اليمن والثورة الذكية .. لم تفشل أو تتأخر
بقلم/ د. حسن شمسان
نشر منذ: 9 سنوات و 8 أشهر
السبت 21 مايو 2011 07:04 م

هناك من يتحدث – على استحياء – عن تأخر ثور اليمن، وهناك من يتحدث – صراحة وبكل وقاحة – بأنها فشلت؛ وإذا ما غـُض الطرف عن الرأي الثاني؛ لمجافاته الحقيقة؛ حيث إن ثورة اليمن تعد ناجحة وبكل المقاييس وإن رأيا حكم عليها بالفشل هو رأي يسبح ضد التيار أو عكسه؛ إذا الرأي الغالب يذهب إلى نجاح هذه الثورة، وإذا ما أقرينا بنجاحها؛ فإنه لا يستطيع أحد أن ينكر على القائلين بتأخرها؛ خاصة إذا تم مقارنتها ببقية أخواتها اللاتي سبقتها، وعليه لا يمكن غض الطرف عن هذا القول؛ لأنه اعتمد على سبب منطقي؛ تمثل بمقارنتها بثورتي تونس ومصر؛ إذ هما تشبهان ثورة اليمن من حيث السلمية، بيد أن هذه الأخيرة لم تحظ بما حظيت به السابقتان، حيث استطاعتا أن تسقطا (نظامين) في فترة زمنية لا تتجاوز الشهر، وقد تجاوزت ثورة اليمن ثلاثة أضعاف الفترة الزمنية لهما محاولة إسقاط النظام؛ الذي سمته بلسانها عبر شعارها وصيحاتها، بيد أنها غير مؤمنة بوجوده في حقيقة أمرها وفي واقعها المزري؛ إذ هي تصرخ بملء فيها منذ مائة يوم أو تزيد (الشعب يريد إسقاط [النظام]).

وهذه الثورة التي لم تستطع ذلك الإسقاط في مائة يوم؛ استطاعت في ذات الوقت إصلاح أغلب ما أفسده - ما سمي خطأ - النظام في الحياتين الاجتماعية والسياسية - في ثلاثة عقود من التحكم والتسلط؛ فلم تعد هناك قبائل متناحرة، ولم يعد هناك انفصال أو حتى كراهية بين الشمال والجنوب، ولم تعد هناك عزلة بين الحوثيين واليمنيين، ولم يعد هناك طائفية (شافعية زيدية) ولم تعد هناك حزبية؛ (صراع حزبي) إصلاح اشتراكي ناصري بعثي ... الخ. كل هؤلاء وحدهم وجمع شملها هدف واحد هو (الشعب يريد إسقاط النظام) بغض النظر عن وجود نظام أو عدميته في اليمن. 

والسؤال الأهم الذي يطرح نفسه هنا: هل كان هناك فعلا نظام في اليمن حتى يسقط أو تسقطه الثورة ؟ وإذا كان هناك نظام حقيقي بكل ما تعنيه كلمة نظام فلماذا لم يسقط حتى الآن ويستجيب للشعب كما استجاب نظامي تونس ومصر لثورة شعبيهما (؟) هي أسئلة في غاية الأهمية والإجابة عليها وتناولها بتأمل ومقارنة شاملة بين الثورات الثلاث قد يبرئ اليمن مما لحقها ويلجم من ذهب إلى القول بفشل ثورة اليمن، وتقنع من قال بتأخرها فلا يجد سبيلا إلا عذرها والاعتذار لها على أقل القليل.

وبناء على ما سبق يكون من الخطأ أن نجعل السقف الوحيد لنجاح ثورة ما أو فشلها هو (إسقاط النظام)، فإذا سقط النظام في فترة زمنية لثورة لاحقة رسمته أو حددته ثورة سابقة فالثورة ناجحة، وإذا لم يسقط النظام في الفترة الزمنية نفسها فهي فاشلة (!) ومن الخطأ أيضا أن نحكم على تأخر ثورة لأنها لم تسقط النظام في المدة نفسها التي أسقطته أخواتها السابقات، وهو خطأ؛ لأنه منطق سبب المقارنة في نجاح أو فشل الثورات، ولم يهتم بمنطق الثورات؛ أي سبب التأخر؛ فالثورات أو منطقها يقتضي وجود نظام حقيقي مؤسسي، وهذا المنطق كان متحققا إلى حد بعيد في ثورتي تونس ومصر؛ فهاتان الثورتان تعاملتا مع نظام بكل ما تعنيه كلمة نظام؛ أي نظام مؤسسي أقام دولة مؤسسات - بغض النظر عن فساده – بمعنى أن النظام بهذا الوصف يدرك دلالة وقيمة الحشود المليونية التي خرجت تنادي بإسقاطه، كما هو يتفهم القرارات الدولية ويحسب لها ألف حساب .. الخ؛ فالنظام الواعي والمدرك يتفهم هذه الأبعاد، فكان من نظامي تونس ومصر أن فهما بسرعة، وهذا الفهم السريع ظهر على لسان شين الهاربين ابن علي (فهمتكم)، فلما جاء زمن علي (ثورة اليمن) حق للجميع أن يقول (زين الفاهمين) لكن إذا ما قارن بن علي بـ (بشار والقذافي وصالح).

إن ثورة اليمن في الحقيقة لم تتعامل مع نظام كبقية أخواتها، إنما تعاملت مع عصابة ورئيس لها، والفارق كبير في التعاملين، كان امتداد الوقت الذي قطعته ثورة اليمن في سبيل إسقاط – ما سمي نظاما دليلا على كبر الفارق بين النظام والعصابة في التعامل مع الثورة، وهذا يجعلنا نقول – بكل فخر واعتزاز – إننا في اليمن وجدنا أنفسنا أمام (الثورة الذكية)؛ فليس عيبا أن يترك الطالب (الذكي) السؤال الأول ويتخطاه إلى ما بعده؛ لصعوبته أو عدم منطقيته، وليس عيبا أن يجيب هذا الطالب عن كل الأسئلة سوى الأول منها؛ وهكذا كان حال ثورة اليمنيين - أهل الحكمة والإيمان - فقد كان المطلوب منها أن تحل السؤال الأول أولا حتى يعلن نجاحها؛ حتى لو فقد هذا السؤال أو المطلب منطق الثورات؛ صحيح ثورة اليمن تأخرت في إسقاط ما أسقطته تونس ومصر على الرغم من أنها تنادي به من أول يوم لها، فاتهمت بالتأخر تارة وبالفشل تارة أخرى، وقد اتهمت بذلك لأن هذه الثورة لم تدرك أنها أسمعت العالم كله عبر شعاراتها بأن هناك نظاما في اليمن؛ إذ هي تصرخ كل يوم وكل حين (الشعب يريد إسقاط النظام) ولما فهم العالم أن اليمن يوجد فيها نظام كتونس ومصر بدأ يلومها البعض ورفع البعض الآخر سقف اللوم إلى الفشل.

الثوار في اليمن يدركون تماما بعدمية النظام المؤسسي، فهو لم يوقر في القلب وإن نطق به اللسان، لكن هذا لم يشفع لتأخر ثورة اليمن، ما دام أن اللسان قد اسمع العالم بوجود نظام في اليمن، وهم يعلمون في حقيقة أمرهم أنه ليس نظاما مؤسسيا، بل هو نظام عصبوي أو بتعبير أدق عصابة لها رئيس، وبهذا تكون ثورة اليمن فقدت أهم منطق الثورات؛ وهو التعامل مع النظام كما في تونس ومصر؛ لتحل محله العصابة في اليمن وما أدراك ما العصابة (؟) لا تقيم وزنا للحشود المليونية ولا تثير حفيظتها – إذا كان لها حفيظة - فتجدها أمام الصيحات جدا متصلبة ولا يعرف الخجل طريقه إليها، كما هي لا تلقي بالا للجهود الشقيقة أو الصديقة؛ فتتناقض كثيرا وتخلف الوعود دونما حياء أو استحياء ودونما خجل أو وجل، بل تتعامل معها مثلما تتعامل مع القبيلة أو شيخها؛ لهذا هي في ذات الوقت تتعامل بعدم الاهتمام أو الاكتراث بالقرارات الدولية، وهي لا تدرك إلا ما تريد لا ما تريده الشعوب، هي تريد البقاء على الحكم والتحكم في الثروات لهذا هي لا تتفهم الثورات ولا تعترف بمنطقيتها ولا بأعدادها. 

ولما لم يكن في اليمن النظام، والشعب أو ثورته تطالب بإسقاط النظام، فإن هذا الأخير لم يسقط؛ ولم تستطع الثورة إسقاطه لأنه أصلا غير موجود، ولعل هذا الخطأ الوحيد الذي اقترفته الثورة الذكية؛ حيث أسمعت العالم بشيء عدمي فاتهموها ولم يقدروها قدرها، لعدم معرفتهم بحقيقة ما يحصل ولو عرف العالم بحقيقة الأمر لما لام تأخر الثورة ولما اتهمها بالفشل، ولكان قدرها حق قدرها، وعليه فأنني أقول - جازما - إن أخوتنا في الخليج قد عرفوا عن قرب حقيقة ما سمته الثورة (نظاما) عبر صيحاتها وصرخاتها، وأظنهم أيضا أكثر العالم عذرا للشعب اليمني بسبب تأخر ثورته، فإذا لم يكن بمقدور دول الخليج مجتمعة إقناع صالح بالتنحي، فأنا لشعب منفرد أن يصنع ذلك؛ فصالح ومن خلال تناقضاته وتعامله أو موقفه الرافض للمبادرة تلو الأخرى أثبت للخليجيين أنه رئيس عصابة ولا فخر، وعليه فقد عجز جهدهم وترقيعهم للمبادرات عن إقناعه، ولعل الخليجيين يقنعون بدورهم العالم بحقيقة ما يحصل في اليمن لعلهم يعذرون تأخر ثورة اليمنيين ويتراجع عن موقفه من كان قال بفشل ثورتهم لأن العصابة لا تتفهم إلا مثيلاتها لهذا كل جهود الدول وأنظمتها وشعوبها باءت بالفشل، وهذا لا يحط أو يقلل من شأن الثورة في اليمن بل يزيدها افتخارا ولدى الرأي الإقليمي والدولي وقارا، ويزيد المتربصين بها والمتهمين لها بالتأخر والفشل خزيا وبوارا.