عن الحضور اليمني في مسقط
بقلم/ ياسين التميمي
نشر منذ: 11 شهراً و يومين
الإثنين 17 سبتمبر-أيلول 2018 08:59 ص
 


كل شيء في العاصمة العُمانية، مسقط، يشير إلى عراقة هذه المدينة العربية وحداثتها معاً، فالقلاع والأسوق العتيقة ملمح أساسي من ملامحها مسقط التاريخية وماضي عُمان الإمبراطوري المشرف. فيما تشكل بنيتها التحتية، وآخرها مطار مسقط الدولي الذي افتتح حديثاً، الملح العصري والأكثر رونقاً لهذه الدولة الناهضة في جنوب شبه الجزيرة العربية.

تتميز بنية مسقط التحتية والفوقية، بإتقان يتفق مع نهج السلطنة، ومع التزامها الصارم بمعايير الجودة التي تتجلى في كافة مظاهر الحياة العمانية، وتتجلى أكثر في أداء المؤسسات والمرافق، وفي الانسيابية العامة لحركة المجتمع على إيقاع دولة القانون التي تنعم بها هذه البلاد الأقل دخلاً بين شقيقاتها الخليجيات.

كرست مسقط نفسها محطةً أساسية في مسار الأزمة اليمنية التي دخلت مرحلة شديدة التعقيد؛ في ضوء تشعب مسارات المواجهة التي تخوضها الأطراف اليمنية ومعها تحالف الرياض- أبو ظبي على الساحة اليمنية.

إذ يمكن لزائر المدينة أن يلحظ جانباً من الوجود المكثف للسياسيين وللقيادات العسكرية والشخصيات البارزة التي شغلت واجهة الحياة العامة في اليمن قبل الحرب، وثمة الكثير اليمنيين متعددي الاهتمامات يتواجدون في السلطنة محكومين بالدافع ذاته وهو الحصول على ملاذ آمن وكريم في هذا البلد وشعبه البشوش والمضياف.

والمثير للاهتمام أن هذه الوجوه اليمنية المقيمة في مسقط أو التي تزورها، تنتمي إلى مختلف الأطياف المتصارعة في الداخل اليمني.

بعض هذه الأطراف يعتبر مسقط نافذته الوحيدة مع العالم، وساحة تفاوض خلفية مع الأطراف الدولية والإقليمية المؤثرة في مسار الأزمة والحرب باليمن، كالحوثيين وشخصيات متعددة الولاءات من جناح صالح في المؤتمر الشعبي العام. وهناك شخصيات جنوبية متعددة الأجندات تتواجد أيضاً في السلطنة.

تتحمل الميزانية العمانية أعباء ليست بالقليلة، لمواجهات تداعيات الحرب التي تعصف بجارها اليمني، وينصرف جزء كبير من هذه الأعباء إلى تغطية كلفة المساعدات الإنسانية التي تقدمها السلطنة بأقل القليل من الضجيج الإعلامي، وإلى تأمين استضافة لائقة للشخصيات اليمنية المتواجدة على أراضيها، فضلاً عن الدعم اللوجستي الذي تحتاجه تحركات الوفود والوسيط الدولي وتسخّر لأجلها أسطولها الجوي.

وزادت على ذلك أنها اليوم تستضيف العشرات من جرحى الحرب في محافظة تعز الذين خُذلوا من قِبل الجميع، قبل أن يحصلوا أخيرا على فرصة للوصول إلى العاصمة العمانية؛ ويحظون بضيافة لائقة خلال الفترة التي سيستكملون فيها ترتيبات السفر إلى الهند لتلقي العلاج في مستشفياتها المتخصصة، بفضل المساعي الحثيثة التي يبذلها قائد مقاومة تعز حمود المخلافي وزملاؤه.

يتميز الدور العماني بوضوحه التام وبانفتاحه على كل المكونات اليمنية، على نحو يصعب معه استنتاج ما إذا كانت السلطنة، تحتفظ بأجنداتها الخاصة في الساحة اليمنية الملتهبة، أو عما إذا كانت هذه الأجندات تصطدم بشكل أو بآخر بالمصالح الوطنية العليا لليمن.

تحاورت بهذا الخصوص مع مسؤولين عمانيين، وقد تميز الحديث بالوضوح والصراحة وبالبساطة. كان منطق هؤلاء المسؤولين يؤكد أن سلطنة عمان تريد بلداً قوياً وموحداً ومعافى في الجانب الآخر من حدودها الغربية.

هذا الموقف شكل بنظرهم المسطرة التي يتعين أن تقاس بها السياسة الخارجية لبلدهم حيال الأزمة اليمنية، في ظل ما يمكن وصفه بانغماس عماني استثنائي في الأحداث اليمنية، على عكس ما عهده المراقبون من سياسة النأي بالنفس التي ميزت السلطنة طيلة العقود الماضية من تاريخها.

ويعزى هذا التحول في طبيعة الدور العماني حيال ما يجري في اليمن، إلى عامل الجوار الجغرافي والاخوي والتاريخي الذي يحتم هذا الدور، ويعزى كذلك إلى المكانة التي كان يشغلها سفيرها السابق في صنعاء عبد الله بن أحمد البادي، بصفته عميداً للسلك الدبلوماسي، وممثلاً عن أحد البلدان الراعية لاتفاق المبادرة الخليجية.

كان خيار السلطنة منذ بدء الأزمة هو دعم سلطة الرئيس هادي في مواجهة التحديات التي تواجه سلطته، ولكن الدول التي تحارب في اليمن اليوم باسم دعم الشرعية، تعمدت للأسف توجيه مسار الأحداث بعيداً عن هذا الهدف، ودفعت به إلى هذه النهايات الدراماتيكية التي أدت إلى تقويض السلطة الانتقالية، ودفعت بالرئيس هادي وحكومته إلى خارج البلاد، وأشعلت حرباً أهلية وإقليمية شاملة، لا يمكن التنبؤ بحدود تأثيراتها على اليمن وعلى الأمن الإقليمي.

لا تُلزم مسقط ضيوفها اليمنيين بأية مواقف سياسية، وتواجه أحياناً نكراناً للجميل من البعض منهم، ولكنها تتغاضى عن ذلك، وتتفهم دوافع هؤلاء.

لكن عُمان لا تمتلك خيار التمتع بترف المشاهدة الممتعة لأحداث الحرب في الطرف الآخر من الحدود، دون أن تتوقع ارتدادات سلبية محتملة على أمنها استقرارها.

فالحرب ليست مباراة عنيفة من فريقين محليين في الملعب المجاور، بل صراع يأخذ أبعاده الإقليمية والدولية الكاملة، في ضوء التدخل العسكري الواسع وغير المسبوق من قبل ما بات يعرف بتحالف الرياض - أبو ظبي تحت غطاء غربي واضح.

لا يغيب عن أذهان المراقبين وأنا منهم؛ المنحى الخطير في سلوك هذا التحالف، الذي تحول إلى استهداف مباشر للجغرافيا اليمنية، عبر الاستحواذ بقوة السلاح على أجزاء استراتيجية مهمة من هذه الجغرافيا، على نحو ما يجسده الانتشار العسكري السعودي المبالغ فيه في محافظة المهرة الواقعة إلى الشرق من اليمن، والتي تحتل معظم الواجهة الحدودية البرية والبحرية لليمن مع سلطنة عمان.

ومن المقلق أن سلوك التحالف المستفز هذا يتم في إطار مخطط يهدف على ما يبدو إلى قطع التواصل الجغرافي والتاريخي والاجتماعي والثقافي، بين الجمهورية اليمنية وسلطنة عمان، والتحكم المطلق بخيارات الدولتين الجارتين في تعيين مصالحها المشتركة بدون وصاية من أحد.

تدعي السعودية على الدوام بأن تدخلها في اليمن كان بدافع حماية أمنها من التهديدات الآتية من جهة اليمن، وهو حق لا يمكن بأي حال تجريد سلطنة عمان منه، خصوصاً أنها تدرك بأن بعضاً من شركائها يكيدون لها من البوابة اليمنية، وهو ما يحدث اليوم بكل تأكيد ضداً للمصالح الحيوية لعمان واليمن معاً.