بين قصيدتين 2-3
بقلم/ د.عبدالمنعم الشيباني
نشر منذ: 10 سنوات و 11 شهراً و 28 يوماً
الثلاثاء 19 أغسطس-آب 2008 06:21 م

مأرب برس – خاص

أول مرة سمعتُ بها اسم غازي القصيبي عام 1986، سمعتُ باسمه من خباز شيباني قضى حوالي اثنتي عشر عاماً في المملكة العربية السعودية بالرياض، سنوات المجد الذهبي لليمنيين في المملكة (1970- 1986). قال لي علي عبده محمد مجاهد إن أدهى رجل متعلم في المملكة العربية السعودية هو غازي القصيبي-(67 عاماً، دكتوراه من جامعة لندن في العلاقات الدولية).

وتمضي الأيام وأقرأ عن سيرة الرجل في بعض أعداد مجلة (العربي) الكويتية، يصفه أحد الكتاب أنه ليس شاعراً ولا أديباً مبدعاً لولا أنه من أهل المنصب والثراء. وكان أغلب النقاد وإلى يومنا هذا من التيار اليساري وكانوا يسخرون من (أهل اليمين) وينعتون الصحف والمجلات الممولة من دول البترول العربي بصحف ومجلات (البترودولار). ويضيفون أنه لا أدب لهؤلاء ولا رواية ولا شعر سوى ما يخلعه عليهم المنتفعون من المرتزقة يجاملونهم لبترولهم ودولاراتهم .ودار الزمان وصار اليساريون من أكثر الناس زحاماً على أبواب القصور وبراميل الثقافة ودولارات الإمبريالية ونستثني الشرفاء منهم وممن لايبيعون ولا يشتريهم أحد.

ولكن يقولون أن غازي القصيبي نفسه علمانيٌ ويصفونه في مناسبات مختلفة بهذا الوصف. نحن نبرأ من هذه المسميات كلها لأنها من صنع إعلام بني صهيون وإذاعتهم لندن ليشقوا بهذا صفنا ووحدتنا الفكرية. ويبدو أن جهةً ما خفيةً وربما لها علاقة با لأنظمة التي تضيق ذرعاً بأرباب الفكر ورجال المقاومة والرافضين لمشاريع يهود، يبدو أن هذه الجهة هي التي تقف وراء إطلاق صفات العلمنة والزندقة على مفكريي الأمة وأدبائها، كما فعلوا مع المرحوم نزار توفيق القباني (من عائلة شامية تركية مسلمة وعريقة بإسلامها)، رفضوا الصلاة عليه في مسجد (ريجنت) بلندن قائلين: (لا تصلوا على هذا الكلب) كما روت ابنته هدباء نزار قباني. وأنا على يقين أن أي مسلمٍ عادي ٍ في قلبه الرحمة على موتى المسلمين لن يقول هذا الكلام ولكن يقوله زبائن المخابرات للعدو وللأنظمة التابعة للعدو لتشويه رموز أمتنا الذين قالوا كلمتهم في وجه الإحتلال والإستبداد والقهر ومنهم نزار قباني رحمه الله ولا رحم الله المفسدين من بعده.

ثم يبدو أن القُصيبي رجلٌ إداريٌ ناجحٌ بدليل تقلده وحتى هذه اللحظة العديد من المناصب الوزارية والحكومية والدبلوماسية .وأما ما يتعلق بشعره فظلت المسألةُ عاديةً يقرأ الناس قصائده كما يقرأون لغيره من شعراء البترول والدولار، ومن وجهة نظري فهو شاعرٌ مُجيدٌ و يحاول أن يتشبه بالمتنبي ومحمود درويش ونزار والأدلة على هذا كثيرةٌ ولا يتسع المقام لسرد كل ذلك فلهذا مقامٌ آخر منفصل ومستقل عن موضوعنا في هذه المقالة. ولكن تعالوا نرى ونقرأ ما ذا فعل العلماني غازي القُصيبي؟ أبى أن يصغي إلى فتوى (بوش) التي تقول (لا تقولوا عنهم شهداء بل إنتحاريون) وكانت فتوى آيات محمد الأخرس الحسناء الحورية (16عاماً في الثاني الثانوي ، من مخيم الدهيشة، استشهدت في اليوم المقرر لعُرسها)، أقوى من كل الفتاوى ضجت لها السماء، وبئس فتوى فقهاء السلطان وفقهاء بوش. وقال العلماني غازي القصيبي قصيدةً ضجت لها الدنيا وكانت الرد القاطع على فتاوى الأمريكان من أذناب يهود، والسلاطين ومن والاهم ممن خان الأقصى أو باع فلسطين، وكانت قصيدته شفاءً لصدور المؤمنين وطريقاً جديداً سنه القصيبي للشعراء، ولم يبال أن خسر منصبه كسفير لدى بريطانيا راعية اليهود الأولى وأم الدسائس، كما عبر البيحاني رضي الله عنه ورحمه من قصيدةٍ ملحميةٍ له مطلعها

قلبي يكاد اليوم َ أن يتفطرا مما أصاب المسلمين وما جرى

إلى أن يقول رحمه الله :

وإذا التفتَ وجدتَ ألف دسيسةٍ ووراء كلِ دسيسةٍ إنجلترا

 وإليكم قصيدة الشهداء للدكتور غازي القصيبي:

يشهدُ اللهُ أنكم شهداءُ

********************يشهدُ الأنبياءُ.. والأولياءُ

مُتّمُ كي تعزّ كِلْمة ربّي

*********************في ربوع أعزها الإسراءُ

إنتحرتمْ؟! نحن الذين إنتحرنا

**********************بحياةٍ.. أمواتها الأحياءُ

أيها القومُ! نحنُ مُتنا... فهيّا

**********************نستمعْ ما يقول فينا الرِثاءُ

قد عجزنا.. حتي شكا العجزُ منّا

********************وبكينا.. حتي إزدرانا البكاءُ

وركعنا.. حتي إشمأز ركوعٌ

******************ورجونا.. حتي إستغاثَ الرجاءُ

وشكونا إلي طواغيتِ بيتٍ

*********************أبيضٍ.. ملءُ قلبهِ الظلماءُ

ولثمنا حذاء شارون .. حتي

****************صاح مهلاً! قطعتموني! الحِذاءُ

أيّها القوم! نحن مُتنا.. ولكنْ

********************* أنِفت أن تَضمّنا الغَبْراءُ

قل لآيات : يا عروسَ العوالي!

********************كلّ حسنٍ لمقلتيكِ الفِداءُ

حين يُخصي الفحول... صفوةُ قومي

*******************تتصدي للمجرمِ الحسناءُ

تلثمُ الموْت وهي تضحكُ بِشْراً

***************ومن الموتِ يهربُ الزُعماءُ

فتحت بابها الجنانُ.. وحيّتْ

***********************وتلقتكِ فاطمُ الزهراءُ

قُلْ لمن دبّجوا الفتاوي: رويداً!

****************رُبّ فتوي تضجّ منها السماءُ

حين يدعو الجهادُ.. يصمتُ حِبرٌ

**************** ويراعٌ.. والكتبُ.. والفقهاءُ

والقصيدةُ القُصيبية (الشهداء) في حقيقتها قصيدةٌ عاديةٌ وتخلو من الصور والأخيلة إلا قليلاً لكنها معبرةٌ وكان كل شاعر يقول في نفسه (هي أسهل ما يمكن قوله من الشعر ولم أفعل) ثم أخذ كل شاعرٍ بعد ذلك يريد محاكاة القصيدة أو مجاراتها أو معارضتها أو تقليدها أو منا فستها ومنهم الفقير إلى الله (خباز بني شيبة). ومهما قلنا أو قال غيرنا من الشعراء والنقاد عن قصيدة القُصيبي وأنها تخلو من كثيرٍ من الصور الشاعرية إلا أن السبق والمجد والفضل للقُصيبي، تحمل المسؤلية الأدبية والشعرية والتاريخية وحده، ونصر الأقصى وحده يوم سكت الناس أو جبُنوا أن يردوا على(سُبلة) يهود بوش.

ثم قبل أن أختم يضع الخباز الشيباني بين أيديكم قصيدته في محاكاة رائعة القُصيبي، بعنوان (تنا ص في مرثية حب أعزل) ولم أقصد منا فسة القُصيبي في رائعته (الشهداء) المهداة إلى الشهيدة آيات الأخرس، فاللحظة القدرية لقصيدته كانت بجمال وروعة الشهيدة وخالدة بخلود الشهيدة آيات. وقصيدتنا هي

ِيَقصرُ الدمعُ أو يطول البكاءُ كلنا في البكاء عيني سواءُ

أجـزعنا في نارنا أم صبرنا يستوي في عذابنا الأشقياءُ

أعظم النار أن يكمم جرحٌ  أو ينادي فيستحيل النداء ُ

أعظم النار أن تضام قلوبٌ وأشد العذاب هذا البلاء ُ

نارنا حيرةٌ أفيضوا علينا كيف نشقى وفي الشفاه الشفاء ُ

أغنياءٌ وفي حمانا جحيمٌ وهشيمٌٌ والنارٌ والصحراء ُ

وثراءٌ وفي الأكف رمادٌ و غناءٌ وفي الفؤاد عناء ُ

كم لبثنا وما لنا من نصيبٍ نحرث البحر والأماني غثاءُ

وسألنا طوق النجاةٍ ولكن ليس مما قضى حبيبي نجاء ُ

ليلنا يالظى الوعود هباءٌ وهوانا لدى الوعود هواء ُ

ليلنا في الغرام دمعةُ قدسٍ غاب عنها النبي والإسراءُ

ونهار المحب (غزةُ) دمعٌ ودموعٌ وسيلها الشهداء ُ

ما نسوق الدموع إلا مثالاً حين أبكت أضدادها الأشياء ُ

إن يك الحب في عيونكِ شركاً فهدانا لدى العيون رياء ُ

وعذابٌ بسوط ناركِ أنكى حين يشقى على يديكِ الشقاء ُ

أحجابٌ؟ومن وراء حجابٍ جالدتنا بسيفها البيضاء ُ

ليس جرماً أن تقتلينا جميعاً أو تباد الحمراء والخضراءُ

وعدكِ الحق من يريد جدالاً؟ وهواكِ الوفاء كيف المراء؟ُ

فانبذينا وإن نهتك عهودٌ وانقضينا وإن نهاك الوفاء ُ

أنتِ كالبحر والوفاء مدادٌ كل عهدٍ لنقضه إمضاء ُ

أنتِ لولا صدى المحبين جذعٌ أجوفٌ أو حقيقةٌ جوفاء ُ

هبةٌ أم ضلالةٌ أم فتوناً فتن الخلق خوفها والرجاء ؟ُ

فاعذرينا لعشقِ آخر حرفٍ (سقطت من غرامهِ الأسماءُ )

(ابكِ مثل النساء ملكاً مضاعا ً ربما حافظت عليه النساءُ(

• شاعرٌ يمني وباحثٌ في الأدب الإنجليزي.

abdulmonim2004@yahoo.com