سقوط مروع لمنظمات حقوق الإنسان العربية
بقلم/ عبدالله عبدالإله سلام
نشر منذ: 7 سنوات و 8 أشهر و يوم واحد
الأربعاء 21 أغسطس-آب 2013 05:17 م

يوجد في الوطن العربي مئات المنظمات المهتمة بحقوق الإنسان والحقوق المدنية والسياسية، تتواجد أغلبها في مصر ولبنان واليمن والمغرب العربي، وجميع هذه المنظمات أخذت على عاتقها إقامة وبرامج وأنشطة تعمل على تعزيز حقوق الإنسان والديمقراطية وهناك المئات بل ربما الآلالف من الدورات التدريبية وورش العمل والندوات والمؤتمرات وكذا الإصدارات التي تؤكد على أهمية إحترام حقوق الإنسان وتعزيز مفاهيم الديمقراطية،

خلال العقدين الماضيين لم تكن هذه المفاهيم سوى حبر على ورق أو كلام في الهواء إذا صح التعبير بإعتبار أن الأنظمة القائمة كانت مستبدة و لا تعي ولاتؤمن بمثل هذه المفاهيم وجميع المنظمات العربية كانت تعي هذا الشيء وجميع أنشطة هذه المنظمات كانت مجرد إظهار هذه الحقيقية أن الديمقراطية في المنطقة العربية قول لا فعل ..

حتى جاءت الثورات العربية أو مايسمى الربيع العربي الذي يبدو أن لم يعد ربيعا .. وأعتقدت كثير من المنظمات العربية أن الربيع العربي جاء ثمرة نضالها ، رغم أنهم يعلمون أن كل الذين شاركوا في الربيع العربي لم يشاركوا في أنشطتهم وحتى لم يعلموا بها فنسبة الأمية في الوطن العربي ماتزال فوق 70% وبالتالي نسبة الذين لا يعرفون عن مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان لم يكونوا حاضرين ضمن فعاليات وأنشطة هذه المنظمات ولم تصل إليهم أخبار هذه المنظمات.

فمحمد بوعزيزي مفجر الثورة التونسية والربيع العربي لم يكن ناشطا سياسيا ولا حقوقيا لكنه كان شابا فاضلا يبحث عن لقمة عيشة بعرق جبينة وقد أجبرته ظروف الحياة وقسوة الحكام أن يشعل النار في نفسه لتكون شرارة الثورات العربية ،

في الواقع الظلم والاستبداد هو من فجر ثورات العربي وليست النخبة التي كانت تحضر فعاليات وأنشطة منظمات حقوق الإنسان العربية وهي نفس الوجوه التي تشارك هنا وهناك أو كما يسمونهم محترفي المشاركة وحضور المؤتمرات الدولية والمحلية .

في البلدان العربية من السهل أن تكون ناشطا حقوقيا فحضور دورتين تدريبيتين او مؤتمر عن حقوق الإنسان هي كافية بنظر البعض أن يعلن بانه ناشط حقوقي، أما إذا أردت أن تكون ناشطا سياسيا فبمجرد معارضتك لخصومك السياسيين بغض النظر عن المبدأ أو الفكرة التي تعارض من أجلها.

الكثير من يسمون انفسهم نشطاء فهموا اللعبة جيدا وقاموا بتأسيس منظمات ليحصلوا على مكانة إجتماعية يستطيعون من خلالها إبراز مكانتهم أثناء الحديث عن أنفسهم بالتذييل عن أسمائهم بأنهم رؤساء أو مدراء لمراكز حقوقية ومدنية ليستطيعوا عبور القارات والمكوث ولو لأيام في الفنادق الفخمة التي تنتهك فيها حقوق الأنسان العمال ، في الواقع هم لا يدافعون عن حقوق الإنسان بل يبحثون عن طريقة للكسب السريع وتمكنوا خلال فترة وجيزة من إمتلاك شقق وسيارات فارهة وليس هناك لا رقيب ولا حسيب في هذا الجانب .

هؤلاء يستطيعون الحديث عن حقوق الإنسان والحقوق المدنية والسياسية لكنهم لا يمارسونها. فكثير من الموظفين والعمال في هذه المنظمات لا يحصلون على حقوقهم فعقود قانون العمل في هذه المنظمات لا تطبق على موظفيهم وعمالهم وكأنها شركات خاصة أمنية.

لكن الشيء المقزز والشعور بالوكسه على قول إخواننا المصريين أن تتجزأ مواقف ومبادئ هذه المنظمات وقادتها ، فمؤخرا صدر بيان لأشهر المنظمات في الوطن العربي وهي المنظمة العربية لحقوق الإنسان تصدر فيه تقريراً تحدث عن إعتصامي رابعة العدوية والنهضة وإليكم جزء من التقرير الذي يشعرك أنك أمام تقرير وزارة داخلية الإنقلاب والاستخبارات العسكرية :

أولاً: تعذيب المواطنين العزل حتى الوفاة: فقد وصل إجمالي عدد الجثث من منطقة رابعة العدوية وميدان النهضة، والتي بها آثار للتعذيب وأدت إلى الوفاة حوالي 11 جثة، ستة منهم بميدان النهضة وخمسة من ميدان رابعة العدوية، فضلا عن حالات التعذيب الأخرى. ( )

الآن بعد فض الإعتصام أين هذه الجثث؟ من هم؟ أين عائلتهم؟ لماذا لم يتم تحرير رصد لمثل هذه الحقائق بمهنية؟ كما كنتم تعلموننا !، أين هي حالات التعذيب الأخرى؟ وهم يعلمون أن إعتصام رابعة والنهضة لم يكن معسكراً مغلقاً . وإلا كيف كان يصل كل هؤلاء الناس رجال ونساء وأطفال وكذا والمراسلين العرب والأجانب .

رابعاً: التسليح في ميداني رابعة والنهضة: رصد سكان منطقة رابعة العدوية جميع أنواع الأسلحة سواء الخفيفة أو الثقيلة أو المتطورة، وتم تدريب المعتصمين المنضمين لميليشيات الجماعة عليها، وتشير التقارير على أن عملية اختطاف ضابط الشرطة في رابعة كانت عملية مقصودة كنوع من التدريب على عملية مواجهة الشرطة والداخلية في حالة فض الاعتصام بالقوة. ( )

ألا يذكركم هذا بتقارير المخابرات العسكرية والداخلية المصرية، فالأسلحة التي ذكرها التقرير لم تظهر بعد فض الإعتصام ولم تساهم في صده وحماية الشباب العزل كما لم تساعد التدريبات للمليشيات في أن يكون هناك مناوشات عند مستوى التدريب والأسلحة التي لم يذكر التقرير نوعها والتي ذكر أنها أيضا ثقيلة ومتطورة وهذا يعني وجود دبابات أو مدرعات مصفحة على أقل تقدير، وكأن التقرير يقول لنا أن رابعة العدوية كانت مدينة قندهار وكان من السهل نقل هذه الأسلحة بكل بساطة ويسر.

المؤسف أن هذه المنظمة أيدت الإنقلاب العسكري ببيان تؤيد فيها ما أسمته الإرادة الشعبية في التحرير والذي أثبتت التقارير المحايدة أنها لم تكن إرادة شعبية حيث لم يتجاوزوا المليون شخص، ولم يشر تقرير المنظمة من قريب او من بعيد لإرادة الشعب المعتصم في رابعة والنهضة وفي أغلب المدن المصرية والتي أستمر إعتصاماتهم لأكثر من شهر وهم خرجوا يؤيدون للعملية الديمقراطية والتي لطاما مثل هذه المنظمات غير المهنية أو البوليسية ( وسامحوني على هذا اللفظ ) ادوشونا بأهمية تطبيق الديمقراطية وإحترام حقوق الإنسان ، وكأن الذين خرجوا في ميداني رابعة والنهضة لم يكونوا مصريين او في دولة ليس معترف فيها دوليا وللمعلومة أن مقر المنظمة العربية لحقوق الإنسان أقرب لميدان رابعة بكثير من ميدان التحرير. 

لكن على ما يبدو أن رائحة الدولارات كانت أقوى من رائحة البارود الموجه نحو الأبرياء , ورائحة نتانتهم طغت على رائحة دم الأحرار المسكوب القريب منهم ، كما أن صوت أوامر قادة الإنقلاب كان أكبر من صوت الجرافات والرصاص لفض الإعتصام .

هذا غيض من فيض فهناك بيان آخر لتسعة منظمات مصرية يمثل كارثة لحقوق الإنسان تحدث عن فض إعتصامي رابعة والنهضة بان المعتصمين كانوا إرهابيين في إشارة لجماعة الإخوان المسلمين وأن هناك أسلحة وأعمال عنف فلا تزال هذه المنظمات مصممة بعد كل هذا القتل والتنكيل والحرق للمعتصمين ، وكأن المئات الذي استشهدوا والألاف الذين جرحوا هم إرهابيين ليجيز لهم القتل بدون محاكمة . ( )

أيضاً البرنامج العربي لنشطاء حقوق الإنسان ( ) والذي لم يتوقف لحظة عن إصدار البيانات عن كل البلدان ، فمنذ لحظة الإنقلاب العسكري صمت ولم يصدر أي بيان يندد ما يقوم به العسكر، والسكوت علامة الرضا كما يقول العرب .

لكن التناقض الكبير أنك ستجد على رفوف مكتبات هذه المنظمات جميع الإتفاقيات الدولية يقومون بنشرها على مواقعهم الإلكترونية وضمن إصدارتهم ويعلمون مشاركيهم عليها ، وأحد هذه الإتفاقيات هي إتفاقية جنيف لحقوق الإنسان في "الحروب "وليس السلم وضع مائة خط تحت كلمة الحروب تقول المادة 33 منها ( ): اتفاقية جينيف تحظر تماماً العقاب الجماعي بما في ذلك التهديد والإرهاب، وتمنع معاقبة شخص على جريمة لم يرتكبها هو شخصياً. وبتجبر الجيوش المحاربة على توفير "الحماية" للمدنيين وتمنع بث الذعر بينهم. وبتمنع التعامل معاهم بقسوة أو تعذيبهم أو الاعتداء على كرامتهم.

وتعطي للنساء والأطفال امتياز استثنائي في وجوب ضمان أمنهم وسلامتهم. هذا كله أثناء الحروب.

وتشير المادة 68 منها أنه في حالة أن أحد المدنيين قاام بمخالفة تضر بالجيش: طالما وأن هذا العمل لا يشمل اعتداء على حياة أفراد قوات الاحتلال ، يمكن حينها اعتقالهم وحبسهم بما يتناسب مع المخالفة اللي ارتكبوها. ( )

الذي يفضح زيف تقارير هذه المنظمات هو تقارير المنظمات الدولية ، فقد قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن استخدام قوات الأمن المصرية للقوة المميتة على نطاق واسع ومباغت لتفريق اعتصامات يوم 14 أغسطس/آب 2013 قد أدى إلى أخطر حوادث القتل الجماعي غير المشروع في التاريخ المصري الحديث .ويشير تحقيق هيومن رايتس ووتش الأخير إلى أن قرار استخدام الذخيرة الحية على نطاق واسع منذ بداية فض الاعتصام يعكس فشلاً في مراعاة المعايير الشرطية الدولية الأساسية المتعلقة باستخدام القوة المميتة، ولا يمكن تبريره بالاضطرابات الناجمة عن المظاهرات، ولا حيازة عدد محدود من المعتصمين للسلاح. كما أن إخفاق السلطات في توفير مخرج آمن من الاعتصام، بما في ذلك للمصابين بجراح جراء الطلقات الحية والمحتاجين إلى رعاية طبية عاجلة؛ يمثل مخالفة جسيمة للمعايير الدولية بحسب هيومن رايتس ووتش. ( )

من جانب آخر قال قال فيليب لوثر، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية، إنه "واستناداً إلى الشهادات الأولية وغيرها من الأدلة التي قمنا بجمعها بأنها لاتدع مجالا كبيراً للشك في أن تصرفات قوات الأمن لم تولِ أي اعتبار للحياة البشرية على نحو صارخ، ولا بديل لإجراء تحقيقات وافية تتسم بالحيادة والاستقلالية على وجه السرعة". "فقد استخدمت قوات الأمن القوة المميتة عندما لم تكن لها ضرورة لا مناص منها لحماية الأرواح أو الحيلولة دون الإصابات الخطيرة وهذا انتهاك واضح للقانون والمعايير الدوليين؛ فسرعان ما تخلت قوات الأمن عن وعود سابقة لاستخدام القوة تدريجياً عند فض الاعتصامات، وبإطلاق تحذيرات كافية للمعتصمين وتوفير مخارج آمنة لخروجهم".

إذا ماذا بعد هذا السقوط المروع لهذه المنظمات التي تقول ولا تفعل ، تتجزأ لديها المواقف والمبادئ ، أشعر بالحزن بأني أضعت وقتي في حضور كثير من الدورات لهذه المنظمات وجرحت حواسي في مقابلة هذه القيادات ، وأني يوم ما دفعت خمسين دولار لأشترك في أحدى هذه المنظمات ، أعلم أن ما فات مات لكن أن ما فات هو المبدأ الذي مات في عقول وقلوب هؤلاء مجردي الضمير فمازال هناك بعض الأدميين يجب عصر قلوبهم قبل أن يبدأوا بالحديث.