فادية حمدي الأم الشرعية للثورات العربية.. ألا تستحق كلمة شكر؟
بقلم/ عبدالملك طاهر المخلافي
نشر منذ: 8 سنوات و شهر و 30 يوماً
السبت 24 ديسمبر-كانون الأول 2011 04:45 م

فادية حمدي .. شرطية تعمل في ولاية (سيدي بوزيد) بالجمهورية التونسية، ما تزال عزباء وتبلغ من العمر (46) عاماً، أمضت ربيع عمرها في القيام بوظيفة مراقب لسوق الخضار بأجر لا يتجاوز (450) دولاراً شهرياً. وبسبب عملها نشب خلاف بينها وبين محمد البوعزيزي حول موقع عربته في ساحة السوق، فباشرته - بحسب ما نشر في وسائل الإعلام- بصفعة استثنائية يوم السابع عشر من ديسمبر الماضي (2010م) مما جعله يقدم على إشعال النار في جسده حتى قضى نحبه. إن الآنسة فادية بعملها ذلك لم توجه كفها الى خد البوعزيزي وإنما الى حكام الجمهوريات العربية المصادرة، فأسقطت البعض والبقية في طريقهم للسقوط. فكان ذلك التصرف منها بمثابة الصيحة التي ايقضت شعوب الأمة العربية من سباتها الطويل.

ومن خلال الإطلاع على معظم الكتابات التي تناولت قضية الثورات العربية الراهنة، لمست أن هناك حالة واسعة من التعاطف الشعبي العربي لصالح البوعزيزي، وليس هناك أي التفاتة أو إشفاق على الآنسة فادية التي أنفقت من عمرها (4) شهور في السجن، والتي فيما بعد (19-4-2011م) أسقطت المحكمة عنها تلك التهمة نتيجة تنازل عائلة البوعزيزي عن حقها في الدعوة تفادياً لتفاقم أي ضغائن وتسامياً بالنهج السلمي للثورة.

وفي هذا الإطار من المتوقع أن تثار حالة من الجدل وهي: من هو السبب الحقيقي في إشعال شرارة الانتفاضات العربية.. فادية حمدي أم محمد البوعزيزي؟ ألا يجوز النظر إلى فادية حمدي بقليل من العطف والامتنان والتقدير ولو من ناحية إنسانية؟ هل كان يمكن أن تندلع تلك الثورات وعلى ذلك المدى الواسع بدون أن يبدر ذلك التصرف من فادية حمدي؟ ولنفترض جدلاً أن الشرطية فادية أعادت للبوعزيزي عربته وعاد إلى منزله جذلان فرحاً ولم يتخذ قرار الانتحار.. هل كان سيحدث ما كان من ثورات عربية عنيفة؟

لا شك أن الجمهوريات العربية كان يعتمل داخلها بركان من الغضب الشعبي، كان من المتوقع أن ينفجر في أي لحظة، وذلك بفعل عدة عوامل وتراكمات اجتماعية وسياسية واقتصادية جميعنا يدركها ولعل أبرزها بإيجاز ما يلي: اغتصاب السلطة من قبل أفراد مغامرين من طبقة العسكر، عملوا على اختزال كيان الدولة والمجتمع في شخوصهم، وشكلوا هياكلها ونظمها وسياساتها وهويتها بما يتواءم مع ما يحملونه من نسق قيمي وإيديولوجي غير سوي تكريساً لبقائهم أطول فترة ممكنة، فضلاً عن الاستئثار بالسلطة والقوة بمختلف صورها ومصادرها ومحاولة توريثها للأبناء والأحفاد والأقارب، بما في ذلك المزاوجة بين الوزارة والتجارة في أبشع صورة، هذا علاوةً على استخدام أسلوب (سيف المعز وذهبه) لإسكات صوت العلماء والمثقفين والنخب المستنيرة في المجتمع؛ بما في ذلك أساليب التوريط وتلويث أي رمز سياسي يحظى بالقبول الشعبي ويمكن أن يشكل البديل المحتمل، أضف الى ذلك تجاهل مبدأ الجدارة (الكفاءة) في التعيين، وإحلال مبدأ الولاء بصوره المتخلفة بدلاً عنه، مما أفضى إلى إسناد مواقع قيادية مهمة لشخصيات تفتقر للحد الأدنى من المهارات والقدرات الفكرية والتنظيمية والتواصلية، وأخيراً عدم شمولية وتوازن نموذج التنمية الوطنية، بل وتوظيف المشاريع والبرامج الإنمائية كوسيلة للكسب السياسي ولترسيخ قواعد حزب الحاكم من خلال منحها كمكافأة للمناطق والوجاهات التي تسند توجهاته بقوة، أو كوسيلة لمعاقبة المناطق التي تشكل بؤر تململ و رفض للحاكم، هذا ناهيك عن تهميش وتعطيل أجهزة الرقابة والمساءلة والمحاسبة.

هذه العوامل وغيرها شكلت مجتمعة الخميرة الحقيقية للانتفاضة العربية التي انفجرت بشكل عارم لتطيح والى الأبد وفي فترة قصيرة بأنظمة عتيدة وعنيدة ولا تزال مفعولاتها تسري بقوة في المنطقة العربية ولا نعلم مآلاتها النهائية.

اعتقد أن الآنسة فادية حمدي تستحق أن تلتفت لها الشعوب العربية بشيء من العطف والتقدير لعدة اعتبارات:

أولاً: أنها كانت بمثابة الإصبع التي كبست على زناد البندقية الموجهة نحو ذلك البرميل المتخم ببارود المشكلات والأحقاد العربية المتراكمة عبر عدة عقود، وما البوعزيزي إلا عامل وسيط بين إصبع الآنسة وبرميل الغضب العربي.

ثانياً: أنها هي نفسها مظلومة مثلها مثل غيرها من أبناء الشعوب العربية، لكونها عملت في مهنة تتنافى مع طبيعتها الفسيولوجية، وضمن نظام بوليسي وثقافة تنظيمية وسياسية تمجد القمع والمصادرة، وهي لم تكن أكثر من (عبد مأمور) مهمتها تنفيذ قوانين وسياسات معينة قد لا يكون لها أي يد في صياغتها واتخاذها، ومن ثم فالآنسة فادية هي نتاج بيئة رسمية فاسدة ومستبدة، وهذا ما حدا بعلماء السياسة والإدارة مؤخراً الى الدعوة لتغيير البيئة التي تولد الفاسدين، إذ ليس من المجدي تغيير الفاسد من الأفراد مع الإبقاء على البيئة الفاسدة والقمعية كما هي، لأن بدورها سوف تنتج جيل آخر من الفاسدين وهكذا دواليك. هذا مع ما أن هناك رواية أخرى تفيد أن المرحوم البوعزيزي هو الذي تلفظ عليها بألفاظ بذيئة وتسبب في جرح يدها عندما غضب وحاول استعادة عربته بالعنف، وأنها لم تشتبك معه ولم تصفعه، وإنما استدعت زميلين لها للتعامل معه وهذا ما أكده الشهود أمام المحكمة، أي أنها ضحية ولُفقت لها تهمة لإلقائها في السجن كمحاولة من النظام لامتصاص الغضب الشعب الذي تفجر بعد اشتعال جسد البوعزيزي.

ثالثاً: وهذا هو الأهم .. أن الآنسة فادية قد ضغطت زناد التفجير في الوقت المناسب، واعتقد جازماً أنها لو لم تفعل ذلك لما حدث ذلك الزلزال القوي على امتداد الوطن العربي. صحيح أن عوامل الانتفاضة العربية قد تخلقت وتراكمت في أحشاء المجتمعات وإنها كانت سوف تنفجر حتماً في أي وقت من الأوقات، ولكن مما يحسب للآنسة فادية أنها عجلت بلحظة الانفجار.. ومن يدري لعله إن تأخر فعلها ذلك لبعض الوقت لبرزت عوامل ومتغيرات وظروف أخرى لتعمل كصوارف أو مثبطات للفعل الشعبي عن الانطلاق نحو طريق التغيير المنشود.

نعم إذا صح أن ما أقدمت عليه الآنسة فادية فهو خطأً يرفضه العقل والشرع والقانون والعرف، ولكنه يظل خطأ استراتيجياً مهماً غير من ملامح المشهد السياسي العربي الى درجة يمكن معها القول أن الأمة العربية في تاريخها المعاصر لم تشهد من المتغيرات الدراماتيكية مثلما حفل به عام 2011م. 

إن التاريخ الإنساني حافل بالاخطأ التي ارتكبها أفراد في ظروف معينة وكان لها انعكاسات وآثار استراتيجية ايجابية على تلك المجتمعات ككل، حيث كانت بمثابة صرخة قوية لتصحيح ما اعوج من أمور المجتمع، على أن لا يفهم من ذلك أننا نمجد ثقافة الخطأ والتعدي على حرية وكرامة الآخرين. وعلى سبيل المثال من الاخطأ الفردية التي كان لها أثر بالغ على مستوى المجتمع الأمريكي، هو إقدام المواطن كارلس غيتو ( Charles Julius Guiteau ) على اغتيال رئيس الولايات المتحدة الأمريكية العشرين جيمس آي غارفيلد   James Abram Garfield 1831 - 1881 )) في الثاني من يوليو عام 1881م.

وقد كان سبب ذلك أن (غيتو) شعر بالظلم والإحباط وهو يبحث عن وظيفة نتيجة ما كان يعرف بنظام الغنائم في الوظيفة العامة الأمريكية ( Spoils System ) الذي بدأ العمل به منذ (1828م)، وبموجبه كان الحزب الفائز في الانتخابات يقصي كافة الموظفين الحكوميين الذين ينتسبون للأحزاب الأخرى من مواقعهم الوظيفية ويعين أنصاره بدلاً عنهم، الأمر الذي جعل أفراد المجتمع يشعرون بالإحباط والعسف والمرارة، مما دفع بواحد منهم (غيتو) لإطلاق الرصاص إلى رأس الرجل الأول في الدولة، فكان ذلك العمل بمثابة صيحة قوية هزت المجتمع الأمريكي وايقضت ضمير السياسيين والعلماء والباحثين في مجال السياسة والإدارة ليعلنوا أن نظام الغنائم كان نظاماً فاسداً وخطيئة تاريخية ويجب أن ينتهي العمل به، ثم بدأوا بالبحث عن نظام آخر يكون أكثر عدالة وإنسانية مستفيدين من تجارب الدول الأخرى (أوروبا)، فأسسوا نظام جديد للخدمة المدنية يقوم على مبدأ الجدارة ( Merit ) أي الكفاءة، وهو النظام الذي تم تطويره بشكل مستمر فيما بعد واستفادت منه دول عديدة في العالم في مجال بناء نظم الخدمة المدنية، وهو ذاته النظام الذي جعل من أمريكا دولة عظمى تتسيد على خارطة العالم. الشاهد في إيراد هذه الحادثة أن هناك وضع خاطئ سلم به المجتمع وتعايش معه لأكثر من خمسة عقود تقريباً وكان ربما سيستمر لعقود أخرى لولا رصاصات الشاب المُحبط (غيتو) التي استقرت في رأس الرئيس. 

الحادثة الثانية من التاريخ العربي وهي التي حدثت في عهد الخليفة هارون الرشيد، وذلك بعد أن كان البرامكة (عائلة فارسية) قد تغلغلوا وتوسع نفوذهم في مفاصل الدول العباسية مستغلين علاقة الرشيد بهم من ناحية الرضاعة، فقد كان الرشيد يدرك ذلك، ولكنه كان يضعف أمام تلك العلاقة، حتى ارتكب مُغني أو مطرب الرشيد خطأ ربما من تدبير آخرين وذلك بأن غنى أمام هارون الرشيد:

ليت هنداً أنجزتنا ما تعد *** وشفت أنفسنا مما تجدْ

واستبدت مرةً واحدةً *** إنما العاجز من لا يستبدْ

وفي ذلك إشارة خبيثة إلى عجز الرشيد عن إيقاف نفوذ البرامكة، الأمر الذي أثار غضبه ودفعه لتطهير الدولة منهم، وهي العملية التي عرفت تاريخياً بـ(نكبة البرامكة)، ومن هذه القصة نستنتج أن ما قام به المغني كان خطأ ولكنه قاد إلى نتيجة عظيمة، ولولا ذلك لكان ربما مسار الدول الإسلامية قد أخذ منحى آخر بفعل سيطرة البرامكة الفرس على مقاليد الأمور في الدولة.

في الختام يمكن القول أن الآنسة فادية حمدي قد تكون ارتكبت خطأ بتصرفها إزاء المرحوم البوعزيزي ولكنه يعد خطأ ذا طابع استراتيجي ايقضت من خلاله امة مستكينة وضمير خانع، نعم لقد ألقت الآنسة فادية حجرةً صغيرةً ولكنها جدٌ مؤثرة في مياه الشعوب والحكومات العربية الراكدة منذ عشرات السنين. ألا تستحق بعد كل ذلك أن نرفع لها القبعة تقديراً واحتراماً؟

يقول شوقي:

يارَبِّ هَـبــَّـت شُعــــوبٌ مِـــــن مَنـِيـَّتِها

وَاِستَيقَـــظَــت أُمَـــمٌ مِـن رَقـــــدَةِ العَـدَمِ

رَأى قَضـاؤُكَ فــيـنـا رَأيَ حِكـــمـــَـتِـــهِ

أَكــرِم بِوَجــــهـِـكَ مِـن قـــاضٍ وَمُنـتـَقِـمِ

عودة إلى كتابات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
رشاد الشرعبي
العكيمي سَلَّم أو باع ابنه
رشاد الشرعبي
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
نبيل البكيري
هل تساهم مأرب في انبعاثة يمنية؟
نبيل البكيري
كتابات
معاذ الخميسيآآآآآه عليك..!
معاذ الخميسي
عبد الله عبد المؤمن التميميأيام ويرحل عام الطغاة ..
عبد الله عبد المؤمن التميمي
مشاهدة المزيد