هل سنرى غاندي في اليمن قبل الانهيار !
بقلم/ عبدالله الثلايا
نشر منذ: 11 سنة و 3 أسابيع و يوم واحد
الأحد 04 أكتوبر-تشرين الأول 2009 07:11 م

وصل المناضل المهاتما غاندي من جنوب افريقيا الى بلاده الهند المحتلة من قبل بريطانيا وكان نشاطه النضالي محدود جداً في الهند. ذلك الرجل نصف العاري ضئيل الجسد شعبي الملامح بدأ نضاله التنموي والاقتصادي عبر المقاطعة والاعتماد على الذات بينما كان عدد من المناضلين السياسيين أمثال محمد علي جناح و نهرو ينتهجون المعارضة السياسية المرتكزة على التنوير وادارة المظاهرات. كان سلاح نهرو أكثر مضياً من غيره بالرغم أن الرجل أمضى كثيراً من فترات عمره في السجون وتولى زعامة المعارضة الشاملة.

لقد كان يصوم أياماً احتجاجاً على حدوث أي مواجهات يقتل فيها هندياً لإيمانه بالنضال الاقتصادي. وكان لكل ذلك يحوز على احترام كبير من قبل جلاديه.

إن بلادنا، ومع اختلاف ظروفها عن الهند ذلك الوقت، في حاجة ماسّة لأمثال غاندي في نضالهم من أجل مجتمعنا اليمني الكبير الذي يربو نسبة فقراءه عن النصف بكثير ولديه بني تحتية هشة ومشاكل عديدة وفساد واسع يواجهها جميعاً بثروة محدودة. لقد سبق لي أن شاركت في رشة عمل استضافها المركز اليمني لقياس الرأي تتعلق بمناقشة أوضاع حقوق الانسان العامة في اليمن. وبالرغم أن دعوة المشاركة كانت عامة لكل نشطاء حقوق الانسان، الى أن ممثلي منظمات المجتمع المدني ذات الطابع السياسي كانوا هم من حضر الورشة باستثنائي واحدى الباحثات التي لا تبتعد كثيراً عن السياسة في أبحاثها الاجتماعية. وعند تعقيبات المشاركين على ورقتي العمل المطروحتين كنت أنا فقط المتحدث الوحيد و الأخير الذي تحدث عن حقوق الانسان من منظور تنموي، أما بقية المتحدثين بما فيهم من ألقى ورقتي العمل فقد حصروا حديثهم وبراهينهم على تلك الحقوق لكن من منظور سياسي. وكان تركيزهم على الاهتمام بحقوق بضعة أفراد من المجتمع يعانون من كبح الحكومة لحرية تعبيرهم أو من سوء المعاملة في سجون حكومتنا التي تتقدم في سجل حقوق الانسان عن كثير من نظيراتها في المنطقة بشكل عام وإن سجلت حالات معروفة بانتهاكات خطيرة.

إنني للأسف أعلن أن ضمير المجتمع وهم نخبتنا (المؤطرين في اطار الصحافة ومنظمات المجتمع المدني والاحزاب السياسية) أنانيون ومعزولون في أبراج عاجية لا يبرعون إلا في الحديث في السياسة ويدعون أنهم بذلك يدافعون عن كافة المجتمع وهم في نفس الوقت ينأون بأنفسهم عن مشاكله الحقيقية الاجتماعية و الاقتصادية ويبخلون عليه من وقتهم وخبرتهم في حل مشاكله. ودعوني أطرح هذين السؤالين: كم نعرف نجوماً في السياسة اليمنية وماذا صنعوا؟ وفي المقابل كم نعرف نجوماً سطعوا في احداث تنمية للمجتمع وبخاصة من تعرف من أبطال اصلاح العملية التعليمية؟ لا بد أن اجابتك على السؤال الاخير ستكون \"صفرا\" او عدداً لايتجاوز أصابع اليد الواحدة. هذا هو مدعاة نظريتي، وإلا فلينظرن أحدكم الى احد المواقع الاخبارية المحلية وسيدرك عندها أن كافة الاخبار على مقدمة الموقع وكذا مقالات النخبة على نفس الصفحة تكون إما أخبار أو آراء سياسية ، بينما ترى اخبار الاقتصاد أو التنمية جامدة على المساحات المحددة لها ولا يوجد فيها إلا معدل خبر أو اثنين يومياً فقط على الاكثر.

لا أدري الى متى ستظل تطغى السياسة على التنمية في كل ما تتداوله النخبة في كتاباتهم الصحفية ومؤتمراتهم وكتبهم وحواراتهم، ولماذا يكرسون مع معظم المنظمات المجتمعية والدولية على ابراز دعمهم لأناس لا يكاد يتجاوز عددهم المئة أو المئتي شخص بينما يغضون الطرف عن دعم 23 مليون نسمة هم اجمالي المظلومين في اليمن الواقعين تحت دوائر الزل والفقر والمرض والجهل والمرض والجهل والفساد. ولا أزال اتذكر عندما أدرت برنامجاً دولياًً تنموياً اكتشفت من خلال مقترحات منظمات المجتمع المدني الني تطلب تمويلات لمشاريعها أن حوالي 85% مقترحاً أتت من منظمات سياسية وان قلة قليلة تهتم بالصحة والموروث وعدداً أكثر قليلاً تعني بإدرار الدخل للأفراد بينما لا يحظى التعليم بوجود أي منظمة مدنية تدعمه باستثناء نقابتي المعلمين والمهن التعليمية واللتان تقدمان برامج يمكنها تطوير العملية التعليمية التي يشهد واقعها كارثة ومأساة لم تجرب المنظمات ولا النخبة إلا الاشارة اليها لدعم آرائهم السياسية المناهضة لمواقف الحكومة. التعليم ذلك المفتاح السحري للتخلص من كافة التحديات المختلفة التي يعاني منها الشعب والحكومة لا يملك أحداً يمكنه أن ينقذه، بينما تنغمس نخبتنا وقادتنا في المجتمع في دهاليز السياسة المفرغة دون أن ينجحوا في ثني قيادة الحزب الحاكم عن الاقدام أو كبح ممارسات لا يستحسنونها... فلا انخفضت وتيرة الفساد ولا توقفت النزاعات الداخلية ولا نجح الحوار في حل مشاكل الفرقاء ولم يحترموا وعودهم واتفاقاتهم المتكررة.

كما أن من العجيب أن هذه المنظمات في مشاريعها أما أن تركز على اقامة ورش عمل تشاورية\\تدريبية تستهدف النخبة الذين يكونون أكثر خبرة ودراية من الخبير أو المدرب بحكم مشاركتهم بمثل هذه الانشطة لعشرات المرات خلال العام الواحد، أو تركز على عمل دراسة اجتماعية أو قانونية أو سياسية قد تكررت كثيرا في دراسات سابقة ومنظمات مشابهة أخرى. بل أن هذه المنظمات تجد الامر منهكاً لو فرض عليها المانح أن تنفذ حملة توعية وتثقيفية على مستوى أفراد المجتمع العاديين وهم من يحتاجون الى التدريب والتوعية.

إني أعي جيداً ان اهتمام المنظمات المانحة والسفارات بالقضايا والحقوق السياسية وأنا لا أحرص على اهمال تلك النشطة وتلك الحقوق، لكنني أشجع منظماتنا المجتمعية ونخبتنا وصحفيينا بوصفهم ضمير الأمة على تجريب خوض غمار التنمية متعددة المجالات وسيتلقون الكثير من الدعم المادي والتدريب من قبل منظمات دولية ومحلية أخرى كثيرة. وسيحلون محل الخبراء الاجانب ويتقاضون أجوراً عالية لقاء استشاراتهم وخبراتهم ان تحملوا مسئولية اجتماعية وتعبوا قليلاً مع قضايا مجتمعهم الفقير. فتخيلوا ان اهمال خبراءنا لقطاع التنمية تسبب في انعدام خبرات محلية في اجراء المسوحات الاجتماعية الفردية والبؤرية واعداد اسئلة الاستبيانات الاجتماعية والاقتصادية وباسلوب مهني مقنع بالرغم من وجود عشرات آلاف الخريجين وعشرات الاكاديميين في علم الاجتماع ولا يوجد في الميدان من يطبق المعايير والاجراءات القياسية عند اجراء التقييم أو الاحصاء على مجتمعات مختارة، ما لا توجد أفراد ولا شركات اعلامية باستطاعتهم انتاج فيلم وثائقي محترف في أسس التصوير وترتيب سرد المعلومات ... الخ من الاستشارات التي ترافق تنفيذ مشاريع التنمية.

بل ان الكثير م المجالات البسيطة تتطلب سفر اخصائيينا لاكنساب المهارات اللازمة لها على بساطتها أو تتطلب استقدام عنصر أجنبي أو عربي تصرف له عشرات الآلاف من العملات الاجنبية كأجور.

تعد الصحافة، مع غياب وجود المكتبات المتخصصة والبحوث والاستبيانات في البلاد، عبر ما تنشره من مقالات وانتقادات النخبة واحدة من أهم مصادر المعلومات الني ينبغي توجيه معظم أضواءها على مكونات التنمية المجتمعية الواسعة بغرض تقييم و نقد الظواهر ذات العلاقة و الدخول في عمقها لتحليل أسبابها ثم الخروج بمقترحات بالحلول مدعومة بالادلة الواقعية.

كما أن وجود المنتديات الالكترونية وايداع تعليقات القراء يفتح المجال أمام القراء لإثراء مثل تلك القضايا فيشارك ذلك في تقوية التوعية بتلك القضايا. كما انها تساعد الكثير من صانعي القرار والمخططين فى تصحيح وتطوير سياساتهم وتحسين أساليب عملهم والتعلم من التجارب الناجحة والدروس العملية وأيضاُ الاستزادة بمعلومات أكثر.

كما ان مثل ه1ه الانتقادات تنبه الحكومة بان هناك أعين مسلطة على ممارساتها الخاطئة والتي تؤثر في كلفة مشاريعها وكفاءتها وأثرها المجتمعي، الأمر الذي يساعد في تقويم مثل تلك الممارسات.