الحاضر والمستقبل.. مازالا يتخلقان في رحم الماضي..
بقلم/ مراد القدسي
نشر منذ: 8 سنوات و شهرين و 6 أيام
الثلاثاء 20 مارس - آذار 2012 04:09 م

منذ التوقيع على المبادرة الخليجية في 23 نوفمبر 2011م شعرنا أو أحسسنا بالأمل بغدٍ أفضل ويمن جديد تسوده العدالة والمساواة والعيش الكريم و.. و..و... الخ، وعشمنا أنفسنا بالمثل القائل “ من رحم الألم يولد الأمل “ لنعيش بعدها خطوات تنفيذ المبادرة الخليجية بدءاً بتشكيل حكومة الوفاق الوطني، وتشكيل “لجنة الشؤون العسكرية وتحقيق الأمن والاستقرار” التي من مهامها القيام برفع المظاهر المسلحة من شوارع المحافظات اليمنية وإنهاء التوتر الأمني وإعادة توحيد الجيش والأمن وهيكلتهما مؤسسياً على أسس وطنية.

اللجنة قامت بفض الاشتباك بين طرفي الأزمة وأخلت بعض شوارع المدن الرئيسية من المظاهر المسلحة وأزالت المتاريس والنقط المستحدثة.. وهو عمل جبار وجيد تشكر عليه ولكن مازالت هناك بعض البؤر الساخنة التي تعمل على إقلاق السكينة العامة في الأمانة ومدينة تعز وبقية المحافظات، إلى جانب الانفلات الأمني المريع في عموم اليمن من شرقه إلى غربه ومن جنوبه إلى شماله نتيجة لما يفتعله اللاعبون في الظلام لزعزعة الأمن والسكينة والهدوء ،الراغبون بعدم عودة الطمأنينة والحياة إلى سابق عهدها قبل الأزمة الكارثية، التي حلت باليمن وشعبه ،وأكلت الأخضر واليابس في المجال السياسي والاقتصادي - صاحب النصيب الأكبر من التدمير والانهيار- والمجال الصحي والتعليمي والأمني والمعيشي وكل ما يمس المواطن المغلوب على أمره.

تفاءلنا بتشكيل حكومة الوفاق وببرنامجها الطموح لإنهاء مظاهر الأزمة والقضاء على الفساد والمفسدين وبناء اليمن الجديد ودولة النظام والقانون والمساواة وحقوق الإنسان..والدولة المدنية الحديثة التي طالما حلمنا بها وقدم شعبنا التضحيات من أجلها،ليعيش حياة حرة وكريمة،توجنا هذه الطموحات والآمال في الحادي والعشرين من فبراير 2012 بالعرس الديمقراطي الكبير واخترنا رجل التوافق الوطني -معتقدين وما زلنا أنه ربان السفينة التي ستبحر باليمن إلى بر الأمان، وبنائه معاً من جديد - عبد ربه منصور هادي رئيساً للجمهورية لعامين انتقاليين استثنائيين،والذي منح الشرعية والثقة من قبل أبناء الشعب الذي خرج في مشهد عظيم نال ثقة وتقدير العالم أجمع، ليقول لهم أن شعب الحكمة والإيمان حضاري وشوروي وديمقراطي من غابر الأزمان،غلّّب مصلحة وطنه العليا على كافة المصالح الضيقة الأخرى ،باختياره لمبدأ التداول السلمي والانتقال السلس للسلطة على مبدأ العنف والصراع والحرب ،مفشلاً بذلك رغبة من أرادوا الانزلاق باليمن نحو المجهول والحرب الأهلية لا سمح الله.

لكن بمجرد أن أدى الرئيس الجديد،اليمين الدستورية في مجلس النواب ،حتى بدأت المخططات والانفجارات والاستهداف لأبناء القوات المسلحة في حضرموت وأبين والبيضاء وعدن وكثير من المحافظات اليمنية تطفو وتظهر على السطح حسب جدية التوجه نحو إحداث تغيير حقيقي من عدمه.

وبغض النظر عن التحليلات والتأويلات لمن يقف وراء ما تقوم به الجماعات الإرهابية الخارجة عن النظام والقانون لكن الغاية واضحة وهي تقويض أي نجاح للرئيس التوافقي هادي والعمل على إفشاله قبل أن يبدأ.

في السياق ذاته تبدو استهدافات حكومة الوفاق الوطني أكثر وضوحاً بعد أن تجاوزت الأمور التلميح، ناهيك عن زرع العوائق أمامها وعرقلة عملها حتى لا نلمس أي تغيير وربما إذا استمرت الأوضاع على هذا الحال فالنتائج سترتد سلبية عليها وهناك من يسعى إلى إيصالنا إلى حالة التباكي على الماضي تمهيداً للعودة إليه. إلى الآن لم نلمس أي تقدم يلحظ على الأرض.. الفساد والمفسدون باقون.. الأمن والاستقرار وفرض هيبة الدولة لم يثبت، وحتى الاعتداء على الكهرباء وتفجير أنابيب النفط لم يتوقف والمجرمون المخربون يسرحون ويمرحون وحتى الآن لم يقبض على من يقومون بتلك الأعمال الحقيرة والدنيئة وتقديمهم للمحاكمة الفورية العاجلة.

المؤسف حقاً عدم قيام حكومة الوفاق باتخاذ قرارات بإسقاط رموز الفساد الكبيرة رغم ما تمتلكه من ملفات وقرائن وأدلة تمكنها من القيام بالكثير لتقديمهم للمحاكمة حتى يلمس المواطن أنه بالفعل بدأ بالانتقال إلى مرحلة جديدة، والحيلولة دون فقدانه للأمل في التغيير الإيجابي إذا استمرت حالة الفساد والفوضى والصراعات على ما هي عليه الآن ، أي أن المواطن العادي قد يصل إلى قناعة أن حالة الفساد والفوضى لا علاقة لها بالنظام السابق، كونها لازالت مستمرة،وتركت الفرصة سانحة لمن يغذون العنف والتوتر ودعم الانفلات الأمني وصعود القاعدة والإرهاب والمهاترات الإعلامية وتأجيج الوضع العام لإظهارها بأنها ضعيفة ولا تملك أي قرار ولا حتى تدير نفسها ، كل ذلك لإفشال تنفيذ المرحلة الثانية من المبادرة الخليجية وآلياتها التنفيذية المزمنة بما تحويه من إعادة هيكلة القوات المسلحة والأمن ومؤتمر الحوار الوطني وإقرار دستور جديد للبلد.

مما يعني العودة بالصراع السياسي إلى المربع الأول، وبالتالي النجاح في منع التغيير إلى الأفضل، وإعاقة دخول اليمنيين إلى اليمن الجديد.. وهكذا نخلص إلى أن الحاضر والمستقبل الذي نتطلع إليه مازال يتخلق في رحم الماضي، وإذا ما حدث هذا بالفعل ستكون الكارثة وسيلعننا التاريخ والأجيال القادمة.