ألحان المصالح
بقلم/ علي قاسم غالب الزبيدي
نشر منذ: 10 سنوات و شهرين و 27 يوماً
الأحد 04 يوليو-تموز 2010 06:33 م
 من يعزفون على ألحان المصالح لا يتعبهم العزف ولا يملون منه ، على العكس من ذلك إنهم يستمتعون بسيمفونيات هم صانعو سلمها الموسيقى وهم أصحاب التقسيم لنغماتها، ومن هنا تأتي المتعة ، وهي حالة أشبه بأن تكذب الكذبة وتصدقها، فسامح الله جحا الذي أرسي هذه الطبيعة والتي التقطها السياسيون وأصحاب المصالح، فما الفرق بين أن يقول الإنسان أو يكتب آو يمارس وهو يعلم أنه يكذب وبين أن يفعل كل ذلك وهو يشعر أنه على الصواب وإن كان هذا الصواب من صنع مخيلته فقط؟ في اعتقادي أن هناك فرقا؛ ففي الأولى لن يستطيع أن يخلص لما يكذب من أجله، عفوا يكتب من أجله.

 وما أكثر هؤلاء الذين تعج بهم الحياة وتزدحم بهم الصحف والمجلات والمنابر، وهم لا يملكون أوراقا وأقلاما إنما يملكون عدة الموسيقي المحترف الذي يمتلك مقدرة فذة على صوغ الألحان وفق الرغبات ووفق العائد الذي سيحصده، إن الواحد منهم ينسج موضوعه كفكرة ثم يقنع بها نفسه وما تلبث أن تتحول لحنا يعجبه ويستسيغه وبعد ذلك وهي المرحلة الخيرة يقدمه قربانا وزلفى ، يقفون به على أقدام المنعوم عليهم، ويمسحون بها عرق المهانة الذي يجهدهم ،فلا شك إن لكل عمل مشقة صغر هذا العمل آو كبير، ولكن أصعب مرحلة لأصحاب الإلحان هو مرحلة الدفاع عن هذه الألحان التي تصبح حقيقة بعد أن كانت خيالا وحقا بعد أن كانت باطلا، ولا يهم في ذلك هل تنسجم مع الراي العام أو تلقى رواجا أم لان إنها بالنسبة لهم (الرغيف) الذي عليه يقتاتون وهم لا يجدون وسيلة تمنحهم الرغيف- في نظرهم – أعز عليهم من هذا الاحتراف، وفي غمرة الانسجام تتحول الموسيقى إلى تسبيح صوفي يعلو ويهبط باسم المحبوب ، وهم عادة خلف كل سياسي حاكما كان أو مسئولا يؤيدونه وينقلون إليه أوضاع الرعية؛ فهو من برجه العاجي لا يطل إلا على عالم أحلامه أما عالم وطنه فإن عدسة التقارير اليومية الضيقة هي التي تعكس له هذا العالم وفي الغالب يكون وضع الوطن في تقارير هذه البطانة لا يقل وردية عن عالم الزعيم، واذكر في هذا المقام موقف إحدى ملكات بريطانيا يوم ثارالشعب إمامها فسألت ما بهم فصارحوها بأنهم يشكون الجوع والفاقة فقالت: هاتو لهم جاتوه، إنها سخرية المواقف، فبين الرعية والحاكم دائما حاجز سيء هم من يقفون خلف الستار ويزينون له أفعاله ويصورون الوطن جنة خضراء، ويقع العبء الكبير على هؤلاء الذين يزرون وزر غيرهم، إنها المصالح التي تختزل خيرات البلاد في مجموعة من الواقفين دون كلل خلف الستار، وللحق فإنهم يستحقون، فهم يبذلون جهدا في الوقوف وهم يبذلون جهدا في اختراع الألحان وهم يبذلون جهدا في العزف والواحد منا يحمر وجهه خجلا إن جاء عليه مرة وكذب وهم تتقرش وجوههم من الكذب دائما مثل الحية تبدل جلدها، إنهم يتعبون فهم يؤدون دور الحاكي باسم الرعية وهم الساهرون على راحة الراعي، هذه البطانة لم تبل بها أمة دون غيرها لكن لكل زمن فنونه وأناسه الذين يبدعون، وبآرائهم تهدر حقوق وتراق دماء وتقوم مظالم ويتشرد أناس ويعرى آخرون، ويعيش الوطن بؤسا.

 وهؤلاء حين يدخلون اللعبة لا يستسيغون العيش بغيرها، إن الكذب تكوين دمائهم والنفاق السياسي شحمهم ولحمهم، فهل لأحد أن يعيش دون لحمه ودمه، إنها مهنة واحتراف شانها شان أي مهنة خسيسة لا ترقى بصاحبها فكيف ترقى بغيره؟ إنهم يتوزعون الأدوار فهم يكبتون وهم يشيرون وهم ينمقون الخطب وهم ينفذون الخطط، وكل في فلكه يسبح ويسبِح بحمد مولاه، إنها سنة الحياة التي تجعل من الأمر المستهجن مهارة لا يجيدها إلا من انخفضت بهم هممهم عن العلو وسرائرهم عن النقاء وعقولهم عن الصفاء ونفوسهم عن الشفافية، مثل هؤلاء لا يصح أن يصدق عليهم أنهم يمتلكون ضمائر فذلك كلام في غير محله ويجانب الحقيقة ويخالف واقعهم؛ لأنهم بالضمائر لا يبدعون، الضمائر للرعية حتى تتحرك حين يظنون السوء بالحاكم وبطانته فيستغفرون الله ويلومون أنفسهم.

 إن الحالة العنترية لأي زعيم كان وهو يقف إمام شعبه يرعد ويزبد لا تصنعها معرفته ومعلوماته الشخصية التي تتولد عنه شجاعته، إنها من صنع معلومات حمران العيون، هذه المعلومات التي تكاد تجعل الحاكم يضع إصبعه في عين كل مواطن فهو يمتلك المعرفة الصحيحة - في نظر نفسه- عما يتكلم عنه، وهذه هي نكبة الشعوب الحقيقية.

 لكن سؤالا يتردد من الذي يصنع هؤلاء؟ هل يأتون إلى ميدان السياسة مؤهلين، أم تحتضنهم معاهد تدريب، أم تدفعهم المصالح لهذا الحذق السياسي،هل يخضعون لعميلت استئصال الضمائر مثلما تستأصل الزائدة؟

 والواقع أن البيئة التي ينشئون فيها وربما الحاجة التي يقعون فيها أيضا تحدث لديهم ردة فعل فما أن يصلوا سدة المسئولية حتى ينقمون على الفقر والفقراء والوطن والرعية، وأيضا تقف حاجة الحاكم لمن يصنعون له المساج الدائم ويعزفون ألحانه تارة آو يرقصون عليها تارة أخرى إلى إيجاد مثل هؤلاء، وربما أيضا تكون الحيلة أم الاختراع وابن الوز عوام وهكذا قد يرثونها كابرا عن كابر، فاغلب المسئولين هم أبناء مسئولين وخاصة من يقفون في الدهاليز ولا يستنيرون بدون شموع المصالح.

 إن مثل هؤلاء يستترون حينما يعرى الآخرون ويشبعون حينما يجوع الآخرون ويرتوون حينما يظمأ الآخرون؛ فسعادتهم في بؤس غيرهم، والواقع الاقتصادي الذي يعدم المقارنة بين طبقة الرعية والمسئولين ويجعلها مستحيلة خير دليل ماثل على أنه لا يمكن أن يسعد الرعية لأن في ذلك شقاء لهذه الحفنة التي تعيش مثل البراغيث على دماء ضحيتها.

 إن الدخول في عالم هذه الجوقة يكشف عن عالم موحش، فهو عالم لا يسمح بالثنائية إن الأحادية هي سبب عيشه ولو فكر في غيره مات، لا شيء من عالم المثل أو القيم أو معايير الشفقة أو الرحمة تعرف طريقها إلى هؤلاء ولو عرفت طريقها إليهم لانتهوا وانتهت، لكن أليس من المفارقة العجيبة أن يكون العزف قرين هذا السوء كله؟ أليست الموسيقى غناء الروح كما يقولون؟ فلماذا ترتبط بالبؤس أو تحمله لأناس وتحمل السعادة لآخرين؟ والجواب لما لا؟ أليست هناك موسيقا حزينة قد تقتل عازفها وتدمر نفسيته، أليست الموسيقى الصاخبة قتلا للأحاسيس الرقيقة؟

 وكما كان التساؤل السابق أو التساؤلات مشروعة، نجد أنه من المشروع التساؤل : الألحان تخلد أصحابها، فنحن إلى اللحظة نسمع بخلود ألحان بيتهوفن وموزارت وغيرهم ، وقد تركت صدى كبيرا لدى جمهورهم ، فهل تخلد هؤلاء ألحانهم وتذيع صيتهم وتشهر ذكرهم؟ 

 لكن لم لا؟ ألم يشتهر حتى اللحظة يزيد بن عبد الملك بفساده حتى قيل: العن يزيد ولا تزيد. ألم يشتهر وزراء البلاط الأموي والعباسي في التاريخ الم يذع صيت الحجاج وقسوته، ألم ألم ...إلخ

 لكننا هنا نتحدث عن أسماء تلمع في وسط النهار لكن هؤلاء العازفين بلا أسماء، قد يكونون من بلاط الحكم المغمورين وقد يكونون من المسئولين أصحاب الأسماء اللامعة، لكنك لا تعرف أنه من يقف وراء الغيم، ولأنهم كذلك؛ فهم يلبسون للناس جلود الضأن من اللين والحرص على مصالحهم، قد يكونون في ثوب صحفي أو في ثوب مسئول أو ثوب مدير أو قميص مدرس أو في جبة عالم ، خاصة بعد أن ظهر في الآونة الأخيرة علماء آخر موديل علماء بالطلب.

 إن البطانة مساهمة فاعلة سلبية تكون مباشرة وغير مباشرة ، وأشدها فتكا وتأثيرا تلك التي تتأثر مصالحها بما تقوم به، ولذلك تظل أناملها على الناي أو الكمان أو العود سيان مادام الصوت سيكون تضليلا أو تسبيحا لا فرق.