عن التطرف في تشويه الموقف التركي الداعم لاستقرار اليمن
بقلم/ رشيد عون الشويع
نشر منذ: 6 سنوات و 11 شهراً و 11 يوماً
الأحد 30 ديسمبر-كانون الأول 2012 04:59 م

يتفق كافة العقلاء من مختلف الاتجاهات الدينية أو مذهبية أو السياسية على ضرورة نبذ التطرف في تعاطي الأطراف مع بعضها البعض سواء تمثلت هذه الأطراف في أشخاص طبيعية أو اعتبارية، كون التطرف داء يقطع ولا يصل ويخلق الصراع لا التعايش.

وإذا كان نبذ التطرف واجب لاستقرار علاقات الأشخاص الطبيعية ممثلة في بني البشر بمفردهم أو الاعتبارية ممثلة في الكيانات المعبرة عن تجمع أكثر من شخص طبيعي تحت مسمى يعبر عنهم سواء كانت شركة أو مؤسسة أو منظمة، فإنها تكون أكثر وجوبا في علاقات الدول ببعضها وكذلك في تعاطي الأشخاص الطبيعية أو الاعتبارية مع أي من تفاصيل علاقة الدولة المتمتعة بجنسيتها مع أي من الدول الأخرى كون ذلك ينعكس على الصالح العام ومواقف ومصالح الكثير من الأشخاص الطبيعية أو الاعتبارية لدى الجانبين.

يتطلب تناول الأشخاص الطبيعية أو الاعتبارية لأي من تفاصيل علاقة دولها مع غيرها من الدول مسئولية ونباهة عالية تقتضي على من يتصدر لها في أدنى الأحوال تحري المعلومة من مصدرها للبناء عليها وشجاعة أدبية تمنحه القدرة على تصحيح الخطأ والاعتراف به احتراماً لأهمية هذه العلاقات وللصفة التي أمكنته من تناولها.

حين نعكس ما سبق على تناول الأشخاص الطبيعية أو الاعتبارية في اليمن للعلاقات اليمنية التركية ينبغي نبذ التطرف سواء في تصويرها من خلال الرأي أو الإخبار عنها والبناء دوماً على المعلومة مع تصحيح الخطأ في حال الوقوع فيه وهذا هو الوضع الطبيعي، غير أن ثمة من جعل التطرف سبيلاً للتعاطي مع بعض تفاصيل هذه العلاقات في تجاهل لا نستطيع الجزم بكونه مقصودا أم غير مقصود لكننا نجزم بكونه غير مسئول.

يأسف القارئ المتابع لصحيفة يومية في اليمن أن يجدها تعمل من خلال أسلوب الدعاية الرمادية التي تخلط حقائق بسيطة في سيل من المغالطات والاتهامات التي لا أساس لها من الصحة بغرض تزييف وعيه عن طبيعة علاقة بلده مع دولة شقيقة بحجم تركيا، بناء على موقف حاد يمكن القول أن راسم سياستها التحريرية يتبناه في التعاطي مع التقارب اليمني التركي على الأقل فيما نتحدث بصدده من النشر.

ككاتب متخصص في الشأن اليمني التركي أعتقد أن أنقرة تلعب دوراً محورياً في سياق الإجماع المحلي والإقليمي والدولي القاضي بضرورة استقرار اليمن نظراً لحساسية جغرافيتها المسيطرة على أهم الممرات المائية ولما يمثله استقرارها من عامل مساعد على انجاز استقرار مماثل في القرن الأفريقي تلعب أنقرة دورا محوريا في المضي باتجاهه كإنجاز مهم للإنسانية التي تخوض اليوم في الشرق أشد مراحل معترك الاستقرار وبناء الدولة الفاعلة في مواجهة اللا استقرار والفوضى.

فوجئت بهذه الصحيفة تستبق التحقيق حول شحنة المسدسات التي قالت أنها مهربة من تركيا وقبض عليها في محافظة الحديدة قبل بضعة أيام وتنشر مادة لا يستطيع القارئ إطلاق مصطلح الخبر عليها نتيجة لافتقارها للحياد الإعلامي الذي تتطلبه مهنية نقل الأخبار.

انطوى ما نشرته الصحيفة علي العديد من المغالطات التي صورت العملية وكأنها عملية رسمية جاءت وفقاً لقرار رسمي تتبناه الحكومة التركية ، فضلاً عن العيد من الملاحظات الأخرى التي نوجزها في التالي :-

1- عنوان ما نشر جاء كالأتي (33 طبيب وسبعة ألاف مسدس .. هدايا أردغان) على صدر الصفحة الأولى بحوالي نصف صفحة شاملةً صورة رئيس الوزراء التركي إلى جوار المسدسات التي قبض علها - وزعمت الصحيفة أنها تركية – بشكل نعتقد أنه يستهدف عمق العلاقات بين الحكومتين اليمنية والتركية التي يمثل أردوغان رمزيتها بالنسبة للجانب التركي، وبما يشوه صورته ومواقفه الإيجابية من القضايا الإسلامية والعربية بما فيها استقرار ونهضة اليمن.

2- أعتقد أن الربط المقصود لخبر وصول وفد طبي تركي إلى اليمن لمساعدة المرضى اليمنيين وهو أحد الصور الإنسانية للدور الإيجابي لتركيا في اليمن سواء بشكل رسمي أو شعبي كون الزيارات الطبية المتواصلة تشمل المسارين بشكل يوضح عمق الرغبة التركية في مساعدة اليمنيين ، جاء هذا الربط ليوحي للقارئ أن كلا الأمرين (مساعدة اليمنيين) و (تهريب الأسلحة) يأتيان في سياق واحد ضمن توجهات سياسة أنقرة تجاه اليمن، وهي مغالطة كبيرة كنا نتمنى أن تترفع الصحيفة عن ممارستها احتراما لما بين البلدين من قواسم مشتركة يجري البناء عليها بشكل يعزز علاقتيهما لما فيه مصلحة الشعبين الشقيقين ، إلا أن هذا الربط الغير منطقي والغير مسئول جاء على خلاف ذلك تماماً واستبق عمليات التحقيق، وقد يضع الصحيفة أمام مسئولية قانونية تجاه ما يمكن أن تتعرض له طواقم الإغاثة التركية في اليمن نتيجة للربط بين عملها وتهريب الأسلحة الموصوفة من قبل الصحيفة ب(ذات الطابع الذي يستخدم في الأغلب في عمليات الاغتيال) والجميع يدرك ما خلفته عمليات الإغتيال من انتقام يعتمل في صدور ذوي الضحايا.

شخصياً لم أكن أتوقع أن يلتبس الأمر على القراء وتفاجئت في اليوم التالي بحديث لعضو في البرلمان اليمني نشرته الصحيفة يؤكد فيه أنه لا يود من تركيا أن تهدي اليمن ثلاث سيارات إسعاف وخمسة آلاف مسدس، كأنما صدق النائب أن تركيا أرسلت الأسلحة لليمن! متناسياً موقعه الرسمي الذي يحتم عليه احتراما لمقامه انتظار نتائج التحقيقات وإدراك أن أي من دول العالم لم تتمكن من القضاء التام على عمليات التهريب نتيجة لطبيعة الجهد البشري المتسم بالنقص كصفة ملازمة له.

قبل التحقيق في الموضوع يمكن لشخص لا يحترم مهنته كصحفي أن يقول أن وكلاء إيران في اليمن – كونها تبدو الأكثر توجساً من ارتفاع وتيرة علاقات صنعاء بأنقرة - يعمدون إلى تهريب أسلحة تركية الصنع إلى اليمن لكي يلقون باللائمة في حال انكشاف تهريبها على تركيا بغية تخفيف وطأة الغضب اليمني على طهران نتيجة نشاطها الذي يفخخ المشهد العام في اليمن، وبالرغم من كونها فرضية جديرة بأن تؤخذ في عين الاعتبار أثناء التحقيق، إلا أن من غير المنطقي اعتمادها أو غيرها من الفرضيات كخبر قبل أن تكشف تحقيقات السلطات اليمنية مرامي وأبعاد تضخيم واختلاق عمليات تهريب أسلحة تركية لليمن.

يتذكر القارئ كم ضخمت هذه الصحيفة عملية إيقاف شحنة أسلحة تركية في عدن وعقبها أجريت حواراً مع محافظ عدن وقال بالحرف الواحد " الأمر بحد ذاته صاحبه تضخيم إعلامي كبير وتكهنات واتهامات هنا وهناك معظمها أوهام لا تمت للحقيقة بصلة , وكم كنا نتمنى من وسائل الإعلام المختلفة عدم التسرع والانتظار حتى تستكمل التحقيقات لتظهر الحقائق قبل استباقها فالإعلام إذا لم يكن دقيقا في الحصول على المعلومة يفقد مصداقيته " ، فضلاً عما كشفه السفير التركي مؤخراً عن كون تلك الأسلحة من النوع غير القاتل التي يجري تصنيعها في مصانع غير مرخصة وتمارس عملها بشكل سري بغية التكسب متمنيا رؤية من يقوم بهذه العمليات سواء في الجانب اليمني أو التركي وراء القضبان.

3- الأمر الأكثر غرابة هو حديث الصحيفة عن زيارة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان لليمن خلال العام الجاري وهو خير شاهد على حجم مغالطاتها الواردة في سياق ما نشرته و يوضح مدى تجاهلها ك(صحيفة يومية) لتطورات العلاقات اليمنية التركية ومساراتها الثائية التي ترسمها الزيارات المتبادلة لمسئولي البلدين و لعل محرريها أرادوا القول أنهم لا يدركون مسميات وصفات هؤلاء المسئولين ، لا ندري إن كان ذلك يأتي في سياق النيل من المكانة المحترمة التي يتمتع بها السيد أردوغان لدى اليمنيين حكومةً وشعباً حين ادعت الصحيفة زيارته لليمن كذباً وكأنما تصور للقارئ قيام الرجل بزيارةً سرية لم يعرها اليمنيون أي اهتمام ولم تعلم بها سواها، الغريب أننا انتظرنا في العدد التالي من الصحيفة توضيحا عن مدى كونها أخطأت في الحديث عن زيارة أردوغان لليمن إلا أن أيا من ذلك لم يتم.

4- تجاوزت الصحيفة في نيلها من العلاقة المتميزة لتركيا بأشقائها العرب والمسلمين حدود اليمن ليشمل ذلك النيل من علاقتها الإستراتيجية بالمملكة العربية السعودية بناءً على تقرير صحفي لصحيفة الشرق ، حيث صورت حديث الصحيفة السعودية وكأنه موقف رسمي للرياض تجاه أنقرة حين قالت (ويعكس تقرير الصحافة السعودية حالة التنافس بين الرياض وأنقرة على النفوذ في المنطقة ، حيث تستشعر المملكة مخاطر من تحركات تركيا وتحالفها مع الأنظمة القادمة إثر ثورات الربيع العربي وهي الأنظمة التي يشكلها "الأخوان المسلمون") وحين زادت ( وتعتقد الرياض أن أي نفوذ تركي في المنطقة سيسحب البساط من تحت أقدام المملكة ).

يتساءل المراقب عن الهدف من تنصيب هذه الصحيفة نفسها متحدثاً باسم المملكة العربية السعودية دون وجود أي تصريح لمسئول سعودي رسمي في هذا الاتجاه ، وعن ماهية أهدافها في النيل من علاقة تركيا بأشقائها سواء اليمنيين الذي تقف إلى جوارهم في تجاوز أزمتهم أو السعوديين الذين تخوض معهم ذات الهدف الواحد القاضي بضرورة استقرار اليمن وفقاً للمبادرة الخليجية التي توحد خلفها المجتمع الدولي .

5- كان حري بهذه الصحيفة إدراك أن السلطات التركية واليمنية هي المعني الوحيد بالتصريح حول عمليات تهريب السلاح أثناء استكمال عملية التحقيق وأن تتعلم المهنية من رفض مدير مباحث الحديدة الإدلاء بأي تفاصيل حاولت الحصول عليها من الرجل إلا أنه امتنع عن ذلك وهو يؤكد على كون سلطات التحقيق هي المعني بتوضيح ملابسات الحادثة حال اكتمال تحقيقاتها.

أخيراً لعل الصحيفة تناست ما يدركه الشارع اليمني عن أردوغان كشخصية قادمة من عمق الثقافة الوسطية للإسلام وهي ثقافة تتجاوز في تعاطيها العام المحاذير القانونية إلى مبدأ الثواب والعقاب الأخروي الذي يحدد سلوك المرء على مختلف المستويات ويجعله يعيد التفكير بمآلات قراراته لا سيما في ذلك ما يتعلق بحقوق الآخرين وأهمها الحق في الحياة، أرادت الصحيفة أن تصور لنا أن أردوغان كرجل عصابة يدير من مكتبه في أنقرة عمليات تهريب الأسلحة متناسية أنه يعد أحد أبرز قيادات الشرق الجديد التي خاضت معارك ضارية مع حكم العصابات وبنت دولة حديثة ترتفع أسهمها على المستوى الإقليمي والدولي كنموذج لنجاح التجربة الإسلامية التي شوهتها التصورات المحرفة وأفكار العنف السياسي.

أردوغان - أيها المتطرفون في تناول علاقة بلدكم ببلده - رجل دولة لا يهدي الآخرين البارود إنما يهديهم نموذجاً محترماً على مستوى بناء الدولة الحديثة في الشرق ونماذج بشرية تتسم بالإنسانية والفاعلية.

لقد أهدى اليمن سفيراً يقود طاقماً دبلوماسياً عملياً رفع خلال فترة قصيرة مستوى علاقات بلاده باليمن بشكل أفزع خصوم تقارب أنقرة صنعاء، ويتحلى بإنسانية جعلته يذرف دموعه أثناء رؤيته لما صنع البارود في أجساد شباب الثورة المثخنين بالجراح ولم يتوانى عن قضاء ليلة عمل رتّب خلالها أعمال فنانات يمنيات على جدران منزله الذي اتسع إبداعهن حين لم يجدن مكاناً لعرضه.

أردوغان أهدانا فرقاً طبية تضمد جراح اليمنيين كانت السباقة على مستوى الجهود الإنسانية العالمية في تلبية نداء المنظمات اليمنية، ومنسقاً لوكالة تيكا في صنعاء كان يقضي حياته الطبيعية في اسطنبول مدرساً في جامعتها صباحاً ويستمتع بدفء منزله ليلاً غير أنه ترك ذلك وجاء يتنقل بين مختلف محافظات اليمن يتلمس ما يمكن أن تقدمه بلده لليمن، ويوم كنا نغط في نوم رمضان كان يتلمس تحت حرارة شمس الحديدة احتياجات الفقراء ويقضي في سبيل ذلك عيدين بعيداً عن أسرته التي حظيت بإجازة أسبوعين على امتداد عام كامل ومؤخراً عاد البروفيسور الجامعي يذرع شوارع صنعاء باحثاً عن سعر مناسب لمواد غذائية يمنحها الفقراء.