لو همينا العصافير ما ذرينا دُخن
بقلم/ حورية مشهور
نشر منذ: 11 سنة و 6 أشهر و 14 يوماً
الأحد 24 يوليو-تموز 2011 02:23 م

حالياً, استدعي الثقافة الشعبية من خلال استخدامي لهذا العنوان من التراث الشعبي وتطعيمي لأحاديثي وكتاباتي بالأمثال التي تجري على ألسنة الناس وتتضمن حِكم الأسلاف وخلاصة خبراتهم.. ربما أيضاً لأني ومنذ انطلاقة الثورة ازدادت صلتي بأكثر الفئات بساطة وفقراً وارتباطي بالساحة بتنويعاتها الثقافية والفكرية والسياسية والاجتماعية ويزداد شعوري بهم وتعاطفي معهم ومع مشاكلهم وأتقاسم معهم ولو قليلاً من أتراحهم.

والظروف الأخيرة ساعدت في ذلك، ونضوب البنزين من خزان سيارتي وارتفاع أجرة السيارات الصغيرة "التاكسيات" جعلني لا أتردد عن ركوب الحافلات الصغيرة (الدباب).. وأقترب أكثر فأكثر من حياة الناس فأسمع أحاديثهم وتبرمهم وضجرهم من ضنك الحياة التي وفرها لهم النظام وهو يحاول مستميتاً أن يدشن عامه الرابع والثلاثين في الحكم. أرى بصمات فعل النظام في شحوب وجوه الناس وهزالهم وملابسهم الرثة الممزقة وأحذيتهم المهترئة.. ومن انطفاء الفرح في عيون الأطفال وموت الابتسامات في شفاه الشباب.. وغصات الألم في صدور النساء والرجال، ولكن ما يحيي في نفسي الأمل بأنهم لن يكونوا كذلك في الغد بصيص النور الذي يلمع من أعينهم، وتحفزهم بادياً للعيان في صمودهم وثباتهم لتغيير أحوالهم ولصنع هذا التغيير بأيديهم.

وحتى من قبل لم أكن أعيش في برج عاجي باعتبار أني كنت أعمل في مؤسسة تنموية هدفها تحديداً النهوض بالمرأة اليمنية في كل المجالات، ولكن جُل احتكاكي كان بالفئة المترفة- ليس بالضرورة ترفاً مادياً- وإنما ترفاً فكرياً وهو أكثر ضرراً إن لم يتم توجيهه لخدمة المبادئ والقيم التي يؤمن بها الفرد ويحولها إلى أعمال وأفعال. وقد كنت على إطلاع على وضع التنمية في البلد عموماً وعلى وضع المرأة تحديداً بصورة علمية من خلال الدراسات والتقارير المتوفرة، وكنا نعلم بالوضع غير الإنساني الذي تعيش فيه شرائح كبيرة من النساء والأطفال في المجتمع خاصة في المناطق الريفية، ونضع السياسات والاستراتيجيات والرؤى والخطط لمعالجة تلك الاختلالات, لكن دون جدوى؛ لأن تحسين حياة الناس كانت على ما يبدو آخر اهتمامات صناع القرار. وكان يحزّ في النفس أن يظل الوضع على ما هو عليه دون تقدم يُذكر مع توفر الإمكانيات والمقدرات التي لا يتم توظيفها وتوجيهها التوجيه الصحيح.

اليوم وقد أُتيحت لنا فرصة التغيير, وفتح لنا الأبطال الشباب الأبواب على مصارعها, وضربوا لنا أروع صور التضحية والفداء, نتلكأ ونتردد!! والله والله لن يرحمنا التأريخ ولن يغمض لنا طرف أو يهدأ لنا ضمير إذا لم نستجب لهم, أو وضعنا العقبات والعراقيل في وجوههم.

هذه التوطئة الطويلة وعنوان المقال، هما ردي على كل من حذرني من عواقب استجابتي السريعة لتشكيل المجلس الرئاسي الانتقالي. وإذا كل فرد خاف أو تردد أو ولى فراراً, فمن سيقوم بالتغيير؟ وقد لا يكون المثل معبراً بصورة دقيقة؛ لأنه شتان ما بين العصافير "طيور الجنة" وأبالسة النار المدججين بكل أنواع الأسلحة, لكنه استخدام رمزي للمثل يُقرّب الفكرة.

وأنا شخصياً لم أستطع ولن أستطيع أن أتردد؛ لأني كنت أكبر المؤيدين لهذه الخطوة, شأني في ذلك شأن ملايين اليمنيين في كل شبر من تراب هذا الوطن الغالي. وقد كتبت كثيرًا في هذا الشأن، ولم يكن ذلك تنظيرًا أو استهلاكًا بل كان إيمانًا عميقًا بضرورة التسريع بوضع الحلول؛ لأن خسارة الوطن تفاقمت بصورة تعيده عشرات السنيين إلى الخلف ويحتاج إلى عشرات السنيين لإعادة البناء، وتضحيات الشباب تجاوزت الممكن ووصلت إلى المستحيل بدفع فاتورة الثورة وضريبتها المرتفعة من دمائهم الزكية وصمودهم وبقائهم في الساحات شهورًا، تتواصل لياليهم مع نُهُرهم غير آبهين بحرٍ أو قر، بجوع أو عطش، بريحٍ أو مطر، افترشوا الأرض والتحفوا السماء متضرعين إلى الله أن يؤازرهم ويرفع الظلم عنهم. وإن كان البعض في هذا الظرف الحاسم، وفي هذه الشدة لا يستطيع مساعدتهم فليكف آذاه عنهم على أقل تقدير. دعوهم يكملون مشروعهم الوطني ولا تفسدون عليهم فرحتهم باستقبال يمنهم الجديد والذي يتضمن رفعة الوطن وعزته ونماءه وتطوره.