السجان وكرمان ... من سجن من (!)
بقلم/ د. حسن شمسان
نشر منذ: 9 سنوات و 5 أشهر و 11 يوماً
الأربعاء 26 يناير-كانون الثاني 2011 04:24 م

[سبحان مغير الأحوال] إذ ما أدخلت كرمان سجنها إلا لتبقى فيه شأنها شأن بقية الأحرار الذين تنبض أرواحهم بالحرية وتجري في عروقهم، ولست أدري ما لذي تغير حتى سارع السجان إلى إطلاق السجين من معتقله، وليس هذا فحسب بل كان إطلاق بشروط يمليها السجين على السجان فأصبحنا لا ندرك من السجان ومن السجين؛ إذ المتوقع دائما هو اشتراط السجان على السجين إذا ما رغب الثاني بالخروج. 

بيد أن الذي حصل كان مغايرا للأعراف؛ إذ كان المتوقع اشتراط السجان على السجين لكن أن يملي الثاني شروطه على الأول شريطة خروج الثاني يجعل الناس تتساءل: لماذا إذا خطفت كرمان في وضح النهار ؟ ولم كل هذا التراجع المخزي والمذل ؟ بحيث أصبحت كرمان هي من تملي على سجانها شروط خروجها فتصير شروط اعتقال كرمان، هي ذات الشروط التي أطلقتها وأخرجتها مرفوعة الرأس وقوية البأس أكثر مما كانت؛ فمشاريعها كبير والمشاريع الكبيرة لا تصنع إلا كبارا، ومشروع كرمان كان كبيرا بحجم الوطن ونفيسا بقيمة الحياة.

لهذا وذاك أبت كرمان إلا أن تخرج وهي تشترط (لا لنفسها) بل لغيرها كما هو دأبها ودأب الكبار الذين يعيشون لغيرهم لا لذواتهم وأنانيتهم، فهناك من يبيع كرامته ليعيش خانعا راكعا، لم تشترط لنفسها وقد كانت في وضع يتيح لها أن تشترط ما تشاء من الماديات التي لا تستهوي إلا المصفقين لكنها اكتفت بمطلب الحرية لجميع المحبوسين من الطلاب الذين كانوا برفقتها وهو ذات مشروعها الكبير؛ إذ هي تسعى لأن يفك أسر الشعب اليمني كله ويحرر من الاستبداد والاستعباد والطغيان.

لو ظلت كرمان بعضا من الوقت في سجنها لكان لها أن تفجر ثورة شعبية ولكانت وفرت على المشترك ثورتهم المرتقبة ولوضعتنا في صورة الثورة التونسية عيانا نهارا؛ إذ كانت كل الخيارات مفتوحة لدى أبطال اليمن ولكانت الأخيرة في طريقها إلى التونسة، لا العرقنة أو الصوملة وعلى نفسها كادت أن تجني براقش". بيد أن السجان استدرك الأمر وخطورته ولبى لها مطالبها وشروطها على وجه السرعة والدقة، فمن كان يدري ما الذي سوف يحصل لو أصرت كرمان على البقاء في السجن ليوم آخر أو حتى يومين (!)

لقد كان وجود كرمان في السجن بعضا من الوقت أكثر خطرا على السجان من وجودها في خارجه، وهكذا الأبطال أصحاب المشاريع العملاقة دائما يشكلون أخطارا جساما في كل حالاتهم؛ فلم يستبعد أحد أن كرمان وضعها السجان في صورة بعزوزي آخر يحصد ثورة يمنية ويشعل جذوتها؛ حيث رأينا انتفاضة الشعب اليمني في أغلب مدن اليمن وقد كان في طريقه إلى التكاثر، وما أدراكما التكاثر؛ حينها لم يكن ليكتف بخروج كرمان من سجنها فحسب، بل سوف يرفع السقف كثيرا (وما أدراكما كثيرا)

إن هذا ما جعل السجان يضع نفسه في صورة السجين الذي تملى عليه الشروط ولا يملك إلا أن يلبي ليصبح بالفعل رهين وسجين قراراته الخاطئة والقاتلة وماذا كان سيحصل لو لم يلبِ تلك الشروط كانت الخيارات ستنتقل إلى يد الشعب وقد أدرك السجان خطورة ذلك فسارع بالتلبية خوفا من النهاية المخزية، وقد كان من ضمن أهداف اعتقال كرمان ترويع الشعب لكنه حصل العكس لينتفض الشعب وينقلب السحر على الساحر. وتنقلب أدوات التهديد والوعيد والقمع التي بيد السجان ضده.