نظرية الثعبنة في ميدان التنظيم والدولة
بقلم/ كاتب/مهدي الهجر
نشر منذ: 14 سنة و 4 أشهر و 7 أيام
الخميس 07 سبتمبر-أيلول 2006 09:06 م

" خاص - مأرب برس "

كما أن الولايات المتحدة تخشى بفعل قراءتها الإستراتيجية من أخطار تتهدد أمنها القومي وتحجيم دورها الدولي ،وتعد لذلك الاستراتيجيات للتحكم بأدوار وأوراق المستقبل .

فان الشعبي العام هو الأخر له إستراتيجيوه وقراءته المستقبلية ،تحسبا للأخطار المتوقعة التي تتهدد أدواره .ولعل هذه الأخطار وفقا للرؤية الاريانية والباجمالية تتمثل في تنامي أدوار تجمع الإصلاح ،والواضح أن هنتجتون الشعبي العام وهو هنا باجمال بطبيعة الحال هو الذي رأى و يرى بحتمية الصراع بين الشعبي وهذه القوى الصاعدة ،لذلك فقد بادر أكثر من غيره بالإعلان عنها وبمحاولة تجفيف المنابع ،من باب العاجل الوقائي ،وهو الذي اقتحم العقبة فأنهى المعاهد سواء بمبادرة منه أو جاءا لتوقيت متزامنا مع وجوده ..

هذه الأمور لاغبار عليها في ظل الصراعات السياسية بين القوى ،وتعتبر مسلمات وطبيعية ،فان لم يسع هذا بوسائله إلى تحجيم ذك سبقه ذك وقام بنفس الدور .كما أن المسلمات هنا في إطار التجارب السياسية العالمية أن أي حزب رائد وحاكم مالم يستطع استيعاب هموم ومطالب جمهوره –شعبه-ويحسن قراءة البيئة وتطويع متغيراتها لصالح مشروعه ،فان دوره ينكمش ويتراجع ،لصالح أخر ينهض ويغطي الدور والفراغ ..

هذه هي المعادلة للنظرية الديمقراطية ،وهذا ما كان يتوقعه المراقبون فيما يتعلق بالشعبي العام .

غير أن هذه المعادلة والتي تعد شبه قانون يعمل في المسرح السياسي ،اتضح أنها لايمكن أن تعمل أو تسحب في ميدان وتفاعلات الشعبي العام ،فقد أفرزت تفاعلات الشعبي العام معادلة أو قانون آخر احتكره بمفرده الشعبي العام ،يمكن من خلاله أو من خلالها قراءة الواقع والتجليات الداخلية للشعبي العام ..

كان كاتب هذه السطور قد استشفها والمح لها في مقال سابق متزامنا مع انعقاد مؤتمره العام الاستثنائي الأخير،وكانت تلك التناولة قد عرجت إلى القراءة في بعض أوراق الشعبي وجزئياته من ا لداخل وصولا إلى اعتقاد ونتيجة بتهاوي الشعبي العام مع نهاية الخمس السنوات القادمة ،بسبب ضبابية الرؤية والمشروع والتصادم الحاد والمفرط بين جزئياته ..

وقد لقي هذا التحليل الرفض لنهائيته من بعض الأصدقاء والمعنيين ،حيث قالوا بوجود قوة ضابطة تمسك بالأوراق وأدوات السلطة ،تمثل في النهاية سياجا واقيا كما تعمل على صهر جميع المتنافرات المتصادمة في بو تقة المصلحة والولاء الخاص ،وانه وحتى ينفرط العقد ويتنافر لا بد من مرور عقدين على الأقل من الزمن ،يكون حينها الرابط لهذه المتنافرات قد اختفى .

غير أني أعود اليوم وازعم بتكرار ،أن سقوط المجسم بات قريبا واقرب حتى من الخمس السنوات السالفة الذكر ،والشواهد هنا تلك التجليات في مأرب وشبوة والجوف وغيرها ..  

 

معادلة المؤتمر 

قلنا بمعادلة سياسية تعمل في تجارب الآخرين ،من خلالها تستطيع رصد المنحنى صعودا أو هبوطا،إلا أن للشعبي بمفرده معادلة أخرى ، جوهرها أن قيادة المؤتمر تمارس عليه نفس ما تمرره من نمط قيادي في إدارتها للدولة،المسكنات الوقتية ،الإدارة بالأزمات ،وخلق الاصطفافات والتفريخ ،والشحن المناسباتي .

فإذا كانت في إدارتها للدولة لم تلتزم با لدستور والقواعد المؤسسية وتركتها للعشوائية والارتجال ،وسياسة في حينها ،فان الحال هو نفسه بل وابعد مع الشأن الداخلي للمؤتمر ،فلا قواعد أو نظم داخلية تعمل ولا رؤية وبرمجة حتى للقريب .

إنما هي آنية لنتائج مطلوبة على عجل .

وبقصد أنشئت التكوينات والاصطفافات الداخلية ،بين رؤى فكرية وأخرى اجتماعية متناقضة ،وان كانت هذه الأخيرة في شبه توافق وانسجام جاء الدفع باتجاه التشظي والتصادم .

وتحولت الإدارة في الداخل من الاتجاه الذي يستوعب ويرتقي وينمي ويوظف ،إلى الفنية والبداهة في إدارة الصراعات والمتناقضات في ظل التحكم في منسوبها وتوجيهها بما يحقق أهداف ونتائج يعلن عنها أنها وطنية وتاريخية ما كان لها أن تتحقق إلا وفقا لماكانيزما الرقص على رؤوس الثعابين .

وظل الشعبي العام ولا زال قيادات وقواعد ومكونات يتجه إلى حيث لا يدري ،ويؤدي نفس ثماره في موسم حصاده (الاستحقاقات الانتخابية او التعبية الشعبوية ) .

إلا أن المكونات زادت وتثعبنت هي الأخرى ،واللعبة توسعت ،والفتق اتسع على الراتق ،وأصبح أصحاب المصالح بأحجام وأعداد لا تتسعهم مصلحة ولا تنطلي عليهم حيلة .

فالشيخ في قبيلته لم يعد بمفرده بل زادوه في إطار الثعبنة مشايخ ،والعاقل هو الآخر أصبح عقال ،والتاجر المسؤل تجار ،والعضو القيادي أعضاء ،وعضو اللجنة الدائمة أعضاء بل ولجان ،وعليه فان مرور المصلحة من هنا تأتي على حساب هذا الشيخ أو القبيلة لحساب شيخا وقبيلة أخرى ،وهكذا الحال مع المكونات الأخرى التي افرزتها منهجية الثعبنة .

إن خروجها المصلحة من آل طيشان إلى آل ثعبان،تعني بالمقايس المألوفة نهاية الأول للثاني ،والطامة الكبرى هو الذي ستتحدث عنه وتغنيه قيان وغواني العرب من أن خزاعة غلبت بكرا .

وهكذا فقيادة الشعبي عبر مراحلها هي من زرعت هذه الحقول من الألغام في حياتنا الاجتماعية والسياسية وفي اتونها الداخلي ،وها هي ذي اليوم تجتني ثمارها ونحن معها دماء واشلاء ،ورفض تظيمي وتمرد على قراراته ،وسيل جارف من الاستقالات ..

المخيف بالنسبة لنا أن هذه الآلام والجراحات لم تقف عند سياجه التنظيمي ،بل امتدت قبليا واجتماعيا ولتعيد من جديد جراحات وثارات منسية .

ماذا لو فعلتها قيادة المؤتمر وأوكلت الأمر إلى النظام واللوائح الداخلية ،هي أمور سيقبلها الجميع وسيذعنون ،فإذا كان أبناء شبوه ومأرب والجوف يتوافقون فيما بينهم على حقن الدماء بين غالب ومغلوب ،أفلا يمررون ذلك فيما هو اقل ،في ظل اقتراع حر ومباشر يختارون فيه من يمثلهم مؤتمريا للمجالس المحلية أو غيرها في ظل ما هو متعارف عليه من النظم واللوائح .

غير أن الأمور تسير عكس ذلك ،قد يجتمعون تحت ظلال اللائحة ليصلون إلى من يمثلهم حتى يطل عليك يحيى الراعي بتغير ذلك بقوله ،هولا قبائل غشمان لم قد سبق وان يعرفوا مصالحهم .

وهكذا تأتي التدخلات من جهات عليا بحسبها وتبعا لإحجام الأعضاء المتنافسين ،فطورا تأتي من السيد المحافظ ،او من جهاز الأمن السياسي ،أو من صاحب المشيئة العليا ،وكلها بصيغة خلوا فلان بدل فلان ،وما فيش داعي للصندوق هولا قليل غشمان .

وهكذا الحال حتى في اختيار الأمين العام ،وقيادة الكتلة النيابية ،ورئاسة المجلس النيابي ،كلها بصيغة خلوا فلان بدل فلان ،والاعتبار مصلحة الدولة والحزب ،حيث لا يعيها أو يقدرها هولا الغشمان ..

قد يستغرب البعض من هذه القراءة ،وقد يقولون هي شئون داخلية للشعبي العام تهم ويهتم بها كوادره ومعنيوه فقط ،وان ليس للآخرين إلا أن يكفوا عن الفضول .

 

 

والحقيقة أن الأمر ابعد ،ويتعلق بالجموع العام والوطن ،فان أي تعافي للشعبي العام يجر معه بالتبعية الحيوية للشعب بمجموعه ،وان أي أوجاع وأسقام ،او نزق وشطط للشعبي يتداعى معها الشعب بالحمى والضنك ..

ذلك أن الشعبي العام قد سكن وتماهى في الإدارة والمؤسسات ومصالح الشعب ،كما يسكن أو يتلبس عفريت احد بني البشر ،فلا يزال يصرعه ويتخبطه ،ويورثه الهم والأوجاع والشرود والأسقام ،حتى يأذن الله لهذا المسكين بزوال اللبس وانقشاع الغمة ..

إن المشاكل المتأزمة هي نتيجة لانفجار بعض هذه الألغام في ميدانها السياسي والاجتماعي والقبلي ،وهي اليوم أكثر وجعا ودويا في أتون السياج الداخلي للمؤتمر نفسه ،وقد سمعنا بعض دويها في شبوه والجوف وأماكن أخرى ،المقلق أنها تجاوزت نطاقها التنظيمي لتشد إليها الواسع الاجتماعي بتقليديته ومشاكله الرابضة والنائمة ،فزادت فوق الآكام مثلها ،وبصواعق فجرت الحقول المزروعة فايقضت النائم وجددت ما بلى ،وأعادتها إلى الأتون جذعة ..

ما نتمناه هنا بحرارة وصدق ،هو أن يتعافى المؤتمر سريعا خطة وتنظيم ورؤية وفعل ،فأمامه من الفرص والإمكانات والتجربة ما تمكنه من إعادة البناء والرص والصف والاستشراف بمنهجية تقوم على العلمية والكوادر ومجموع الرأي الداخلي ..

أما وان لم تتهيأ ويهيأ لهذه الأمنية ،فما نتمناه كخيار آخر صحي لنا ولهم وللشعب جملة هو أن ينفجر هذا البالون سريع فنحن على استعداد لان نتحمل دويه وتشظيه ونبتلعها مرارة وآلام في سبيل أن يعاد البناء من جديد ،وبنمط فني آخر يراعى فيه الذوق العام وتحديات المرحلة ،أما أن تطول فترة دوي الفرقعات والآلام ÷فهذه مدعاة للاعتلال والأوجاع المزمنة ..

وكلها أولا وأخيرا نظرية الثعبنة على ميدان التنظيم والدولة ،ستاتي علينا وعليهم ،إلا إذا قاربت رحمة الله وهي ليست ببعيد .