التخلف والتبعية للغرب والاستكانة والذل والقهقهرى..

لا ننكر أن الدول الكبرى تراقب التغيرات وتقدر اتخاذ القرار المناسب للحفاظ على مصالحها، لكنها ليست شريكة في صنع الثورة العربية مهما اجتهد المجتهدون، ومهما كان للغرب أو قطر من دعم أو تحركات، فليس لأي منها أي دور مزعوم في صناعة الفعل الثوري العربي.. إن الثورة العربية لم تكن عملًا متوقعًا، بل كان مباغتًا منذ أن أعلنت الفضائيات عن هروب رئيس تونس الذي فتح شهية شعوب عربية أخرى تتطلع الى التغيير..

بدأ التغيير الثوري من تونس: لأن تونس متقدمة تعليميًا واقتصاديًا ومجتمعيًا على غيرها من الدول العربية فكانت الخطوة التالية هي الانتقال إلى الديمقراطية عبر الثورة الشعبية، وأن خطأ النظام العربي أنه ظل ثابتًا في محيط اجتماعي متغير إلى الأمام فكانت الثورة فعلًا طبيعيًا، بينما في الصين يتحرك النظام السياسي بالتوازي مع المجتمع ويسبقه - أحيانًا - فأسقط الثورة في ساحة تان مين في العام 90 بالرغم من التآمر الأمريكي على الصين..