أما الآن فدعونا ننتظر الجولة القادمة .. بين الله والفرعون
بقلم/ كاتب/مهدي الهجر
نشر منذ: 9 سنوات و 3 أشهر و 8 أيام
الثلاثاء 18 أكتوبر-تشرين الأول 2011 03:47 م

لكن لا تتكلوا فتُؤكلوا ، إنما ذلكم سبيل العديم الأعمى ، والسطحي المهذار ، والخاوي من ذي المراء .

فسبيلكم أن تثبتوا ، وان تصبروا وتصابروا ، وإن لكم في كل شيء سببا ، فأتبعوه سببا .

ثم اني :

أقسم كما لم اقسم قبل ، أنها على قرب وميعاد ، لم نتواعده ، كما لم نتفق على العدوة الدنيا ، ولم يختر هو القصوى .

إنما هي جولة من نوع آخر ، قد استوفت على ما يبدو شروطها ، واستنفذت اسبابها ، وأعطى العباد لخالقهم كل وسع وسبب في المنشط والمكره ، وفي السر والعلن ( اللهم خذ منا ما ترضى ، من الشاه والبعير ، ومن الاهل والمال ، والنفس والولد ، اللهم وابسط لنا في هذا الوطن ، ونقه من كل غول وآفة ، واجعله في قلوبنا اليك سُلما ووسيلة ، نصل به الى رضاك )

وستنال ثورة التغيير قطعا البر من عند الله ، لأنها انفقت في سبيله من شبابها وقياداتها أغلى ما تحب .

إن الله سبحانه يُمهل لكنه لا يُهمل ، بحلمه يعطي أمدا للطاغية كي يؤوب ، فإذا لم يأت هذا بهذه اتاه الله بتلك .

(وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ)

إن لنا عند الله سبحانه وتعالى وعدا أمضاه على نفسه ، وله علينا التزام ، أحسب وله سبحانه وتعالى الفضل والمنة أن شعبنا قد أمضى النسبة الكبيرة من الذي عليه ولم يعد سوى الدعاء والابتهال الى الله بأن يتقبل ، وأن يُنجزنا الذي وعد ، وأن يوفقنا لتمام طاعته .

سبحانك ما اعدلك ، انت أهل الثناء والمجد ، والنعمة والمن ، أعز ما يقول العبد وكلنا لك عبد ، لا نستعجلك يا منان ، لكنا نستنصرك ، ونتضرع على بابك ، عبد هواه استقوى على عبادك .

إنها سنة الهية تعمل ولا تتبدل قيد شعرة في مسار الظالمين ، أكانوا افرادا أم كانوا انظمة ، فبعد ان تُستوفي المقدمات والاسباب تحل في حين مقدر ، وفي صورة عاصفة كالبرق ، قاصمة ، قاطعة للدابر ، والحرث ، في صورة تحس لهولها ان القلب ينخلع إن جئت عليها على سبيل ( قل سيروا في الارض فانظروا...) ، لتكون آية لمن كان له قلب أو القى السمع فهو شهيد ، يلزمك وانت تتأمل هذه الخاتمة عند المشهد الاخير في قصة الفرعون ان تقول ...والحمد لله رب العالمين الذي صدق وعده ، وتحقق عدله ، وجبر الله القلوب من الكسرة .

(فقطع دابر القوم الذين ظلموا ، والحمد لله رب العالمين )

(هل يُهلك إلا القوم الظالمون)

(وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ)

(وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ)

مر من هنا بن علي ، ومبارك ، والقذافي فــ ( هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا ) 

( كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا )  .

أحسب بل وأجزم انه ليس هناك أهون ولا أذل حسب الموسوعة الممتدة لإنسان الارض من طاغية قد انتهى عَدَه ، واستوفى رصيده ، أحصاها الله عليه ، ولم تكن هي في ظنه ، ثم أخذه ، فهو في المهانة قبل ان يلقى حسابه من الله يوم القيامة كالجرذ القذر الذي تتأفف منه كائنات مثله قبل غيرها .

لو كان الطاغية شارون ، ومليءُ الارض مثله يساوون عند الله جناح بعوضة لأتى الله على الارض بمن عليها ، لكنه جعله وأمثاله كقدر من الله على بني آدم ، كي تكتمل المعادلة بشقيها ، وتعتمل الحياة في ظل مغالبة قائمة بين الحق والباطل ، في مسار نتفاعل فيه لنا فيه المشيئة والاختيار , نكون فيه نحن المقدمات والمدخلات ، ثم في النهاية تُطوى النتائج والمخرجات على رقابنا ، فحيث كنا كانت ، وعين الله ترى ، ويده تعمل فينا بطريقة لا نعلمها نحن ، وبمشيئة تختلف ، نحن نريد ، والله سبحانه يريد لنا أمرا أكمل واعظم ، ما كان يخطر في البال او تلحقه رؤية ، ثم تتعطل اسباب النصر البشرية عند ان يستوفى الجهد والطاقة ، فلا يكون الا (وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ (127) لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ .

لكنهم ورغم هوانهم عند الله ، وتأجيل حسابهم على ما طغوا الى يوم يلقونه ، الا أن الله سبحانه يجعل للظالم حسابا عند خاتمة دنياه كنموذج لعدله في إنصاف المظلوم ، وكبشارات ونسمات للإنسان الفاعل الايجابي الذي يدب برفق ومثالية على هذه الارض ، وكي تستقر الطمأنينة أكثر ، وتزداد القلوب ايمانا على إيمانها..... ولنا الحق ان نسالها الله سبحانه بل ونلح على نحو  (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) .

وقد لقينا هذه البشارات على الواقع فعلا، وقد كانت سببا في الطمأنينة ، وكمؤشرات الى القاعدة الاصل (أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)وبـ (إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ) .

كنا نتمنى ان يقتل الله شارون برصاصة من عماد عقل ، او من قذيفة ليحيى عياش ، أو من الجهاد أو من فتح ، المهم يذوق شارون الموت كما اذاقه غيره ، لكن الله سبحانه وتعالى أماته موتة أخرى ، يبدو انها لم تمر على أحد قبله ، لكنها قد تكون أو نحوها لمن يليه تبعا لمدى التماثل .

يقتل الله شارون الف قتلة بكل فلسطيني قتله ، ثم يبعثه الله بالحياة ليقتله مثلها بآخر قتله ، وهكذا حتى يأذن الله بسوقه الى العالم الآخر حيث الخلود والمصير المعلوم .

وهكذا فلم يقتل شارون عماد عقل ، ولا عياش ولكن الله قتله .

في ذات السياق فإن شعب تونس ليس هو من اسقط بن علي ، ولا من اختار له تلك النهاية ، كما انه ليس شعب مصر من اسقط مبارك ، والقى به على سرير المهانة يُجرجر ، تمر من عليه الذباب ، وتسحقه بأعقابها البراغيث ، وهو الذي قد كان تأله ويحسب ان النيل بمشيئته من تحته يجري ، والمصريين له سُخرة ، والعالم كله يدور من حوله ، فمن عنده الطريق ، وفي يده فم السقاء ، ولديه بمفرده السر الفرعوني .

قد قصمه الله ، واتى على دابره ، وعلى بنيانه من القواعد ، ولعله وبنيه وهاماناته اليوم لا يفطنون من التمتمة الا بــ ألا موت يباع فاشتريه .

واليوم عند اليمنين دعاء ، وهتاف ، لا يعدو عن محاكمة السفاح ، وأن تقتص منه العدالة ، وأمنية أن يظاهرهم العالم على ذلك .

ولثورة التغيير وشباب اليمن ما يريدون، وحُق لهم ذلك ، لكني اقسم أن لِله ما يريد ، وهو أمراً آخر يختلف ، نحس به من خلال السير الحثيث الحكيم للحدث ، والمفاجآت التي تفجأ ، لا تجد في اغلبها نفسٌ لبشر ..

يريد اليمنيون النّصفة من قاض الارض ، ويريد الله لهم النّصفة من قاض السماء ، فأي القاضيين أعدل ، وله الطول ؟

بل ظلوا في السير ، ثابروا وفاعلوا ، ولا تحمقوا ، ثم دعوها ، فإنها مأمورة .

قد جار صالح ، ثم جار ، وجر اليه كل حيلة ، وظهر في الف بزة ولون ، لبس العمامة والبنطال ، والفوطة والعقال ، وداول بين الكرت والثعبان ، ومكر بالليل والنهار ، وعند الله مكره ، وان كان مكره لتزول منه الجبال .

ثم قتل صالح وقتل ، قتل الشيخ والشيخة ، والام مع الجنين ، والزوجة والزوج وهما في الاحضان ، والرضيع ، والفطيم ، والغلام ، والفتى ، والرجل الذي استوى ، وقتل أولياء الله حفظة القرآن ، القائمون في الليل ، الصائمون في النهار ، والمحدث ، والفقيه ، والمهندس والشاعر ، دمّر وخرّب ، وجعل اليمن كلها أحزان ..

أترون بعد ذلك ... آ لله تاركه ؟ ويفسح له إلى فرصة أخرى ؟

هيهات ..هيهات ، تعالى الله وتقدس .

وبعد ان استنفذ الناس اسبابهم ، وضبطوا انفسهم بنواهي ربهم ، وثبتوا وصبروا وصابروا ، فإن لزموا واستمسكوا ولجوا الى ربهم بالتضرع والمناجاة ، فقطعا سيجرون سنة الله اليهم جرا ، وإن غدا لناظره ..

سيقتل اللهُ صالح الف قتلة بكل من قتل ، ومن ظلم معه من آل صالح ، ومن مد ّ ، وساعد ، وخطط ، ونفذ .

وسيقتل الله صالح وبنيه بكل حافظ للقرآن قتلوه ، ما قتل الحجاج بن يوسف الثقفي في سعيد بن جبير .

ولعل بعض هذه الآيات تتبدى الآن، فمنها ان يموتوا وهم احياء ، قبورهم اجسادهم ، زنزانة متجولة ، سنحسن رؤيتها جملة وقصتها بعد ان تكتمل ، لكن العارفون قد استوت في أذهانهم ..

ومنها انقلاب السحر على الساحر ، والحيلة على صاحبها ، (ولا يحيق المكر السيء الا باهله )

(وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (48) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (49) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (50) فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (53)