وداعاً يا مصر، لعشرات السنين..
بقلم/ د.مروان الغفوري
نشر منذ: 5 سنوات و 4 أيام
الأربعاء 14 أغسطس-آب 2013 07:00 م

اقتحام الجيش والشرطة للاعتصام بهذا الشكل يسدل، بصورة لا تحمل الشك، الستار ليس فقط على ثورة يناير بل على مستقبل الديموقراطية والسلام الاجتماعي في مصر. عندما يقال:الديموقراطية فذلك يعني الحكم الرشيد، وما يخلقه من إمكانات للنهوض الاقتصادي والتطور الاجتماعي، أي فرصة أن تلتحق مصر الفقيرة، البطيئة، المتخلفة بقافلة الأغنياء السريعة جداً.

من المعروف أن الإخوان المسلمين يمتلكون تنظيماً ليس فقط حديدياً، بل ضخماً يتواجد على كل كيلو متر مربع في مصر,

الديموقراطية تعني، بصرف النظر عن حرق الخيام في رابعة العدوية، تعني أمكانية عودة الإخوان للحكم في أول عملية انتخابية بسبب تواجدهم الكثيف في كل مصر، وقدرتهم الفائقة على حسم العمليات الانتخابية..

مهاجمة الإخوان بهذا الشكل يعني أن قرارا أعلى قد اتخذ بمنعهم من العودة للحياة السياسية، مع ترتيبات لتزييف أي عملية انتخابية، أو تحويلها إلى كرنفال لا تنتج قوى وطنية مؤثرة، ولا تعبر عن خريطة سياسية يمكن أن تنال من شبكة النظام الجديد: خليط من أوتوقراطي - كاليبتوكراسي- أوليغارشي..

عودة الإخوان إلى المجال السياسي مستحيلة، هكذا قرر العسكر. هذا ما يقوله اقتحام المخيمات. عودتهم ستعني محاكمة قادة الجيش والداخلية، أي زعزعة كل هذه الترتيبات الكليبتوكراسية "حكومة اللصوص"..

باختصار:

لقد اتخذ قرار بتحويل الديمرقراطية في مصر إلى واحدة من الحفلات التقليدية الصديقة للنظام. القوى السياسية الصديقة للجيش ستغض الطرف عن هذه الترتيبات، فقد فعلت الأمر نفسه مع نظام مبارك. البرادعي، الذي انسحب من انتخابات الرئاسة لأنها تحت سيطرة الجيش كما قال حينها، عاد ليعنل غفيراً بدرجة نائب رئيس، هذه المرة ليس تحت سيطرة الجيش وحسب، بل مخبري الداخلية.

لكن من غير الممكن عملياً تزييف الديموقراطية لوقت طويل في عالم تجري من فوقه ومن تحته الأنهار.

فثورة يناير وقعت بعد أكبر هزيمة انتخابية مني بها الإخوان في تاريخهم، عندما حصل الحزب الوطني على 95% من أصوات الناخبين مقابل حوالي صفر للإخوان. في تلك اللحظة تأكد الجميع أن نظاماً ينتصر بهذا الشكل على القوة الوطنية الأكثر كثافة هو مجرد بلدوزر متوحش سيلتهم كل القوى الأصغر في حركة تروسه وعجلاته، وسوف لن يتمكن أحد من إزعاج كل ترتيباته. بتعبير أفلاطوني قديم: يبتدئ الطغيان عندما تتوقف القوانين عن الحركة، أي عن الهيمنة.

قادت الهزيمة الأكبر للإخوان إلى خروج النظام، نظام مبارك، عن القضبان.

عندما جاء طنطاوي فشل في فهم المعادلات المعاصرة، فطرد من المشهد في لقطة مهينة. وصل مرسي إلى السلطة عبر انتخابات، لكنه لم يتنبه إلى انهيار شعبيته، فاستغل الجيش ذلك وأخرجه من السلطة في مشهد مهين. جاء السيسي ونظام أمن الدولة مرة أخرى، وهؤلاء لن يفهموا أبداً..

الديموقراطية في مصر وضعت الآن على الرف، في مكتب أمني مهجور..

لكن العام 2013، حيث الحداثة الفائقة، يقول إن أحداً لا يمكنه أن يضع الديموقراطية على الرف بعد الآن لأكثر من 11 دقيقة!

المعادلة الصعبة:

ديموقراطية حقيقية تعيد الإخوان إلى الواجهة مرة أخرى، ليحاكموا قادة الجيش ويفككوا الأجهزة الأمنية..

أو ديموقراطية مزيفة تمنع الإخوان من العودة، وتطيل أمد الجيش في السلطة، لكنها ستخلق القلاقل بلا نهاية، وفي مقدمتها قلاقل الجيل الجديد اللامنتمي، اللامصنف، جيل الفرادة وما بعد الفيس بوك، القادر على الإبصار بسبب خياله اللامحدود وشهيته المفتوحة للدخول في العالم الحديد.

وهذا سيقلب الطاولة من جديد في وجه العسكر. لقد فعل الأمر نفسه ثلاث مرات في ثلاثة أعوام.

الجيش يفكر بديموقراطية بلا إخوان، للحفاظ على قياداته. أي ديموقراطية بلا ديموقراطية..

السيسي، الذي لم يخض حرباً ولا سلاماً وقدم للتو من خارج حقلي الثقافة والسياسة، سيقود بلده إلى تصدع أفقي ورأسي عميق، وطويل المدى. ذلك عندما يقف الناس من جديد في طوابير العيش، ويحزم المستثمرون أمتعتهم ويرحلوا. ففي الأسبوع الماضي أعلنت مجموعة استثمارية سورية عن تجميد خططها لمشروع كلفته 4 مليار دولار كان من المفترض أن يوظف عشرة آلاف عامل. في بلد اللاإستقرار السياسي يكثر الخوف واللصوص ويزيف القانون. أي يهرب السياح والمستثمرون، وتقل صادرات البلد. أي تنهار العملة باضطراب الميزان التجاري، مع انهيار الصناعة الوطنية وتفشي ظواهر الفساد والرداءة، ويرتفع التضخم بصورة "زميبابوية".

باختصار:

مصر مأزومة، ولن تنجو من هذه الكارثة قبل مضي وقت طويل.