العبور الاكبر في تاريخ مصر
بقلم/ مصطفى راجح
نشر منذ: 8 سنوات و 7 أشهر و 26 يوماً
الإثنين 28 مايو 2012 10:54 م

تهدج صوت المذيع وكاد ان يبكي على قناة الحياة وهو يتابع نتائج اول انتخابات رئاسية حقيقية على الهواء مباشرة ، مركز مركز ، وصندوق صندوق ، ومحافظة محافظة ، وليست انتخابات المرشح الدائم وكمبيوتر الداخلية وخيارات نعم ونعمين التي توارت مع صاحبها ووريثه

كان المذيع كغيره من المصرين يدرك انه يعيش لحظة استثنائية في تاريخ مصر لم يكن احد يتخيلها ولم يكن من الممكن ان تحدث لولا شباب مصر شباب الثورة السلمية اللذين خرجوا الى شوارع مصر وميادينها ولم يعد المئات منهم الى بيوتهم وأسرهم وأحبائهم لأنهم ضحوا بأرواحهم من اجل ان تكون مصر حرة ومن اجل ان يكون ريس ام الدنيا نتاجا لإرادة الامة المصرية واختيارها وليس مفروضا بالقوة الغاشمة والتحالف مع الخارج

هؤلاء الشباب والشابات الشجعان هم من اجتذب المجتمع كله خلفهم الى الثورة التي انتجت ربيع مصر الذي أزاح الكابوس وقذف به الى مزبلة التاريخ في سجن ليمان طره ، وبدأت اولى ثماره الان باختيار المصريين لرئيسهم عبر الانتخابات النزيهة التي تعبر عن إرادتهم ، وستكون جولة الإعادة تكريسا لهذا التحول واكثر وضوحا في حيوية المنافسة وتأسيس الديمقراطية الحقيقية ، بغض النظر عن هوية الفائز وانتمائه السياسي

لقد صنع شباب الثورة بدمائهم وجه مصر الحرة الديمقراطية ، وفتحوا الباب للشعب العريق وبلاد النيل العظيمة ان تدخل في مدار الشعوب الحرة التي تقرر مصيرها بإرادة أبنائها الاحرار وتقرر من يجلس على كرسي الرئاسة ليدير المؤسسة الكبرى في المجتمع ؛ الدولة ، مستندا لإرادة الشعب وإخضاع مساره لاولوياته ومطالبة واحتياجاته الحياتية والتنموية والمعيشية

أعادت لنا مصر البهية صورة الربيع العربي الباهية التي حاول المتخاذلين والمرتعشون خربشتها وتشويهها ، أولئك اللذين امتلاوا بالمخاوف من التيارات الاسلامية ، وتضافرت مخاوفهم هذه مع الانفلات الأمني المنظم واستنزاف الطاقات الذي نفذته الفلول ، لتنتج موقف ملتبس ومتشائم ومرتاب وخائف من ثورة الشعب السلمية ، موقف لاحظناه مجدا في تيئيس الشارع العربي كله الذي خرج بالملايين بعد طول خمول وبعد ان تمددت فيه الهزيمة والرضوخ والإذعان ، انتفض في معركته الفاصلة مع الرؤساء المؤبدين وورثتهم وأنظمتهم العائلية التي انتجت اليأس والبطالة والإرهاب والتطرف والفقر والديكتاتورية والفشل والركود والهزيمة بكافة أشكالها

نحتاج الآن الى إدراك هذه الحقيقة جيدا قبل ان نتوه في حسابات السياسة وسخونة جولة الإعادة التي بدات عقب اعلان نتائج الجولة الاولى التي أبانت عن دلالات ومؤشرات تحتاج الى قراءة موسعة ولكن دونما انتقاص من التجربة الفريدة التي جاءت بها الثورة السلمية

المخاوف من مرشح الاخوان تستوي مع المخاوف من مرشح قوى الدولة المصرية وكلاهما يقذف بالشعب المصري الى الهامش ويستهين بإرادته ولو أمعن الساخطون النظر في النتائج لكتشفوا ان القوى الثورية بجناحيها الديني والوطني حصلت على مايقارب ثلثي الأصوات المشاركة في الانتخابات (مرسي ، صباحي ، ابو الفتوح ) والخيار أمامها الان كما صاغه عصام شرف ؛ هل تغلب القوى المنتمية للثورة خيار استمرارية الثورة ام خيار من يفوز هذا التيار او غيره ؟

هذا هو التحدي امام القوى السياسية المتحركة على قاعدة ثورة مصر؛ اما الشعب المصري فقد أجاب على السؤال المطروح عليه وتجاوز تحدي العبور الأكبر الى ضفة الحرية والديمقراطية بحسب التعبير الابداعي لبيان المجلس العسكري المصري.