ماذا خسر اليمنيون باغتيال الرئيس ألحمدي؟
بقلم/ د: حسين عبدالقادر هرهره
نشر منذ: 6 سنوات و 9 أشهر و يومين
الثلاثاء 18 أكتوبر-تشرين الأول 2011 04:06 م

نحن نؤمن بقضاء الله ولا نعترض عليه، ونعلم أن الرئيس ألحمدي رحمه الله قد كتب الله له الشهادة لحكمة يعلمها هو، ولكن من خلال سيرته وانجازاته خلال فترة قصيرة جدا ومن خلال أخلاقه وأمانته وإحساسه بالمسؤولية تجاه شعبه في اليمن كلها أحببت أن نستشرف المستقبل لو ان الله كتب لهذا الرجل حياة أطول، فماذا كانت الصورة في المحافظات الشمالية؟ وماذا كنت الصورة في المحافظات الجنوبية؟ وكيف كانت صورة الوحدة في ظل مجموعة حاكمة متنافرة في الجنوب ومتنافرة في الشمال؟ وما هو موقف دول الجوار مما سيحدث لليمن من تغيرات جذرية؟ وما هي السيناريوهات المحتملة داخليا وخارجيا بوجود قيادة وطنية يمنية ؟

لاشك أننا أمام إجابات غاية في الخطورة، وهذه المجموعة التي امتدت يدها باغتياله لم تكن لديها ذرة من الوطنية ولا الخوف من الله، بل نفذت هذه المؤامرة بناء على مصالح شخصية ضيقة أهمها الوصول إلى الحكم وبقاء سيطرتها على موارد الدولة اليمنية وتحالفت مع جهات خارجية يهمها كثيرا ان تظل اليمن حبيسة الجهل والفقر والمرض.

إن الصورة الواضحة أمامنا هي ان الشهيد إبراهيم ألحمدي وجد أن التخلص من التبعية الإقليمية يحتم عليه إيقاف نزيف الدم بين شمال اليمن وجنوبه لان كلا الدولتين تستند إلى حلفاء خارجيين لعدم قدرتهما الاقتصادية على الصمود في هذه الحرب ضد بعضهما ولان هذه الخلافات لأتسمح للدولتين أن تعيدا ترتيب البيت اليمني من الداخل، وان الدول الخارجية الداعمة يهمها بقاء مشكلات اليمن مستمرة لأسباب عديدة أهمها إبقاء الدولتين تحت سيطرتهما وتعتمدان عليهما في الدعم ضد بعضهما لهذا سعى الرئيس الحمدي الى لم شمل البيت اليمني حتى يقفل أبواب الفتنة التي تشعل نارها دول خارجية لا يهمها مصلحة الشعب اليمني.

يقول محمد الحمدي الشقيق الأكبر للرئيس الحمدي :( أول صداقة بين إبراهيم وسالم ربيع كانت في قمة بالجزائر “ قمة الرؤساء العرب “ وكان كرسي إبراهيم وكرسي سالم ربيع بجانب بعض مرتبين حسب الحروف الأبجدية وبعد أن عقدت الجلسة الأولى كان هناك بين الجلستين استراحة فقام الرؤساء كلهم إلا إبراهيم وسالم ربيع لم يخرجوا فألتفت إبراهيم إلى سالم فقال له يا سالم الأغنياء وأصحاب البترول خرجوا يتفسحوا في الاستراحة ونحن الفقراء جالسين نتقاتل بيننا البين قوم نشرب حاجة سواء، وهذه بداية الصداقة ووافق سالم ربيع وشربوا ألشاهي الاثنين وكان إبراهيم لبقاً وكان يقنع بكلامه الآخرين وإذا تحدث مع المخاطب له لا يملك إلا أن يسمع له ولم يتم المجلس إلا وهم متوافقين وقال إبراهيم لسالم، لماذا لم نتفق ونصلح بلدنا وما كمل الكلام إلا وقام سالم ربيع ويبوس إبراهيم واتفقوا على هذه الصداقة وتبادلت الزيارات بمقرات الإقامة بالجزائر واتفقوا على أول اجتماع لهم في قعطبة،  وهذا الاجتماع كان بداية الخير لليمن الذي تم به إيقاف القتال وكان الأساس في قمة الجزائر)، لذا كان الرئيس الشهيد يعلم أن اليمن لا يمكن لها أن تتقدم مادامت الحروب مشتعلة في الحدود بين اليمنيين، فلا اقتصاد ولا تعليم ولا صحة ولا بنية تحتية ولا تخطيط لأي شيء لان الدولة في حرب مستمرة والانكى من ذلك أن طرفي النزاع سيستمرأ في التبعية للخارج، لذلك كان عليه أن يبدأ بإيقاف النزاع مع الجنوب وتوحيد الدولة حتى يقفل الملف بالكامل، ويعلم الجميع كيف تمت الاجتماعات السرية بين الجانبين والتي حضرها الغشمي وكانت سببا في اغتيال الحمدي.

ولكن لنلقي نظرة ونتساءل ما هي تصورات الوضع لو تمت هذه الخطوة، ولاشك عندي أن تحقيق هذه الخطوة كانت سوف تعيد ترتيب الأوضاع في اليمن كلها وأول هذه النتائج ما يلي:

1.  تراجع المد القبلي لصالح المد الوطني وإعادة القبيلة الى وضعها الطبيعي بحيث لا يسمح لها بتسيير الدولة وإنما تنصاع لها وتبقى تحت القانون ولا تتجرأ عليه، لهذا لاشك أن الجانب القبلي لعب دورا قويا في إزاحة الحمدي من الصورة حتى تبقى الأوضاع كما هي عليه اليوم،يقول شقيق الرئيس الحمدي : (حتى القبائل تغير سلوكهم بدليل أنهم في أيام إبراهيم وبالسنة الأخيرة من حكمه كانت القبائل من أرحب ونهم والجوف ومن حاشد ومن خولان يبيعون أسلحتهم للحكومة من أجل أن يعودوا ويزرعوا بلادهم ويشتروا حراثات ومضخات لضخ المياه، وتفاعل الناس حتى كانوا يأتون إلى عندي يقولون لي إذهب لإبراهيم وكنت لما أذهب إليه كان يفرح ويقول الآلي الذي يبيعونه بالسوق ب ـ75 ألف تشتريه الدولة منهم بـــ 150 ألف والبندق الذي يبيعونه بـ15 نأخذه بـــــ30 ألف و هكذا وكان الناس كلهم يسلمون أسلحتهم للدولة وهذا شيء معروف.وبعد اغتيال إبراهيم عادوا يشترون السلاح من جديد وأصيب الوطن كله بنكسة) .

2.  إن الأوضاع في الجنوب كانت سوف تأخذ مسارا مختلفا لان الصراع الدموي الذي نشب بين أجنحة الحزب الحاكم وكان ضحيته الرئيس سالم ربيع علي كان سببه اغتيال الحمدي، وأيضا كان ضحيته من الشمال مقتل احمد حسين الغشمي انتقاما للحمدي، وكان ذلك كله لن يحدث، وهناك أمر في غاية الأهمية وهو ان التطرف في الفكر الاشتراكي الذي اختطه الرفاق في الجنوب ودمر الجنوب وشرد أهلها كان الاندماج في دولة واحدة سوف يؤدي الى تراجع هذه الحدة بشكل كبير ويؤدي الى إعادة النظر في هذا الفكر بسبب توازن القوى داخل الدولة الجديدة، كما ان الوحدة كانت سوف تتحقق باكرا لليمنيين وكانت كثير من المشاكل السياسية والفكرية سيتم حلها داخل البيت اليمني ولن يسمح للخارج أن يؤثر على الأوضاع الداخلية لليمن.

3.  إن الأحداث التي عانت منها الجنوب والانقلابات الداخلية بين أطراف الحزب الحاكم وصولا الى كارثة عام 86م التي أنهكت الدولة الجنوبية وجعلتها تستنجد بالوحدة بسبب سقوط الحليف الخارجي والخوف من الانهيار الاقتصادي وما أدى إليه من تنازلات جنوبية بدون أي اشتراطات لحفظ حقوق أبناء الجنوب وبسببها تغول الرئيس صالح وعبث بمقدرات الجنوبيين واعتبر مساحة الجنوب كلها ملكا له ولعائلته يقطع فيها بما يريد ويمنع ما يريد، كل ذلك لم يكن ليحدث لو تحققت وحدة اليمن عام 1977م.

4.  إن الأمانة والوطنية التي تميز بها الشهيد الحمدي كانت سوف تؤدي الى توظيف المال في موقعه الصحيح وكانت اليمن سوف تشهد ازدهارا اقتصاديا يجعلها تستغني عن اي دعم خارجي مشروط يعبث بآمال الشعب اليمني كما يحدث اليوم، كما ان الفساد كان سينخفض كثيرا بسبب وجود الكادر الجنوبي المتشدد بالإضافة الى وجود إدارة حكومية برئاسة رجل وطني سيكون لها آثار ايجابية على اقتصاد الدولة اليمنية، وقد تأثرت كثيرا حتى دمعت عيناي من أمانة هذا الرجل الذي كان اغتياله كارثة حقيقية تعذبنا بسببها 33 عاما واليكم ما ذكرته شقيقة الشهيد عن أمانته لتعلموا إن الذين اغتالوا إبراهيم الحمدي إنما اغتالوا آمال الشعب اليمني كله، تقول شقيقته صفية( أتذكر يوما كانت زوجته مسافرة وذهبت أقيم معه في البيت وكانت هناك غرفة طلب عدم تركها مفتوحة وإغلاقها وأعطاني المفتاح فتعجبت من هذا الاهتمام بإغلاق الغرفة وأثار ذلك فضولي، ففتحت الغرفة ودخلتها فوجدت شنطة كبيرة مليئة بالمال وأغلقتها وبعد ساعتين جاء إبراهيم رحمه الله وأخذ المفتاح وبعد ساعتين استدعاني ولم أجد الشنطة فقلت له أين الشنطة ؟ قال لي أية شنطة ؟ قلت له كانت هنا ومليئة بالأموال فأراني ورقة كانت سند بتحويل تلك الأموال إلى خزينة الدولة وقلت له هذه الأموال خاصة بك لما لم تتركها ربما نحتاج لها؟ قال وما المناسبة ؟قلت المناسبة أنها جت باسمك قال لما لم تهدى لشخص آخر؟ لو لم أكن رئيسا لما أهديت لي هذه الأموال وهي ملك الشعب.. هل تريدين أن أسرق مال الشعب؟ قلت له أعوذ بالله) تصوروا معي وقارنوا بين هذا الرجل وما يحدث لليمن اليوم وكيف يبيعون الغاز ب 3 دولارات وسعره في الأسواق العالمية ب 10 دولارات، فعلا لقد اغتيل الرجل من اجل نهب ثروات اليمن والفارق بينهم وبين هذا الرجل مابين الثرى والثريا.

5.  لقد عانى أبناء اليمن في الاغتراب كثيرا بسبب أوضاع بلدهم ولو وجدت الدولة الوطنية التي كنا نحلم بها لما اضطر كثيرا من أبناء اليمن الى الخروج والاغتراب، وكانت الأوضاع الاجتماعية لأبناء الشطرين سوف تتغير تغيرا جذريا في الجانب الايجابي، كما ان رجال الأعمال اليمنيين كانوا سيجدوا الأمان الكامل لاستثماراتهم، فقد عانوا كثيرا من الحكم الشمولي في الجنوب ومن الفساد المدمر في الشمال ، فدولة الجنوب نتيجة قلة العقل كانت تعتبر هؤلاء المستثمرين برجوازيين ويجب ضربهم بيد من حديد وتأميم ممتلكاتهم، وفي الشمال شلة حرامية أكلت الأخضر واليابس ومن جاء بأمواله ليستثمرها يطلب من الله العوض، فلا محاكم ولا شرطة ولا وزير ولا احد يمكن أن ينقذ هذا المسكين من هذه الورطة لأننا نعيش كما قالت توكل كرمان في دولة تحكمها عصابة كلهم حرامية، وأعود لأقول (لو) أراد الله لهذا الرجل ان يعيش لتغيرت الأحوال وما وجدنا أموال اليمنيين الضخمة تستثمر في الشرق والغرب واليمن محرومة منها وهي في اشد الحاجة إليها، ولكنه الفساد الذي يضرب أركان الدولة وجعل سمعة بلدنا في الحضيض وأصبح اليمني يسير منكس الرأس لا قيمة له بين شعوب العالم فعنواننا أننا أبناء دولة فاسدة وترتيبنا في قائمة الفساد في المقدمة بين افسد دول العالم ومع الأسف نسمع هؤلاء المطبلين والمزمرين للنظام يتحدثون عن الديمقراطية والحرية والانجازات.

6.  أما العلاقات الإقليمية فهذا شأن آخر فالأمور كانت سوف تنحى منحا مختلفا وهناك قضايا حدثت وتنازلات اكتشفت من اجل مصالح شخصية فقط وليس من اجل اليمن فالاتفاقيات كانت واضحة وحقوق اليمن كانت ثابتة ولكنها الأيادي الآثمة التي وقعت وبصمت واستلمت وخانت الأمانة وسوف تكشف ثورة الشعب اليمني كثيرا من الأمور المخفية التي أضاعت حقوقنا وما كانت لتحدث لو أن اليمن يحكمه الوطنيين الأحرار، ولعل هذا الملف كان من أهم الملفات التي كانت سببا مباشرا لاغتيال الرئيس الحمدي .

أخيرا وليس أخرا فأنني لا أستطيع أن أوفي الرجل قدره ولكنها عجالة اوحتها لي حسرتي على فقدان هذه الهامة الوطنية الكبرى التي بصمت على قلوب اليمنيين وظل ذكرها يحفر في قلوبنا ويستثير مشاعرنا ضد من تلطخت أياديهم بدماء الشهيد إبراهيم الحمدي والتي أحرقت قلوبنا كما أحرقت قلوب أسرته وأقاربه وأوقفت عجلة البناء والتقدم في بلادنا زمنا طويلا وأضاعت أعمارنا ونحن نلهث في حلقة مفرغة من الفساد والانحراف، ولكننا اليوم نعيد للرجل قدره ونعترف بفضله وسوف يظل رمزا وطنيا شامخا في سماء اليمن، ونستلهم من ذكراه مسيرتنا لتحرير بلدنا من الظلم والعبودية والاستبداد وحكم الفرد والعائلة وسوف نعيد بناء اليمن من جديد وفاءً لدماء الشهداء الأحرار الذين حلموا ببناء يمن لكل اليمنيين، والله من وراء القصد.