ستوكهولم.. المولود الميت
بقلم/ منصور أحمد
نشر منذ: 7 أشهر و 17 يوماً
الإثنين 23 ديسمبر-كانون الأول 2019 08:15 م
 

يصر المبعوث الأممي، مارتن غريفيث، أن يتخذ من معاناة اليمنيين منصة للشهرة والحرب مسرحية خطابية يكررها في إحاطته لمجلس الامن الدولي يعرض فيها إنجازاته السرابية والآمال الوردية، في الوقت الذي تتحدث فيه تقارير المنظمات الأممية عن أرقام مخيفة لحالة الفقر والجوع التي تعد أكبر جريمة ومجاعة يعاني منها الشعب اليمني، مع استمرار الحرب والمعاناة وسط تعنت مليشيا الحوثي التي تلقى محاباة من قبلغريفيث، الذي يمضي قدما- غير آبه بالمسؤولية الأخلاقية والقانونية للمنظمة التي يمثلها- في تضليل الرأي العام الدولي، وبيع الوهم والتسويق لمغالطاته، وإيهام المجتمع الدولي بنجاح مهمته في اليمن، مناقضاً في ذلك كل الشواهد والوقائع على الأرض، بل إن غريفيث- البريطاني الجنسية- يناقض نفسه في الوقت ذاته، ما يؤكد أن وجوده في الأمم المتحدة كأداة لتنفيذ المخططات الاستعمارية لبلاده في اليمن والمنطقة، عبر بوابة منظمة الأمم المتحدة، أو مؤسسة النظام الدولي والشرعية الدولية التي أسسها- مع الأسف النظام الاستعماري نفسه لتمرير مخططاته وأطماعه والهيمنة على مقدرات وثروات شعوب العالم الثالث.

بعد أن ظل المبعوث غريفيث، يحتفي بما قال: إنها إنجازات عظيمة تتمثل باتفاق استكهولم الذي كان القشة التي قصمت الشرعية الدولية وقراراتها الصادرة برفض انقلاب مليشيا الحوثي لتأتي تشرعن لها، وتمكنها من البقاء بعد كانت على وشك السقوط والهزيمة النكراء في الحديدة وموانئها، فأعاد غريفيث لها الحياة من جديد في اتفاق استكهولم الموقع في الـ13 من ديسمبر 2018م على وتر وعود فضفاضة عزفها المبعوث غريفيث ووزير خارجية بلاده “هنت” على مسامع أعضاء مجلس الامن والعالم بسلام شامل ودائم يحل على اليمن والعالم، وطرق ملاحته الدولية.. لكنه في الحقيقة لم يكن سوى شرعنة لمليشيا انقلابية على الشرعية الدستورية لليمنيين؛ والإعداد لإيجاد مليشيا أخرى وانقلاب آخر على الشرعية في جنوب اليمن، والشرعنة له في  “اتفاق الرياض”، الذي يرى غريفيث أن انهياره ستكون ضربة مدمرة لليمن”.. بينما انهيار اتفاق ستوكهولم الذي تجاوز على توقيعه السنة دون تنفيذ بند واحد من بنوده، لا يعتبر ضربة مدمرة لليمن- من وجهة نظر غريفيث- لكنه مدمر لليمنيين وهويتهم ونسيجهم الاجتماعي.

وكعادته يحابي المبعوث الدولي إلى اليمن “غريفيث” المليشيا الانقلابية عموما، ويزيد في ذلك قبل كل زيارة يقوم بها لمليشيا الحوثيين في صنعاء، وبوجه خاص كلما ارتفعت أصوات المنظمات الدولية في محاولة فضح جرائم مليشيا الحوثي، حيث يسارع إلى زيارة قيادة المليشيا معتذراً لها عما بدر من منظماته من قول لبعض الحقيقة عن المليشيا الحوثية، والذي تعتبره الأخيرة وعرابها غريفيث إساءة للمليشيا، وتشويه لتاريخها الناصع الاحمرار الذي لا غبار على دمويته.

والإثنين الماضي، سارع غريفيث وبصورة مفاجئة إلى زيارة قيادة مليشيا الحوثي في صنعاء، في زيارة لم يعلن عنها أو برنامجها، غير أن الزيارة جاءت بعد ساعات من غارات جوية وقصف مدفعي لقوات الجيش الوطني استهدفت تجمعاً لعناصر مليشيا الحوثي بحضور القيادي في المليشيا ووزير داخليتها، المدعو عبدالكريم الحوثي- عم زعيم المليشيا عبدالملك الحوثي- والقيادي في المليشيا المدعو محمد جابر عوض، المعين من قبل مليشيا الحوثي محافظا لصعدة، في منطقة قريبة من منطقة الأزهور التي حررها الجيش الوطني مؤخرا التابعة لمديرية رازح بمحافظة صعدة.

وتحدثت المعلومات أن عبدالكريم الحوثي، ومحمد جابر عوض، بالإضافة إلى 45 عنصرا آخرين من عناصر المليشيا لقوا مصرعهم في غارتين لطيران تحالف دعم الشرعية، وقصف مدفعي لقوات الجيش الوطني المتمركزة في منطقة الأزهور المحررة.

وقالت المصادر: إن الغارة أدت إلى تدمير موكب قيادات حوثية، وأخرى استهدفت حشدا لهم حضره عبدالكريم الحوثي في منطقة قريبة من المناطق المحررة في رازح بمنطقة الأزهور، التي شهدت قصفاً واشتباكات عنيفة-عقب الغارات الجوية- بين قوات الشرعية المرابطة في المنطقة وعناصر مليشيا الحوثي.

المثير في الأمر ما رشحت من معلومات عن زيارة غريفيث المفاجئة والخاطفة إلى صنعاء، أنه أتى لخطب ود مليشيا الحوثيين، ونقل الجرحى الذين استهدفتهم الغارات وقصف قوات الجيش الاثنين الماضي في مديرية رازح، على متن طائرة المبعوث الدولي مارتن غريفيث.

ومن بين المصابين الذين نقلهم غريفيث، القيادي في المليشيا عبدالكريم الحوثي، الذي تقول المعلومات: أن إصابته خطيرة، بينما محمد جابر عوض وقيادات أخرى لقوا مصرعهم في الغارات والاشتباكات.

 

ولذلك كانت زيارة غريفيث مفاجئة وخاطفة ودون تنسيق مسبق مع المليشيا، أو برنامج عمل للزيارة التي استغرقت ساعات، ولم يصدر عنه أي تصريح، فغادر صنعاء كما وصلها ولم يستقبله أحد في مطارها بمن فيهم موظفو مكتبه بصنعاء وهم من رشحتهم المليشيا الحوثية أعضائها لشغل الوظائف في مكتبي مبعوث الأمم المتحدة ومنظماتها.

ولا يستبعد أن يكون غريفيث قدم في زيارته المفاجئة إلى صنعاء شحنة أسلحة نوعية هدية للمليشيا الحوثية بمناسبة الذكرى الأولى لاتفاق “لكارثة” ستوكهولم، ونقلها على وجه السرعة على متن طائراته ليعود حاملاً معه جرى المليشيا. كما فعل في المرة السابقة قبل الذهاب إلى السويد للتوقيع على كارثة المبعوث غريفيث.. إذ رفضت المليشيا حينها إرسال وفدها المفاوض إلا بتلبية عدة شروط معلنة وأخرى غير معلنة كان منها الحصول على أسلحة متطورة بينها صواريخ موجهة، ويتم نقلها على طائرة المبعوث غريفيث نفسه وعلى طائرات تابعة للأمم المتحدة على أنها ظاهريا مساعدات إغاثية وطبية.

بينما كانت الشروط المعلنة فتح مطار صنعاء، ونقل الجرحى من قيادة المليشيا وخبراء عسكريين تابعين لحزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني؛ وعلى متن طائرة عمانية وأممية.

ولبى غريفيث حينذاك شروط الانقلابيين مقابل الحضور إلى السويد، والتوقيع على اتفاق ستوكهولم الذي كان وقعه كارثة على اليمنيين والسلام في اليمن، فجاء غريفيث إلى صنعاء حاملاً معه الأسلحة والمساعدات الإغاثية والطبية؛ والعودة بالجرحى الحوثيين والإيرانيين واللبنانيين مع وفد الجماعة الحوثية المفاوض، وعلى طائرة عمانية، وأخرى تابعة للأمم المتحدة.

وعودة إلى إحدى كوارث المبعوث الأممي غريفيث، والمتمثلة باتفاق ستوكهولم، الذي يتحدث عنه كإنجاز يراه غريفيث، وهو لم ير النور منذ لحظة ولادته في منتصف ديسمبر العام الماضي.

ورغم تناقض غريفيث الفاضح مع نفسه ومع إعلانات وتقارير المنظمات الدولية التابعة للمؤسسة الأممية التي يدعي أنه يمثلها- في حديثه بذكرى طي سنة قحط من اتفاق ستوكهولم دون تنفيذه- إلا أنه سارع إلى زيارة الحوثيين لخطب ود قيادتهم، غير مكترث لتصريحاته، الجمعة، التي أدلى بها للموقع الإلكتروني لـ”أخبار الأمم المتحدة”، بذكرى مرور عام على توقيع “اتفاق ستوكهولم”؛ والذي امتدحه وذمه في آن معا، فقال فيه مالم يقله مالك في الخمر”، وذمه بما يفوق هجاء الجاحظ لقبح وجهه وقبح وجه المليشيا التي يحابيها، ويرعاها هو وبلاده الحالمة بعودة استعمارها لليمن وشعبه الأبي.

سخافة البريطاني غريفيث، واستغفاله بعقل العامة والخاصة ظهرت جلياً حينما يأتي ليحذر من أن انهيار اتفاق الرياض سيكون ضربة مدمرة لليمن. في الوقت الذي يؤكد أن الآمال الكبيرة التي كان يعول على جنيها من اتفاق ستوكهولم “تلاشت بطرق عديدة، ولكن أحرزنا أيضا بعض الإنجازات، وأن الأمم المتحدة لن تتخلى عن هذا الاتفاق”.

كيف لن يتخلى غريفيث ومنظمته عن اتفاق ستوكهولم؟! ومتى سينفذونه؟! وما هي أوراق الضغط المتاحة لاستخدامها في الضغط أو ما هو الثمن الذي سيقدمه غريفيث لمليشيا الحوثي الانقلابية، وهو ومنظمته تعتبر الأم الحنونة والقابلة المرضعة، فضلا إلى أن المبعوث غريفيث وسابقيه حالوا ولايزالون بين تنفيذ قرارات الشرعية الدولية، وبين هذه المليشيا المنقلبة على الشرعية اليمنية، بل إنهم سعوا جاهدين في حماية هذه المليشيا وتوفير الغطاء الدولي لانقلابها، بالتزامن مع المساعي الحثيثة والمستمرة في كبح مصادر قوة الحكومة اليمنية، ومحاولة تجريدها تدريجيا من شرعيتها والوصول إلى إلغائها نهائيا، وإلغاء قرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة بالأزمة في اليمن وشرعيته الدستورية ووحدة أراضيه وقراره الوطني، والشخصية الدولية لليمن المتمثلة بالجمهورية اليمنية؟! إذ قال غريفيث: “أعتقد أننا خرجنا من اتفاق ستوكهولم بأمل كبير، وتلاشى بطرق عديدة، ولكن أحرزنا أيضا بعض الإنجازات الكبيرة”.

المضحك في قول  غريفيث: “أن الاتفاق أنقذ مركزين حيويين للبرنامج الإنساني، وتم من خلاله إنقاذ حياة الناس وحماية البرنامج الإنساني”، بالإضافة إلى قوله في هذا الصدد: “أحرزنا أيضا بعض الإنجازات الكبيرة”.. ما هي هذه الإنجازات الكبيرة؟! لا أثر لها على أرض الواقع، بل على العكس الأوضاع في اليمن عموما ومحافظة الحديدة على وجه الخصوص ازدادت سوءا في مختلف المجالات، فالوضع الإنساني الذي اتخذه المبعوث غريفيث ذريعة لوقف معركة تحرير محافظة الحديدة وموانئها الثلاثة، وفرضه اتفاق ستوكهولم المزعوم، الذي ثبت استيلاء المليشيا الحوثية على محافظة الحديدة كأمر واقع وعلى أهم منفذ يأتيها من خلاله شحنات السلاح، فضلا إلى أن الحديدة تعد أهم المحافظات اليمنية المتحكمة بطرق الملاحة والتجارة الدولية في البحر الأحمر.

ويدحض مغالطات وادعاءات غريفيث، تقارير 15 منظمة تابعة للأمم المتحدة، بينها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، والتي أكدت أن الحديدة تعد المحافظة اليمنية الأعلى حصيلة في سقوط الضحايا المدنيين منذ توقيع اتفاق ستوكهولم مقارنةً بالمحافظات الأخرى.

تستمرُ العائلات بالنزوح هربا من الموت، حيث أن حواليّ 390 ألف شخص شُرّدوا من منازلهم في جميع أنحاء البلاد حتى الآن، ويشكل النازحون من محافظات حجة والحديدة والضالع نصف هذا العدد.

ورغم أن غريفيث هرب في حديثه لموقع “أخبار الامم المتحدة”، من تعثر تنفيذ اتفاق ستوكهولم إلى قضايا جديدة لا علاقة لها بالاتفاق، كحديثه عن “السيادة والشرعية اليمنية”، والذي قال: “شيء أخير، وهو أن ما تعلمته حقا بقوة أن هناك بعض القضايا التي لن يتم حلها عن طريق الاتفاقات على المستوى دون الوطني- اتفاقيات محددة في أماكن مختلفة. علينا أن نعالج القضايا الأساسية المتمثلة في السيادة والشرعية من خلال اتفاق لإنهاء الحرب.. وأن هناك انتصارا كبيرا بالطبع يمكن تحقيقه على ساحة المفاوضات”.

 

وهذا الحديث فيه ما فيه من غموض ومخاوف للغايات التي يرمي إليه غريفيث، الذي أبرز لوبي الامم المتحدة الذي يعمل جاهدا على تكريس نفوذ وهيمنة الاستعمار البريطاني على المنطقة، وتمكين وكلائه وأدواته الإقليمية من إعادة رسم مخططاته الاستعمارية وخارطته التمزيقية للجزيرة العربية والخليج.

 

كما أن غريفيث لم ينس إشادته بقرار السعودية في إطلاقها قرابة 130 أسيراً حوثياً، بعيداً عن الشرعية اليمنية، التي لها الآلاف من المدنيين في معتقلات المليشيا بينهم أعضاء في الحكومة وقيادات عسكرية وسياسية وصحفيين شملتهم قرارات مجلس الامن الدولي، فضلا إلى أن معظم المفرج عنهم من قبل السعودية أسرتهم قوات الجيش الوطني في المعارك والمواجهات مع المليشيا الحوثية.

 

لكن غريفيث لا يعير ذلك أهمية بقدر اهتمامه بمراعاة مزاج المليشيا الانقلابية لكي تنعم بالرضا عنه، والذي وصف قرار إطلاق أسرى المليشيا بالخطوة الرائعة إلى الأمام، ولكنها لم تكن كافية- حد تعبيره- دون الإشارة إلى رفض مليشياته الانقلابية إطلاق عشرات الآلاف من سجونها معظمهم مدنيين ليس لهم علاقة بالحرب الدائرة، وإنما اختطفتهم المليشيا منذ انقلابها واستيلائها على سلطات الدولة اليمنية في الـ21 من سبتمبر عام 2014م، من منازلهم ومن الطرقات ومن أعمالهم.

 

المضحك في حديث غريفيث، عتابه للسعودية وقوله: أن هذه الخطوة غير كافية، لكنه تحاشى بالمرة الإشارة إلى آلاف المختطفين اليمنيين من السياسيين والصحفيين تحرم القوانين والمواثيق الدولية اختطافهم أو احتجازهم، عوضاً عن اعتقالهم وإخفائهم وتعذيبهم وقتلهم ومحاكمتهم وإعدامهم كما تفعل مليشيا الحوثي ونظيراتها في الانتقالي.