حرب صعده من أين ...والى أين ؟
بقلم/ كاتب/مهدي الهجر
نشر منذ: 11 سنة و 4 أشهر
الأربعاء 16 يوليو-تموز 2008 12:37 ص

مأرب برس - خاص

ما كنا نخشاه وحذر الكثيرون منه باستمرار منذ البدايات الأولى للحدث وأثناء التصعيد والتداعي هو في أن تتسع الرقعة ، وأن تضيق الفرصة الزمنية ، وان تأخذ الحالة صفة المزمنة ، والحدث طابع الإيقاع المتلاحق والارتقاء النوعي.

والحقيقة الآن والتي أضحت على السطح جلية أنها تبلورت إلى أزمة بنمطها الحاد والعميق ولم تعد ظاهرة أو مشكلة حسب توصيف البعض لها ، وأنها في طريقها إلى إنتاج وتصدير أزمات أخرى بنفس الحدة في مجالات وألوان مختلفة ، وأن المشهد مهيأ تماما وأكثر من أي وقت مضى لتحقيق فرص التعزيز من فضاءات عدة فضلا عن فرص الداخل التي يظهر أنها أكثر من مواتية.

رقم الضحايا إلى هذه اللحظة فضلا عن المعاقين والجرحى حد مهول ولم يكن البتة في الحسبان ، الكلفة المادية تفوق لسنوات سقف الموارد والناتج القومي،وكلفة كل الحروب السابقة ، التداعيات في هذا السياق ستبقى إلى فترة ليست قصيرة على فرضية التسوية النهائية ، الشحن النفسي الاجتماعي بدأ هو الآخر يتشكل ، أما الآثار النفسية والأحقاد التي ستبيت فإنها ستلاحق ويتوارثها أجيال .

جاءت السلطة إلى حرب صعدة كتكتيك عادي قد يكون في جزء منه استباقي وفي جزء آخر كأداة للعبور الإقليمي والدولي ، وقد كانت السلطة كعادتها تعاطت بنفس هذه النظرة القريبة مع الحوثية وهي في طور الفكرة والتشكل بتقديم الرعاية والدعم المادي واللوجستي المختلف لها على أكثر من صعيد تحت دافع الرغبة في المشاكلة الداخلية مع الفرقاء ، وتحت دافع آخر يتمثل في مشاكلة الفاعل الإقليمي القريب ، هذه الرؤية قد تكون تتسم بمقدار من الذكاء والتكتيك السياسي القريب ، لكنها في كل الأحوال تفتقد للوعي التاريخي الذي لا غنى عنه تماما للسياسة الحصيفة ، وللقراءات المختلفة والمتكاملة التي تسهم في بناء الاستراتيجي.

من جهتهم فقد جاء الحوثيون إلى الحرب دفعا في غير التوقيت الذي حسبوه ، فقد كانت الحرب في تصورهم حتمية وعلامات الاستعداد لها من خلال الإعداد المبكر من حيث التعبئة المعنوية والفكرية فضلا عن التجهيزات والتحصينات ، إلا أنهم وان كانوا قد حددوا المكان فان السلطة سبقتهم إلى ساعة الصفر والمبادأة، ولعلها إن لم تستبق إلى ذلك لكانت الصورة اليوم مختلفة تماما ، ومن ثم فقد كان أداءهم في الأشواط الأولى منها أقرب إلى البداوة والأداء القبلي التقليدي في صورة أغرت السلطة وأطمعتها في أن تمضي وأن تذهب في هذه الحرب إلى الحد المفتوح الذي لن يصد إلا بتحقيق عدد من الأهداف كلها تتعانق في النهاية لتعيد الشبيبة والقوة والحيوية في حياة ودورة النظام السياسي من خلال خلق واقع جذري هيكلي نخبوي قيمي يذهب بمراكز قوى ويأتي بواقع جديد ، على غرار ما تفعله المقولة السياسية عند الإمبراطوريات والدول من أن الحروب تجددها وتعطيها فرص من الحيوية أطول.

كما أن الأداء السياسي المصاحب للحوثين كان في منتهى التواضع والضمور ، غير أن الفكرة والعقيدة القتالية والمراس الصلب والحضور التاريخي المستمر وجوانب أخرى كانت أسباب القوة والدفع للاستمرارية ، ولما طالت الفترة وأزمنة الحالة تكيف عليها الحوثيون واستفادوا من مراجعاتهم ومن البيئة الحاضنة والمفاصل الرسمية التي عليها أشياعهم، ومن الموقف السلبي لدى الرأي العام والذي هو اقرب إليهم عنه من السلطة بفعل سوء السياسات والتذمر في المقابل.

ومن المؤكد أن الحوثيين في بداية الحرب كانوا بإمكاناتهم الذاتية فحسب ولم يظاهرهم عليها أي رديف إقليمي أو دولي حتى ابتعدت الحالة واستعصت واستبقت السلطة باستدعاء أطرافا إقليمية بالتهمة والاستفزاز لطرف ربما كان في شاغل أوغفلة لم يكن يحتاج إلا لتنبيه بالحضور ، أو بالإثارة والتهويل لطرف آخر على أساس التحالفات التي ليس منها بد لدفع خطر مشترك.

ثم امتد الحدث حتى نما الحوثيون واشتد عودهم واقترب سوقهم وتواطأت معهم فرصا وأسبابا بالجملة ، وساعدتهم العولمة الإعلامية لفضائيات الحسينيات، زد بصلابة المقاتل اليمني وشكيمته المسكونة فيهم في الأصل .

فعلى المستوى العسكري أصبح أداءهم يقترب من الحرفية لحزب الله وبنفس الدفيء اللوجستي تهبه البيئة الحاضنة بشقيها الاجتماعي والرسمي.

وفي نفس الصورة فان الأداء السياسي الموازي ارتقى هو الأخر بتقنية رائعة أربك الداخل بشأن لمن القضية؟ من حيث مشروعيتها ، وصولا إلى تغيير مفردات ونغمة الخطاب الدولي.

أما الأداء الإعلامي منذ صدر المرحلة وحتى الآن فقد كانت التغطية الحوثية المصاحبة في منتهى الروعة من حيث الرصد والمناولة والتواجد المتعدد والمركز على الشبكة العنكبوتية تحديدا والتي تعد اليوم النافذة الأهم والأسرع والأبلغ على مستوى الداخل والخارج.

وفي التقدير ومن خلال أكثر من مؤشر فان الحرب الخامسة ستتوقف لا بفعل المراجعات وإنما بفعل الألم والقروح لا لتنتهي تبعا للنفسية المركبة والمعلومة للطرفين وإنما لاستعادة الأنفاس والحسابات ثم الكر من جديد00

فان فعلتها السلطة ولم تستفق إلى رؤية بعيدة ومعالجات عميقة وشاملة والأوراق الآن لا زالت بيدها ، فإنها ستفيق في الغد - وقد ترهلت وأنهكها الخطب في أكثر من زاوية – على أزمات أبعد وأشد ، منها التي تستيقظ وأخرى الآن في طور الحمل ، وقد تجد نفسها وحيدة وقد انفض عنها السمار وربما تحول الظهير الإقليمي والدولي عليها ..

والرابح هنا لن يكون الحوثيون على أية حال ، فهم من يجب أن يكونوا أول الناس مناداة لانتهاء الحرب بنية صادقة لا التواء فيها وبروح تنسجم في النسيج العام .

لأنه بحسابات بسيطة يتقنها العادي من الناس ستكون النتيجة بكل المقاييس والقراءات أنه من عاشر المستحيلات أن يحمل على هذا البلد غير مشروعها الوطني وهمومها الخاصة بها .

ولعل الصورة أخيرا اتضحت بجلاء في المشهد العراقي من خلال الحضور الإيراني الذي اخذ الطابع الفارسي له على حساب المشروع الشيعي المعلن وتصدير الفكر الشيعي وذلك مع قيام أجهزة المخابرات الإيرانية بتصفية المرجعية الشيعية ذات الأصول العربية.

إن لإيران طموح الإمبراطورية ، ومشروعا فارسيا صرفا نكهة وبصمة وطباع تغلفه غيلة بحب واستدعاء آل البيت .

وعندنا أن كل حوثي يقتل أو يجرح أو يصاب بالعنت في أمر ما لهو عزيز علينا وكا المصاب نفسه الذي نعيشه ونهتز له إذا فقدنا احد أفراد الجيش ، وفي حسنا أن انتماء إخوتنا الحوثيين لهذا الوطن لا تقل عن وطنية الأحرار الصادقين.

واحسب أن الوقت والمرحلة يفرضان التفاف شعبي عام ، وقبلها وقفة مراجعة مسئولة لكلا الطرفين بحسابات إلى أين سنمضي ، وماذا بعد ؟ قبل أن تعوم القضية وتمضي المجهول.