المجلس الانتقالي والمجلس الوطني وما بينهما
بقلم/ حورية مشهور
نشر منذ: 10 سنوات و 5 أشهر و 6 أيام
الجمعة 19 أغسطس-آب 2011 09:26 م

تُثار كثير من التساؤلات في الشارع اليمني بشقيه السياسي والثوري بل وحتى بين العامة من الناس هل المجلس الوطني المعلن عنه في 17 أغسطس بديلاً عن المجلس الانتقالي المعلن عنه في 16 يوليو أي قبل شهر تحديداً من الآن؟ أم هل تم إدماجه من خلال ضم كل عناصره تقريباً في الإطار الجديد؟ أم هو أداة توفيقية تجمع بين الفعل السياسي الواقعي والمتأني الباحث عن الحلول من خلال الحوارات والمحاط بالكثير من القيود والمحددات والثوري الجامح – طبعاً جموح مشروع- الراغب في الوصول لأهدافه بالاستناد على قواعده الجماهيرية التواقة للتغيير دون اعتبار كثير أو قليل لضغوط دولية أو إقليمية ولا سلطة لأحد عليه إلا جماهيره الضاغطة بصوت واحد داعية لإسقاط النظام ووسيلته في ذلك المسيرات والاعتصامات والحشد والمناصرة والضغط يقابل ذلك تعنت النظام وتمترسه وراء أساليبه وأدواته القديمة بما في ذلك أدوات القمع واستخدام القوة تجاه المعتصمين وإثارة الخلاف والشقاق ليس بين أبناء المجتمع الواحد بل وصل إلى أبناء القبيلة الواحدة وأبناء المنطقة وأبناء الحي وأبناء الشارع الواحد وذهب أبعد من ذلك إلى أبناء الأسرة الواحدة، وأساليب تفريخ المسميات مثل ما حدث في يوم 16 قبل الإعلان عن المجلس الوطني بيوم واحد من إعلان عن عقد مؤتمر للقبائل وإنشاء مجلس للقبائل في الوقت الذي كانت فيه كل قبائل اليمن قد شكلت تحالف قبائل اليمن المناصرة للثورة.

والله إن هذا الانقسام والتفتيت لبنية المجتمع السياسية والاجتماعية لعمري فتنة كبرى تؤدي إلى أن يتخاصم أبناء الوطن بل وأبناء المنطقة الواحدة بينهم وتواجه القبيلة الأخرى وتتواجه عناصر القبيلة الواحدة بينها وتتواجه الأحزاب السياسية ويتواجه أعضاء الحزب الواحد ويحدث الشقاق والخلاف بين أبناء الأسرة الواحدة. وما يطمئن النفس ويريح القلب ويهدئ العقل أن الأغلبية العظمى من أبناء الشعب بمختلف تياراته وتكويناته تقف في صف الحق وفي صف التغيير وفي صف التصحيح ، ولكن ما يحُز في النفس أن تبقى فئة من أبناء الشعب ضالة مضلة ولا مصلحة ولا منفعة لها في هذا الموقف سوى المصالح المادية الفردية التي تحصل عليها، والتي لو فكرت وقدرت وانحازت إلى صفوف الجماعة لنالت لذة الشعور بالكرامة والعزة ولنالت شرف آجر الدين والدنيا ولضمنت مستقبل أفضل لأبنائها وأبناء كل الوطن.

حينما تم الإعلان عن المجلس الانتقالي الرئاسي كانت هذه البيئة المبؤوة الساعية والمستميتة لشق الساحة الثورية الوطنية قد زرعت بذور الشك بين بعضهم البعض ، بل واصطنعت مجموعات وأفراد داخل الساحة كانت مهمتها الأساسية تفتيت الساحة الثورية ولم يكن هذا الفعل قائماً في بداية الثورة وتحديداً قبل جمعة الكرامة وما بعدها بقليل ، وقد ألتقى الناس في هذه الساحة بمختلف تياراتهم الفكرية والثقافية والسياسية والمناطقية والمذهبية على هدف إسقاط النظام وبناء الدولة المدنية الحديثة ، دولة النظام والقانون والمواطنة المتساوية وكانوا يتبادلون الماء والغذاء والدواء معاً ويتشاركون في الندوات والمحاضرات ويتدافعون معاً في المسيرات ، إلى أن استطاع النظام إعادة ترتيب أوراقه بعد ما وفرت له المبادرة الخليجية الوقت اللازم لذلك - مع تفهمنا لدوافع الأشقاء والأصدقاء - الذين أرادوا منع انزلاق اليمن لحرب أهليه يسعى لها النظام سعياً حثيثاً لأنها الوسيلة الوحيدة أمامه التي يعتقد إنها تمكنه من الاستمرار في الحكم وقد فتح بؤر نزاعات مسلحة في صنعاء و أبين وتعز وأرحب ولا يتورع يومياً عن استخدام السلاح في أي ساحة من ساحات الحرية وفي أي منطقة من مناطق الجمهورية وأسماء الضحايا من الشهداء والجرحى والمعاقين شواهد حيّة على هذه الأفعال المجرّمة قانوناً وشرعاً ولن يفلت مرتكبوها من العدالة الوطنية بعد تصحيح الوضع وإسقاط النظام وكذلك من العدالة الدولية فمجزرة جمعة الكرامة وتعز ومخزن الأسلحة في أبين جرائم تتوافر فيها كل أركان الجرائم ضد الإنسانية ، وكذلك قطع الكهرباء وأثارها المميتة على المرضى وحياة سكان المدن الساحلية خاصة المرضى وكبار السن ومنع المشتقات النفطية وبيعها في السوق السوداء ثم رفع أسعارها خلافاً للقانون والتضليل على الناس بأنها ذات نوعية وجودة عالية.

وجاء الإعلان عن المجلس الانتقالي في تلك البيئة التي كان يستحيل فيها الإجماع لأن بذور الخلاف كانت قد زرعت بين القوى الثورية من ناحية وبينها وبين القوى السياسية من ناحية أخرى وأنا لا أنفي طبعاً صفة الثورية عن الأحزاب السياسية التي نزلت بقضها وقضيضها إلى الساحة الثورية ولكن يتم استخدام هذه الفواصل أو المسميات للتمييز بينهما في الأدوات والوسائل التي أرادها كل طرف. وكلها وسائل مشروعة وإذا كان الحل السياسي بصيغة المبادرة قد فشل فلم يكن ذلك لسوء إدارة المشترك أو لعجزه عن الفعل السياسي وإنما لسوء النظام ونواياه المبيتة واتكائه على عامل الوقت لخنق الثورة وتعطيل أي سيناريو للحل والاستمرار في التمسك بالسلطة والإدعاء بغير ذلك . ومع ذلك و بالرغم من هذه الأجواء المشحونة فقد لاقى إعلان المجلس قبولاً لدى كثير من المكونات الثورية وأعلنت كثير من الساحات تأييدها وإذا كانت المعارضة قد صمتت إزاء إعلانه إلا أنها لم تعترض عليه صراحة، وما ضم معظم عناصر الانتقالي في المجلس الوطني إلا تأكيد على الاعتراف الضمني بالانتقالي ، وتقديرهم لجهود الشباب ومبادراتهم التي تتضمن نُبل الغاية والمقصد.

ولنا أن نستقرئ ماهية المجلسين ومهامهما والعلاقة بينهما، فالمجلس الانتقالي كما ورد في نص بيان تشكيله الصادر عن اللجنة التحضيرية لمجلس شباب الثورة بأن مهامه تولي إدارة/ حكم البلاد خلال المرحلة الانتقالية والمحدد سقفها بتسعة أشهر تبدأ من تأريخ أول اجتماع له وأهابت بالجميع عدم التنصل من القيام بواجبهم الوطني لإنقاذ البلاد من الدفع بها نحو الفوضى والصراع المسلح حد البيان. والواقع يشير إلى أننا ما زلنا نبتعد قليلاً عن هذه المرحلة ، ولكنها آتية لا ريب ولاشك في ذلك ، وعلينا أن نستعد لها بكل الوسائل والأدوات وتكون لدينا الجهوزية الكاملة لملء فراغ السلطة البادية الآن بصورة واضحة للعيان وأن نؤكد للجميع بأن اليمن حبلى بالكفاءات الوطنية القادرة على تحمل مسؤولية إدارة البلاد وبصورة حكيمة ورشيدة.

وأشار مشروع تشكيل المجلس الوطني لقوى الثورة السلمية بأن هذا المشروع يأتي «لتمثيل كافة تكوينات قوى التغيير والثورة الشعبية السلمية ، تجسيداً للشراكة الوطنية الواسعة الضرورية لإنجاز مهام وأهداف الثورة الشبابية السلمية " وأعتبره " أدأة لتنسيق وتوحيد الجهد الوطني وفي مقدمتها استكمال إسقاط بقايا النظام فاقد الشرعية», كما يشير البيان إلى استكمال انجاز التغيير الثوري والسياسي بتشكيل مجلس وطني واسع لقوى الثورة ينبثق عنها مجلس أعلى يتولى مهام القيادة المباشرة للعملية الثورية والسياسية . وتطرق البيان لتشكيل جمعية وطنية ممثلة لكل المكونات الثورية ( 14 ) مكوناً تم ذكرهم في البيان وترك الباب موارباً لمزيد من الانضمام لهذا التشكيل الثوري السياسي . وأشار إلى التصعيد الثوري والسياسي السلمي حتى تحقيق أهداف الثورة .

وهذا المجلس بدا من اللحظات الأولى أنه محل ترحيب كبير من كل القوى الوطنية الثورية والسياسية وحتى المكونات الثورية التي أعلنت المجلس الانتقالي الرئاسي يبدو أنها تنظر للأمر من زاوية التوافق الوطني والإجماع على أي رؤية إنقاذية للوطن ، وهذه نظرة إيجابية ثاقبة تُحسب إيجاباً لهم ولكل ا لقوى الثورية والوطنية التي تقدم مصالح الوطن العليا وتضعها في الاعتبار الأول لكل حساباتها ، لأن الاختلاف يجعلنا جميعاً نخسر ويكسب خصومنا.

والمتأمل للبيانين يلمس التقارب إن لم نقل التطابق بين فحواهما ومحتواهما في مسألة إسقاط بقايا النظام والاستعداد لإدارة المرحلة الانتقالية بعد سقوط ما تبقى من النظام ، وإن كانت النبرة الثورية واضحة وطاغية على الأول باعتباره صادر من قوى ثورية بحتة وتضع الواقعية السياسية في مرتبة أدنى في فكرها ونشاطها من الفعل والإقدام الثوري . ولا لوم عليها فيما ذهبت إليه لأن هذه الدعوة أوهذا الإعلان من طرفها جاء وهي ترى المخاطر تحدق بالثورة من كل حدب وصوب من الداخل والخارج ، فأرادت بمبادرتها التعجيل بإنجاز أهداف الثورة التي كان لها شرف المشاركة في قيادتها وجاء إعلانه في وقت كنا كلنا نشعر بتأخر التصعيد وتقديم مبادرة وطنية للحل بعيداً عن انتظار مبادرة خارجية ولدت ميتة ، وزاد النظام وأشبعها موتاً بيديه.

وفي هذا السياق فإن المزج بين الفعل الثوري والسياسي والتسيق الكامل بينهما سيكون حاضراً استناداً إلى هاتين الوثيقتين وستشهد المرحلة المقبلة مزيداً من التقارب الوثيق التي ستفرضها طبيعة المرحلة وتعقيداتها وصعوباتها وتحدياتها وتشرس ماتبقى من النظام في مواجهة الثورة .

وما يدور في الذهن هل ستطول مرحلة إسقاط النظام ليسقط معها الوطن وتتضاءل حينئذٍ آمال إنقاذه . لأن النظام يبدو أنه لا يفهم اللغة المدنية والأدوات المتحضرة الداعية للتغيير . و أسوء الخيارات وأكثرها كلفة على الجميع تبدو حاضرة في صورة مواجهة دموية بين الفئات العسكرية المؤيدة للثورة والآخرى الحارسة للنظام . والسؤال الآخر الذي يتم تريدده كثيراً أين هي القوى الدولية التي رمت بثقلها وقدمت الضمانات للمساعدة في التغيير والانتقال الآمن للسلطة. هل ستكتفي بدور المتفرج أم ستنتظر ماذا يستجد على الأرض ليكون تدخلها مبنياً على حسابات ذات علاقة بمصالحها أولاً وأخيراً على حساب المعايير القييمية والأخلاقية التي تحتم عليها التدخل الوقائي و الفوري لمنع نزيف الدم اليمني . وهل يكفي أن يلوح الأمريكان والبريطانيين بمسألة الانتقال الآمن للسلطة أم أنهم يعملون حساب أن دعواتهم هذه تذهب أدراج الرياج في ظل وجود جبهة ممانعة دولية للتغيير تتمثل في روسيا والصين .

في يقيني أن ما على اليمنيين إلا تغيير المعادلة على الأرض ليفرضوا على الجميع احترام خيارهم ، ليكف ما تبقى من النظام عن المكابرة والرضوخ لاستحقاقات التغيير من ناحية واستمرار الثوار في ثباتهم وصمودهم من ناحية أخرى وكفى الله المؤمنين شر القتال. وما على الجمعية الوطنية التأسيسية والمجلس الوطني ومن خلفهم كل الجماهير إلا السعي لتحقيق ذلك.