محجبة على القناة الروسية
بقلم/ سعيد أبو معلا
نشر منذ: 11 سنة و 7 أشهر و 9 أيام
الأحد 08 إبريل-نيسان 2007 07:13 ص

كان غريبا علينا نحن القادمون من منطقة العالم الإسلامي عند استراحتنا في العاصمة الروسية مرورا إلى "قازان" عاصمة "تترستان"، وفي أثناء تصفحنا القنوات الروسية دون أن نفهم شيئا بفعل عائق اللغة، أن نرى مذيعة مسلمة تقدم برنامجًا خاصًا للمسلمين الروس.

المدهش هنا هو أن نرى في قناة روسية ما لا نراه في غالبية القنوات العربية الرسمية وغير الرسمية؛ فالمذيعة ترتدي الحجاب الإسلامي والبرنامج مخصص كذلك لمعالجة شئون المسلمين.

حملنا دهشتنا في طريقنا جوا إلى "قازان" وإذا بالمذيعة إياها "عريفة" حفل افتتاح مهرجان المنبر الذهبي الثاني، وهو المهرجان المخصص لسينما العالم الإسلامي وقضايا المسلمين في العالم؛ فكانت الإعلامية "دينارا صدر الدينفا".

"دينارا" تطرح في هذا الحوار بعض مشاكل المسلمين الروس، وواقع حياتهم، والصورة التي تقدمها عنهم وسائل الإعلام، والمشاكل التي واجهتها كمذيعة محجبة على قناة فضائية روسية.

كما تؤكد على أن صورة المسلم في روسيا صورة سلبية ومشوهة، وأن برنامجها التلفزيوني "المسلم" الذي يذاع على القناة الرسمية هو أداة بسيطة تحاول من خلالها أن تضع المسلمين والروس عامة أمام مشاكلهم وقضاياهم، وفيما يلي نص الحوار:

* حدثينا عن بدايتك وتحديدا لقارئ عربي ومسلم يبعد عنك حوالي 6 ساعات طيران؟

تقدم دينارا برنامج المسلم لحوالي 25 مليون مسلم روسي

اسمي "دينارا" 30 عاما، أعمل حاليا مقدمة لبرنامج "المسلم" في القناة الروسية الرسمية، درست المسرح من الأكاديمية الروسية للمسرح والفنون، وهي من أفضل الجامعات في روسيا الاتحادية.

أما عن رحلة تديني فأذكر أنني وفي السنة الخامسة من الدراسة أي عندما أشرفت على نهايتها أصبحت بحاجة إلى الصلاة والتقرب إلى الله، لتكون هذه السنة من أصعب سنوات حياتي نظرًا لدراستي وحاجتي لله؛ فالدراسة تتطلب أن أصعد للمسرح وأقدم عروضا مسرحية، في حين أن ممارستي للمعتقدات والشعائر الإسلامية عملية صعبة بالجامعة؛ فأحيانا كنت أحضر في حجابي ثم أضطر لخلعه.

في تلك الفترة وبعد التزامي بدأت أرى أن معتقداتي الدينية لا تسمح لي ولا تتناسب مع المسرح الروسي بوضعه الحالي، ورغم كثرة الدعوات من المسرح الموسيقي الروسي والعديد من المسارح الروسية الأخرى أو عروض متابعة الدراسة في الأكاديمية الروسية قررت أن هذا كله ليس طريقي، وتحديدا في ظل أن المسرح الروسي لا توجد فيه مواضيع يمكن أن تقدمها المرأة المسلمة بالحجاب لذا قررت ترك المسرح.

* وكيف كان اتجاهك صوب العمل التلفزيوني؟

حدث هذا بفضل توفيق رب العالمين، بعد أن تخرجت في الأكاديمية، وفي أحد أيام الصيف اتصلوا بأختي كي تقوم بعمل برنامج اسمه "سماحة الإسلام" لقناة تابعة لإحدى الشركات النفطية، كانت تبث على القمر الصناعي الروسي، أختي كانت في إيران، وعندما علم الرجل المتصل أني أنهيت دراستي في الأكاديمية المسرحية الروسية عرض عليَّ أن أقدم البرنامج بدلا عنها.

التقينا فورا وأخبرني أن عملي سيكون مراسلة صحفية في البداية، شككت في قدرتي على العمل لأنني لم أعمل صحفية من قبل، في تلك الأثناء كانوا قد سجلوا حلقة مع مذيع آخر لكنه لم يكن بالمستوى المطلوب فطلبوا مني أن أقدم البرنامج برفقته، وفعلا قدمت البرنامج ولأول مرة بحجاب دون أن نعلم ما رد فعل لجنة الإفتاء في روسيا.

في تلك البدايات لم أكن أرتدي الزي الإسلامي بالكامل، فكنت كأي فتاة روسية أرتدي التنورة القصيرة؛ والمفارقة أنني في أول حلقة صورتها كنت بحجاب وتنورة قصيرة؛ وهذا جعل ضميري يؤنبني على هذا التناقض، فشعرت أني شخصية بوجهين، وكان عليَّ أن أصبح بوجه واحد، فليس عليَّ أن أؤدي الصلاة فقط لأكون مسلمة حقا بل لا بد من اللباس الشرعي حتى أكون مسلمة حقيقية.

هذا الشعور لعب دور مهمًّا في التزامي وبقية حياتي؛ فلبست الحجاب وقدمت البرنامج واستمر لمدة سنتين، ثم بدأ البرنامج بالتراجع بفعل تراجع المنتجين الذين كانوا يدعمونه ماليا وبدأت في الدراسة للحصول على شهادة علمية من كلية التربية لأحصل على شهادة تؤهلني للتدريس في الجامعة.

وفي تلك الأيام عادت أختي من إيران، وبالصدفة التقت مع أحد المخرجين التلفزيونيين، مخرج برنامج "المسلم" الذي أقدمه الآن ويبث على القناة الروسية، وبعد اللقاء مع أختي وبفعل جمالها أعجب بوجهها المقبول تلفزيونيا ولكنها كانت تعمل مصححة لغوية دون أدنى خبرة في العمل التلفزيوني لذلك قدمتني للمخرج للعمل في هذا البرنامج.

وعندما التقينا وعلم بعملي السابق ودراستي رحب بذلك جدا، وكانت هذه صدفة جميلة وغريبة وهي فتاة مسلمة ملتزمة مع دراسة مسرحية، الجميل في الأمر أن برنامج "المسلم" كان يعرض بشكل متقطع دون مذيع محدد، وبعد تجربتي بالبرنامج أصبحت مقدمته الخاصة وأصبح بشكل أسبوعي وفي موعد محدد.

اليومأتذكر أنه عندما كنت صغيرة حلمت أن أكون مذيعة في التلفزيون، وهذا ما حصل فعلا، فسبحان الله.

* كإعلامية مسلمة محجبة وفي دولة كروسيا حتما هناك ضغوط تواجهينها في الحقل الإعلامي عندما تظهرين في برنامج يتناول المسلمين ويطرح قضاياهم ويعكس مشاكلهم ويقدمهم بصورة مغايرة عن الصور النمطية في أذهان الروس، ما طبيعة مثل هذه الضغوط؟

كأي بداية مغايرة عن السائد كان هناك بعض المخاوف مني ومن قبل المنتجين، إضافة إلى كم الضغوط الذي مورس ضدي من العاملين في القناة الروسية؛ فتجربتي جديدة ولم تحدث قبل مطلقا؛ لذا كان عليَّ أن أتحمل معوقات التجربة الأولى من مشاكل وخلافات وأحاديث الزملاء، فكان إيماني برسالتي التي أقدمها خير معين.

وهنا لا بد أن أؤكد أن الضغط الشديد أفرز بعض الدعوات لأقدم البرنامج بدون حجاب أو أن أضع شالا خفيفا يغطي شعري من الخلف، لكني صممت على حجابي، ولو أنهم خيروني بين الحجاب أو العمل لاخترت الحجاب طبعا.

ومثلما كان الأمر غريبا على الزملاء في القناة الروسية فقد كان غريبا على الجمهور أيضا الذي لم يعتد ظهورًا مثل هذا وبرامج مثل هذا، لكن بالتدريج اعتاد الناس عليَّ، وبحمد الله تم تجاوز أمر الاعتياد؛ فقد أصبحوا ينظرون إليَّ باحترام شديد بعد مشاهدتهم ما أقدمه.

* ما موقف الجمهور الروسي منك كمذيعة محجبة لم يعتادوا أن يروا صورتها على قناتهم الرسمية ولم يتخيلوا أن يروا يوما صورة مختلفة تماما عن تقاليد ثقافتهم ونمط لبسهم وحياتهم؟

أعتقد أن هناك الكثير من الترحيب في الشارع الروسي، الدليل على ذلك هو كم الرسائل التي تأتي للبرنامج لتؤيده أولا ولتطرح قضايا ومشاكل ومواضيع، إضافة إلى الرسائل التي تتوجه لي شخصيا بهدف حل مشاكل المستمعين والنظر في قضاياهم رغم صغر سني، وهذا أمر يدلل على ثقة الناس بالبرنامج واهتمامهم به وثقتهم بمن تقدمه.

* علمت أنه البرنامج الوحيد لحوالي 25 مليون مسلم، إذًا ماذا يقدم هذا البرنامج للمسلم؟ أو ما طبيعة البرنامج؟

أثناء حفل افتتاح مهرجان المنبر الذهبي

لا أستطيع القول أن البرنامج إسلامي فقط، لكنه برنامج يحمل في مضمونه عادات المسلمين وتقاليدهم وثقافتهم وصورتهم الحقيقة؛ بدأنا بإمكانيات بسيطة للغاية، والآن وبعد سنتين من بداية البرنامج أصبح لدينا أستوديو خاص يتيح إمكانية استضافة الأشخاص، وأصبحنا نتطرق للأمور والمشاكل والقضايا التي تهم الإنسان المسلم الملتزم في كل أمور حياته، وهذا ما لم يكن ممكنا في بدايات انطلاق البرنامج.

لكن المؤسف أن مدة البرنامج 13 دقيقة في الأسبوع فقط، وهي مدة قصيرة جدا ولا يمكن فيها أن نعالج قضايا أو أن نحيط بالمشاكل والمواضيع التي تهم المسلمين في روسيا، لا سيما وأنهم ينتشرون في مناطق سكنية كثيرة ويعيشون في بيئات مختلفة وعددهم غير قليل.

البرنامج في جوهره يهدف إلى التأكيد على أن المسلم ليس من يحمل السلاح أو الذي يقتل ويتهم بالإرهاب بل على العكس تماما، ولتقديم تلك الصورة نقوم بتقديم نماذج حياتية للمسلمين وثقافتهم ونمط عيشهم؛ فالمسلم يعمل، وينجب الأطفال، ويحلم، ويحاول تحقيق حلمه عبر العمل والجد والمثابرة، وله خصوصية يجب أن تحترم وتقبل على أساس أنها جزء من ثقافته ودينه، وهذا هو جوهر برنامجنا.

دعوة للرعاة والممولين

* هل تكفي 13 دقيقة، هل تقومين بضغط أو طلب من القناة الروسية لمنحك وقتا أكبر يناسب عدد المسلمين في روسيا على الأقل؟

بداية يجب أن نؤكد أن المنتجين ومن يدعموننا ماديا ليسوا مسلمين، وبالتالي يجب أن نرضى بالواقع الذي نحن فيه بما أن الدعم المادي ليس من المسلمين، فلا نستطيع أن نفرض شروطنا على منتجي البرنامج برغم أنني أحاول دوما، وهناك أمل كبير في زيادة مدة البرنامج إذا طالب مجلس الإفتاء الروسي بذلك، كما أن الأمر يعتمد على زيادة الدعم المادي أولا وذلك بدخول رعاة مسلمين روس أو حتى رعاة مسلمين من خارج روسيا كمصر ودول الخليج، إضافة إلى زيادة الاستقبال الشعبي له.

شخصيا قدمت الكثير من الاقتراحات للمخرج، لكنه لا يملك الكثير ليفعله في ضوء أن كل شيء تقوم به الإدارة العامة للقناة.

هنا أؤكد على أن استمرار البرنامج يدلل على النجاح الكبير وتحديدا على قناة روسية رسمية، في حين أنني أسمع أن المذيعات المسلمات يمنعن من الظهور بالحجاب في دول إسلامية، وهذا يدلل على أن قيم التسامح والتفاهم مع الآخر بدأت تنتشر وتسود، وهذا مؤشر إيجابي يساعدنا على فهم الآخر كي يفهمنا هو بدوره.

 

ومع ذلك تواجهنا مشاكل كثيرة، مثال ذلك البسيط يتعلق بتغطية مهرجان المنبر الذهبي الثاني؛ فهناك اعتراض من الجانب التتري ودعوات ليقوم فنانون علمانيون بعرافته، أو حتى مذيعات تتريات بدون حجاب.

* صورة المسلم الملتزم على القنوات الروسية، كيف تظهر؟

بشك لعام ترتبط صورة المسلم بالإرهابي الذي يحمل السلاح ليقتل الآخرين دوما، أو الفتاة الشهيدة التي تفجر نفسها، ونحن ضد هذه الصورة السلبية تماما، وبرنامجنا يحاول تأكيد الصورة الحقيقية عن الإسلام والمسلمين.

وهذا يحدث معي كثيرا لكوني أرتدي الزي الإسلامي، حيث يوقفني بعض الروس في "المترو" ويطلبوا مني بطاقتي الشخصية بحجة أنهم يشتبهون بي. فبعض الناس كانوا يأخذون حقيبتي، بعد التفجيرات في موسكو، ويصرخون: "شهيدة فلنأخذها للشرطة"، كنت أشعر بالفرح؛ لأنهم سيعرفون حقيقتي وسيعتذرون وبالتالي ستظهر لهم صورة أخرى للمسلمة الملتزمة.

هم هنا يظهرون الحذر الكاذب حتى يخيفوا بقية المسلمين الملتزمين، وهذه أفعال تعرقل المسلم الملتزم وتجعله يتخوف من القيام بشعائره وإعلانها بشكل كامل.

* ما حلمك الشخصي إذًا؟

على صعيد البرنامج أسعى أن يكون لي دور في تقديم صورة صحيحة للمسلم الروسي عموما وللمسلم في جميع العالم بشكل عام، كما آمل أن يكون لي دور في نشر حقيقة الإسلام؛ فهناك الكثير من الرسائل من الروس المسيحيين الذين يريدون اعتناق الإسلام ولا يعرفون إلى ذلك طريقا.

ومن منطلق شخصي أحاول أن أظهر وجه الفتاة المسلمة؛ فهي ليست الفتاة التي تجلس في البيت بل الفتاة التي تستطيع أن تعمل في أي مجال، وتستطيع أن تحصل على الشهادات العليا في أي مجال، كما أتمنى أن أحوز رضا الله تعالى عز وجل على مجمل أعمالي، كما أنني أحاول أن أعمل بمضمون الأثر الذي يقول إن القليل من المعرفة يجب أن تتقاسمه مع الآخرين.

* كلمة أخيرة؟

بداية أود أن أشكر القناة الروسية الرسمية التي سمحت ببرنامج خاص بالمسلمين كي يعبر عن المسلمين ويعالج قضاياهم المختلفة ويطرحها على طاولة النقاش؛ فهذا دليل سعة أفق ومساحة اهتمام بالمسلمين، وأنا على وعي بأن المسلمين في روسيا بحاجة إلى ما هو أكثر من برنامج تلفزيوني.

عن / أسلام أون لاين