احرصوا على اجتناب الطاغوت!
بقلم/ أ.د سيف العسلي
نشر منذ: 9 سنوات و 4 أشهر و 13 يوماً
الجمعة 06 مايو 2011 10:22 م

 عليكم يا شباب الثورة ان تدركوا ان ثورتكم ما قامت الا لان الطاغوت قد استفحل في السلطة و بالتالي فان اسقاطها قد اصبح فريضة شرعية و واجبا وطنيا. فالطاغوت هو التجاوز عن الحد في مصادرة حقوق المواطنين لصالح القلة المتنفذة من خلال استخدام قوة الدولة. فمن يسيطر على الدولة هو الذي يحدد من يمارس العمل السياسي و من لا يمارس و من يحتل الوظائف العامة و من يحرم منها و من يحظى بالامتيازات التجارية و من يحارب فيها. و من يحصل على الموارد العامة و من يشارك في موارده الخاصة.

  ان اسقاط الطاغوت يعني جعل الدولة خادمة لكل ابناء الشعب. و بدون تحقق ذلك فلا معنى لإسقاط سلطة طاغية و اقامة سلطة طاغية اخرى. و لن يتحقق ذلك الا اذ تمكنتم من ان تحددوا بكل وضوح كيف ترغبون في ان تحكموا و ان تختاروا من ترضون ليحكمكم. و في هذه الحالة فانه لا يهم من سيحكم فعلا. ان ذلك يتطلب اجتثاث الطاغوت و احلال العدل و الاحسان محله. 

فمن اجل ذلك ثرتم و لم تثوروا و تقدموا التضحيات الكبيرة من اجل ان تشارك الاحزاب السياسية في الحكم و لا من اجل ايصال شخصيات معينة اليه و لا من اجل اقصاء شخصيات اخرى منه. و لذلك فان عليكم ان تسعوا الى اسقاط الطاغوت ثقافة و سلوكا و اشخاصا منكم اولا و من الاخرين ثانيا. فبدون ذلك فانه سيكون من المستحيل اقامة العدل لكل من يستحقه سواء كان منتميا للسلطة او المعارضة او مستقلا.

 ان اجتناب الطاغوت و كل ما يترتب عليه من ممارسات هو الذي سوف يبين الغي من الرشد من ثورتكم . و في هذه الحالة فانه سيجعل منها العرة الوثقى التي لا انفصام لها. و بالتالي فان من يناصر ثورتكم سيكون قد استمسك بالعورة الوثقى التي لا انفصام لها. و في هذه الحالة ستنتصر ثورتكم و ستضع اليمن على طريق الازدهار و الديمقراطية و الاستقرار.

  و ليكن واضحا لكم ان تحقيق الرشد و الاستمساك بالعروة الوثقى يعني التخلي عن الممارسات الطاغوتية و احلالها بممارسات العدل و الاحسان بشدة و صرامة حتى لا يحدث اي انفصام اي انقطاع و انكسار في الحاضر و المستقبل. فمن الممارسات الطاغوتية القبول بازدواج المعاير و المجاملة. و المقصود بازدواج المعاير ان تتعامل الثورة مع انصارها و مؤيديها بطريقة تختلف عما تعيبونه على من ثرتم ضدهم. و المقصود بالمجاملة ان يتم تقديم تنازلات لمن قامت الثورة ضدهم لا تسمح بها لأنصارها. و من ذلك التعايش مع الفساد و المفسدين سواء ممن اعلن تأييده للثورة او من يطلب اعطائه حصانة حتى ينجح الثورة. و من ذلك القبول بالعهود التي يعلن اصحابها انهم لن يلتزموا بها او اعطاء العهود للأخرين مع تبيت النية للتملص منها في المستقبل بعد نجاح الثورة.

 ان القبول بمثل هذه الممارسات او تبريرها لبعض من يمارسها يعني ان خطر العدوى بها و انتقالها الى مرحلة ما بعد نجاح الثورة احتمال كبير. و في هذه الحالة فانه لا قيمة لأي ثورة لا تعمل على ايجاد قطيعة كاملة مع الطاغوت. ان ذلك يعني ان نجاح ثورتكم متوقف على نبذلكم للثقافة و الممارسة و الاشخاص المرتبطين بالطاغوت و منذ الان.

و نظرا لأهمية ذلك فقد اوصى الله رسوله بذلك اذ يقول تعالى في سورة هود " فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112). و يقول كذلك في نفس السورة " وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ (113).

فالتعايش مع الطاغوت يقود الى التضليل فاذا جاؤوكم قالوا امنا و قد دخلوا بالكفر و هم قد خرجوا به و الى المسارعة في الاثم و العدوان و اكل السحت و تحريف الكلم عن مواضعه. اذ يقول الله تعالى في سورة النساء " مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (46). أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (49) انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا (50) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً (51) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52). أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (53) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا (54).

 يا شباب الثورة يجب ان تجتثوا هذه الممارسات الطاغوتية تستبدلوها بتلك الممارسات النابعة من العدل و الاحسان. اذ يقول الله تعالى في سورة النحل "ان الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون (90). و يقول الله تعالى في سورة النساء "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135). و يقول في سورة المائدة " يا ايها الذين امنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنان قوم على الا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى واتقوا الله ان الله خبير بما تعملون (8). و يقول في سورة الانعام "ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتي هي احسن حتى يبلغ اشده واوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا الا وسعها واذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله اوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون (152). و في سورة النساء " إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58). وفي سورة الشورى " فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ (116) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117). ويقول في سورة النحل " وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرًا لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (30).

 يا شباب الثورة انكم في الوقت الحاضر تتعرضون الى ضغوط و مؤامرات بهدف الالتفاف على ثورتكم من خلال انتزاع موافقتكم المباشرة او غير المباشرة على استمرار بعض الممارسات الطاغوتية. انني اعتقد ان هدف المبادرة الخليجية هو الحفاظ على ثقافة و ممارسات و اشخاص الفساد. فان طبقت من الجانبين فان ما سينتج عنها هو حماية الفساد من خلال منح شخصياته حصانة من الملاحقة و ضمان قدر من السلطة لها يمكنها من ممارسة الفساد في المستقبل. و ان لم ينوي اطرافها تطبيقها فان ذلك يشير الى استمراء هذه الاطراف للممارسات الطاغوتية. و في هذه الحالة فانه يجب ان لا يمكن هؤلاء من المشاركة في حكم البلاد في المستقبل لأنهم سيمثلون بؤرة عدوى طاغوتية قد تكون مدمرة لكل اهداف ثورتكم.

 يا شباب الثورة عليكم ليس فقط رفض هذه المبادرة و انما ادانت كل من تعامل معها بحسن نية او بسوء نية. و ان لم تقوموا بذلك فاني اخشى على ثورتكم من الاجهاض. اني لادعوا الله تعالى من كل قلبي ان يوفقكم لكل ما فيه نجاح ثورتكم.