كورونا إذ يضرب الوحدة الأوربية ويكشف فشل الإلحاد والمادة
بقلم/ محمد مصطفى العمراني
نشر منذ: 8 أشهر و يومين
الجمعة 27 مارس - آذار 2020 07:40 م
 

قبل يومين استولت التشيك على 680 ألف كمامة طبية أرسلتها الصين كمساعدة طبية لإيطاليا وبالأمس استولت إيطاليا على سفينة تونسية محملة بالأدوية والمعدات الطبية من عرض البحر الأبيض المتوسط .!

لم يتسبب وباء كورونا بقتل وإصابة الآلاف من الناس في أوربا وشل اقتصادها فحسب ولكنه أوجد سلوكيات جديدة لم تعهدها أوربا منذ عقود!

لقد نتج عن الوباء سلوكيات تنتمي لأزمنة القرصنة وعهود البلطجة في القرون الوسطى.!

ومن المؤكد بأن وباء كورونا سيرحل في النهاية ولكنه مثلما أفرز سلوكيات وممارسات جديدة سيترك بلا شك آثارا وتداعيات مستقبلية أكبر مما نتوقع.!

* أوربا هل هي في طريقها إلى الانهيار ؟!

اذا استمر هذا الوباء في أوربا لعدة أشهر ستتحول الكثير من دول القارة العجوز إلى " عالم ثالث جديد " وستتخلى عن الكثير من قيمها الحضارية التي ظلت تتفاخر بها لعقود فهذه الأوبئة عندما تخرج عن السيطرة توجد سلوكيات وثقافة جديدة حيث يتخلى الإنسان عن الكثير من القيم الحضارية ويتحول لهمجي يمارس النهب والبلطجة القرصنة ليعيش.!

هناك إجماع لدى الكثير من النخب في أوربا بأن تفشي وباء كورونا بدلا من أن يشكل دافعا للوحدة والتضامن كشف عن ان الدول الأوربية قد أظهرت بيروقراطية كبيرة وانتهازية جداً في لحظات الأزمات وأن المنافع القومية لهذه الدول مقدمة على مصالح الاتحاد الأوربي .

وفي هذا ندد الفيلسوف الفرنسي Michel Onfray (ميشال أونفراي) في مقابلة مع أسبوعية “لوبوان” الفرنسية بـ“انعدام كفاءة القادة الأوروبيين واستهتارهم في مواجهة التفشي الخطير لوباء كورونا؛ معتبراً أن أوروبا أضحت “العالم الثالث الجديد” واعتبر الفيلسوف الفرنسي ميشيل اونفراي (61 عاماً) أن أزمة فيروس كورونا العالمية تندرج ضمن مسألة انهيار الحضارة اليهودية- المسيحية التي تطرق إليها في كتابه Décadence (الانحطاط).

فنتيجة السياسة الليبرالية الأوروبية: ترك كبار السن الذين أصيبوا بفيروس كورونا عند مدخل المستشفى ليموتون في ركنهم، بزعم أن فرص نجاتهم كانت ضعيفة مقارنة بأولئك الأصغر سنا كما عجزت حكومات أوربية عن توفير كمامات طبية لهم. !

ما حدث في إيطاليا ضرب وحدة الاتحاد الأوربي وكشف وضع دول أوربا الهش من النواحي الاقتصادية والطبية حيث سجلت إيطاليا التي لا يزيد عدد سكانها عن 60 مليون نسمة وفيات بسبب فيروس كورونا أكثر من الصين التي يزيد عدد سكانها عن مليار و300 مليون نسمة .!

* تراجع الشعور بالوحدة الأوربية

في إيطاليا مثلا هناك شعور بأن دول الاتحاد الأوربي وحلفاء إيطاليا قد تخلوا عنها في أسوأ أزمة تمر بها حاليا في حين سارعت دول مثل الصين وروسيا وكوبا لتقديم الدعم والمساعدات لها ، لقد تآكل الشعور بالوحدة الأوربية وبالتضامن الإنساني بين شعوبها وربما نشهد في المستقبل خروج دول أوربية من الاتحاد الأوربي على غرار بريطانيا بسبب الشعور المتنامي بأن الاتحاد الأوربي بات غير ذي جدوى في الأزمة الحالية حيث انشغلت كل دولة بوضعها الداخلي .

 

فمع تدهور الوضع في البلاد ناشدت الحكومة الإيطالية المساعدة من الدول الأعضاء في الاتحاد، كما دعت المفوضية الأوروبية الدول الأعضاء لمساعدة إيطاليا وبدلا من مساعدة إيطاليا أعلنت فرنسا وألمانيا في البداية فرض قيود على صادرات المستلزمات الطبية لإيطاليا كما لم تستجب الدول الأخرى لطلب المساعدة.

سفير إيطاليا لدى الاتحاد الأوروبي ماوريتسو ماساري علق عقب رفض الدول الأعضاء طلب المساعدة من إيطاليا بالقول: إن “على الاتحاد الأوروبي أن يتخذ خطوات ملموسة مؤثرة وعاجلة وألا يكتفي فقط بالاجتماعات وتبادل وجهات النظر”.

وأضاف: “يجب ألا تترك إيطاليا وحيدة في مواجهة هذه الأزمة.. إن هذه أزمة عالمية تتطلب تحركاً عاجلاً من أوروبا قبل كل شيء”.

وتابع ماساري “هذا الموقف يعد مؤشراً سيئاً على التضامن بين بلدان الاتحاد الأوروبي”.

وبهذه العبارات أكد مساري أن إيطاليا تُركت وحيدة في مواجهة فيروس كورونا كما تركت وحيدة في مواجهة أزمة اللاجئين.

وبدا رد فعل مشابه من رئيس الوزراء النمساوي سبستيان كورتز الذي قال إن “مبدأ التضامن والتكاتف لا يعمل في أوروبا في ظل هذا الوضع الخطير”.

* عودة إلى الله والأديان

بمقابل هذه الهمجية التي رأينا بعض ملامحها هناك عودة إلى الله واعتراف بأن الله وحده هو القادر على إنقاذ البشر بعد أن فشلت الإمكانيات أمام فيروس صغير لا يرى بالعين المجردة وظهر عجز الدول والحكومات وإحساس الإنسان بالعجز والضياع وقد رأينا رئيس أكبر دولة في العالم الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب يدعو في 14 مارس آذار الجاري إلى الصلاة والابتهال في يوم الأحد 15 مارس آذار باعتباره "يوما وطنيا للصلاة"، لحماية أمريكا ومنحها القوة في مواجهة تفشي فيروس كورونا.

وكتب ترامب تغريدات في تويتر "إنه لشرف عظيم لي أن أعلن يوم الأحد 15 مارس يوما وطنيا للصلاة. نحن بلد، طوال تاريخنا، نتطلع إلى الرب للحماية والقوة في مثل هذه الأوقات".

وأضاف "بغض النظر عن المكان الذي قد تكون فيه، أشجعك على الاتجاه للصلاة في فعل إيماني.. معا، سوف ننتصر بسهولة".

وهذه العودة إلى الله هي اعتراف بفشل الإنسان وعجزه عن التغلب عن الأوبئة والصعاب والتحديات المختلفة رغم التقدم العلمي المذهل والتطور المادي والتنكولوجي المبهر فقد مثل هذا الوباء اختبارا للحضارة البشرية وقد ظهر فشلها وعجزها وأنانية الكثير من الدول وانتهازيتها كما أظهر وباء كورونا فشل الإلحاد وعمق إحساس الإنسان بخالقه وخاصة في أوقات الشدة والخطر وهو ما سيدفع النخب في العالم عموما والنخب الغربية على وجه الخصوص لإعادة النظر في الكثير من المفاهيم والأفكار والنظم والقيم والمثل التي آمنت بها فهذا الوباء مثلما ضرب الوحدة الأوربية في أهم معانيها وحطم غرور الإنسان بالحضارة المادية وبقدراته البشرية ضرب كذلك ضرب الليبرالية والعلمانية والنماذج الاقتصادية الرأسمالية وعمل على إحياء القوميات وأعاد ترتيب الأولويات وجعل الإنسان يعود إلى الله طالبا منه النجدة والإنقاذ ،