قراءة لتفكير المعارضة وموقع الثورة
بقلم/ د . عبد الوهاب الروحاني
نشر منذ: 7 سنوات و 10 أشهر و 17 يوماً
الإثنين 28 نوفمبر-تشرين الثاني 2011 03:56 م

عندما خرج شبابنا الى الساحات العامة في صنعاء وتعز وعدن وبعض المحافظات اليمنية في مطلع فبراير 2011م، وجابوا الشوارع حاملين شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، لم يخرجوا عبثاً، أو محاكاة فقط لما أحدثه شباب الثورة في تونس ومصر، وإنما خرجوا رفضاً للأوضاع الكارثية الفاسدة التي وصلت اليها البلاد .

وحينما خرجوا وتحدوا هراوات وعربات المؤسسات الأمنية والعسكرية، وغلظة وجلافة النافذين فيها، لم يكونوا موجهين من قبل أحزاب وتنظيمات سياسية، وإنما خرجوا مستقلين بإرادات ذاتية، وبدافع الرغبة في التغيير، لأن هؤلاء في معظمهم خريجون مؤهلون، يحملون شهادات جامعية، وعليا ، ولكنهم "جوعا "، عاطلون عن العمل، أوصدت مؤسسات الدولة ودوائرها الأبواب في وجوههم، بينما الوظيفة العامة خضعت وتخضع للسمسرة والبيع والشراء، وقيادات مؤسسات الدولة أصبحت تمنح هبات لمقربين ومحاسيب، وأبناء نافذين ومسئولين، وأحياناً تقدم هدايا بمناسبة أعياد الميلاد، وبينما المؤهلون من أبناء الشعب، يتسكعون مكرهين في الشوارع، يبحثون عن وسيلة كسب شريفة، يسدون بها رمق جوعهم ومن يعولون.

وهؤلاء الشباب صنعوا لأنفسهم ساحات وميادين، وشعارات تتفق مع ثقافتهم، ومع منطقهم في الثورة والتغيير، وبناء الدولة المدنية الحديثة، التي يتساوى فيها الناس، كل الناس، في الحقوق والواجبات، وهو المنطق الذي لا يتفق بالضرورة مع ثقافة ومنطق القيادات (التقليدية) لأحزاب المعارضة، ذلك لأن ثقافة أغلب هذه القيادات التي عرفت بالثبات والديمومة في مواقعها لعقود طويلة، نسجت خيوط بقائها في السلطة أو المعارضة، ليس من واقع الحكمة والمهنية، أو التجديد وتراكم الخبرة والمعرفة، بل من الواقع الذي يجيز ويكرس عبادة الأصنام - إن جاز التعبير- ، وهو الواقع الذي يرفضه ويحرمه جيل التغيير، أي الواقع الذي خرج عليه الشباب وثاروا ضده .

وإذن، فثقافة هذه القوى التي نحترمها، ونختلف معها، في نفس الوقت، تجيز القبول بالتأبيد والتوريث في المواقع الإجتماعية والسياسية و(الحزبية)، وهذه حقيقة، لا يقوى أحد على إنكارها، خاصة وأن هذه القوى هي جزء منها، وهي تقول بالعمل بها، وتكرسها في واقع الحياة العملية، ولعل بقاءها في مواقعها - أياً كانت- يمثل ترجمة عملية لهذه الحقيقة المرة، التي لابد وأن جيل الثورة والتغيير يعتبرها، جريمة في حق الدولة والمجتمع، لأنها لا تتفق مع سنة الله في الكون أولا، و لا تتفق مع القيم والأخلاق الإنسانية ثانيا، ولا مع منطق العصر، ومتطلبات التغيير ثالثا.

 ولهذا فقد خرج الثوار الشباب حاملين شعار" لا للتأبيد .. لا للتمديد.. لا للتوريث"، لكنهم (ربما) فوجئوا، ومن حيث لايدرون، أن بعض هذه القوى السياسية (دينية، وإجتماعية، وحزبية)، لم تتورع في محاولة الإلتفاف على هذا الشعار، فقد عمدت الى تجسيد مفهوم"التأبيد والتوريث" حتى في تشكيل معظم قيادة التجمعات الشبابية في ساحات الحرية والتغيير، وتهميش التكتلات واللجان الشبابية المستقلة، فضلاً عن محاولة التفرد بالقرار، والإستحواذ على مواقع التشكيلات والمسميات القيادية والميدانية المعبرة عن ثورة التغيير، والتي كان آخرها تشكيل المجلس الوطني، الذي غابت عنه أبرز الرموز في قيادة ثورة التغييرالمتواجدة في الساحات، والحراك الجنوبي، والمستقيلين- المستقلين - والحركة الحوثية، واستبدلت بأسماء محسوبة، تربطها صلة قرابة أو نسب برموز في قيادة المشترك، وربما بعضها ليس له أية صلة بالثورة وساحاتها، الأمر الذي كرس منطق " ديمة خلفنا بابها ".

 

نحن لا نقول هذا الكلام لغرض التهويل والبلبلة، ولا لهدف شق الصف، كما سيقول المتنطعون، وأصحاب التصنيفات والتوصيفات الجاهزة، وإنما نحن نتحدث بلسان حال الشباب في الساحات، الذين يصرخون بأعلى أصواتهم رفضاً لـ" الوصاية" على الشباب، وعلى ثورتهم، لأن منطق هؤلاء الشباب - كما قلنا- يختلف عن منطق القيادات السياسية (التاريخية) هذه، في كل شيء... فهؤلاء لا يزالون بعيدين عن روح العصر، ولا يزالون يؤمنون بمفاهيم جاهلية تدين حتى بــ" الألقاب والأحساب والأنساب" (مثلا)، ويقولون بتوارث المجد والتاريخ فيها، وهم باسم الثورة والثوار- للأسف- يتعاملون بها ويجسدونها في واقع ممارساتهم العملية، بينما ثقافتنا المعاصرة، وثقافة ومنطق جيل الثورة والتغيير، يثور ضد هذه المفاهيم العتيقة والبالية، وينظر الى هذه المسميات بكونها موروثات بائسة، تكرس حالات الجهالة والتخلف، وتعمق مفاهيم السيطرة والإستحواذ، وتكتفي بنظام العصبية العشائرية والقبلية، الذي يقوم على التبعية والرعوية، والفوضى، بدلا عن نظام الدولة المدنية الحديثة المعاصرة، التي تتساوى فيها المواطنة، ويسود فيها النظام والقانون.

هذه الحقائق، بينة وواضحة كالشمس، وليست بحاجة الى منجمين أوعرافين يجيدون قراءة الكف لإستكشافها، إذ يمكن للانسان العادي أن يقف عليها، ويراها بأم عينيه.

وباستعراض سريع وعاجل لواقع التركيبة الإجتماعية والسياسية اليمنية، بما فيها الحزبية القائمة، سنجد أن قيادات حزبية في السلطة والمعارضة جثمت على صدور أحزابها، ومددت وتأبدت بل وتكلست في مواقعها، واحتكرتها ولاتزال، ولم تتح أي فرصة لتداول القيادة بداخل أحزابها بأي شكل من الأشكال، فقاسم سلاَّم (مثلا) وعبدالوهاب محمود على رأس قيادة البعث منذ الأزل - على الأقل بالنسبة لي- وعبده الجندي، وعبد الملك المخلافي قيادات ناصرية أزلية هي الأخرى، وعبدالوهاب الآنسي واليدومي، والشيخ الزنداني قيادات إخوانية تاريخية، وأبناء الشيخ عبدالله - رحمه الله- قيادات قبلية وحزبية (إصلاحية) بالوراثة.

إن أحزاب المشترك، ومن ورائها "الإصلاح" أقواها، وأكبرها عتاداً وعدة، حينما اجتهدت، ودست أنفها في الساحات، أفسدت - بعلم أو بدون علم - بريقها الثوري، وتسببت في تراجع الثورة خطوات الى الوراء، وتسببت في تقلب وتغير المواقف الإقليمية والدولية، تجاه الثورة وحركة التغيير اليمنية، ودفعت بقوى وشخصيات سياسية مؤتمرية وشبابية مستقلة، وجنوبية، وحراكية، وحوثية، وقبلية، كانت جميعها، في صميم المعركة ضد النظام، دفعتها إلى مراجعة مواقفها، بل وغير البعض منها مساره، ذلك لأن هذا التدخل، صاحبته ممارسات خاطئة، كالتعامل مع الثائرين، خارج نطاق "الإصلاح" بمفهوم "من ليس في حزبنا فهو ضدنا"، وحامت حولهم الشكوك، وصنفوا على أنهم " أمن قومي، وسياسي، وحوثيين، ومدسوسين، ومخبرين، وإنفصاليين، وعلمانيين ...." الخ، وهو نفس المنطق الذي يسود وبقوة داخل قيادة المشترك، واللجنة التحضيرية أيضا، التي تضم عناصر مستقيلة ومستقلة، يسمونهم عبثاً بـ"الشركاء"، لكنهم في حقيقة الأمر مرفوضين، وغير مقبولين، ولا علاقة لهم بالشراكة، ولا بقرارات "المشترك"، المسيطر عليه هو الآخر، كما هو حال الساحات.

فقد كان هؤلاء، ومنذ اللحظة الأولى، ينظرون (مثلا) الى المستقيلين من قيادة المؤتمر الشعبي العام، وزراء، وسفراء، وأعضاء مجلسي نواب وشورى وقيادات إدارية، ليس بكونهم جزءاً من الثورة وحركة التغيير، وإنما بكونهم "أدوات"هاربين من عدالة (!!!)، أو باحثين عن مواقع في ظل التغيير - باستثناء الشخصيات المحسوبة على حركة الأخوان المسلمين (ولن أسمي هنا أحدا تجنبا لسوء الفهم)، متناسين بأن هؤلاء هم أكثر ثورية من غيرهم، لأنهم تخلوا عن مصالحهم- إذا كانت لهم مصالح- وتخلوا عن مواقعهم القيادية في الحزب الحاكم، ورفضوا العنف ضد المتظاهرين، وحددوا مواقف علنية مبكرة وجريئة، من مواقعهم في الحكومة وفي مجلسي النواب والشورى، وهي مواقف لم تتجرأ حتى القيادات المعارضة في أحزاب المشترك، أن تتخذها من نفس المواقع أو المنابر، كما في مجلسي النواب والشورى.

وهنا أريد أن أتساءل، للمرة العشرين، بعد أن تساءلت في وقت سابق مع قيادات "مشتركية"، لماذا لم يقدم أعضاء الإصلاح، وأعضاء المشترك في مجلسي النواب والشورى إستقالاتهم، إحتجاجا على عدم جدوى هذين المجلسين، وعدم قدرتهما على المشاركة في حل مشاكل البلاد، وتجاوز أزماتها؟؟ الم يقولوا بأن هاتين المؤسستين وأعضائهما مجرد شهود زورعلى ما يجري من تجاوزات خطيرة ومهينة في البلاد (!!!)، فلماذا إذن، لا يتبرأون من شهادات الزور هذه التي مارسوها ولايزالوا يمارسونها، رغم الخراب والدمار الذي يحل بالبلاد الآن؟؟!!. إنها مفارقات غريبة وعجيبة حقاً.

ثم تعالوا نطل على ما يجري في الساحات، حيث الشباب الذي يفيض رغبة في التغيير، والبحث عن العدالة الإجتماعية والمساواة، وبناء دولة النظام والقانون، هؤلاء الشباب يقدمون أرواحهم ثمنا لهذا التغيير الذي ينشدونه، وقد سفكت دماء زكية منهم ومن الرجال والنساء والأطفال، من كل محافظات الجمهورية... لكن السؤال الذي يتبادر الى الذهن هو:

أين أبناء قيادات الإصلاح وأبناء قيادات أحزاب اللقاء المشترك، وأنا هنا لا أعني المنتمين الى هذه الأحزاب والتنظيمات، وإنما أعني الأبناء (الأنجال)، الذين يهيؤهم الآباء لخلافتهم في المناصب الحزبية والإجتماعية، والسياسية، التي يتوثبون لتقاسمها، لماذا لا ينزلونهم الى الساحات، ليشاركوا أترابهم من الشباب رفع الشعارات، ومظاهر الزحف والإحتجاج؟؟ أم إنهم مستهدفون - كما يقولون- ؟؟ أليس كل أبناء الساحات مستهدفين؟؟ ألم تُضرب الساحات، في صنعاء وتعز، وعدن، بالرشاشات والمدافع، ومختلف الأسلحة، ألم يقتل المتظاهرون في الشوارع والأحياء قنصا ومواجهة؟؟ إنهم جميعا مستهدفون، أم أن دماء أبناء قيادات الإصلاح والمشترك دماء "آريه"؟! ودماء أبناء الشعب من العامة دماء عادية ليست ذات قيمة؟؟؟.. مجرد أسئلة نطرحها هنا لتبرئة الذمة، وإرضاء لله، وراحة للضمير.

 لم يكن يدر بخلد شباب الثورة في اليمن، أن ثقافة "الفيد" والنهب والسرق، التي كرسها النظام خلال العقود الماضية، أصبحت سائدة ومسيطرة على كل شيء في حياة اليمنيين السياسية والإقتصادية والإجتماعية، ولم يكن يدرون أن هذه الثقافة يمكن أن تطال حتى الشعارات ودماء الأبرياء، كما طالت خزينة الدولة ومؤسساتها، وأراضيها، وبيوت المواطنين وممتلكاتهم في عدن وصنعاء وتعز، والمكلا والحديدة ولحج، ولم يكن يدركون أيضاً بأن "المتفيدين" لا يفرقون بين جبل "يحوطون" عليه بخرسانات إسمنتية، وأرضية يحتلونها بمسلحين، أو بنك بنهبونه وبين مصادرة شعارات تنادي بإسقاط الفوضى، ورفض العبث.. إنها شريعة الغاب والفوضى التي أفسدت وتفسد على الثوار ثورتهم .

ولعل من غرائب ما يجري، أن بعض القيادات التاريخية في المشترك، وقيادات أخرى لاعلاقة لها بالساحات، وذوي إرتباطات خارجية معروفة ومشبوهة، متمسكة بالسيطرة على تمثيل الثورة داخليا وخارجياً، وهي التي تتحرك عربيا ودولياً لشرح قضايا ثورة الشباب المطالبين بالتغيير، نيابة عن الشباب، وهم - بطبيعة الحال- لم يتمكنوا من أن يوصلوا الرسالة لأحد، لأنهم ببساطة شديدة، غير مؤهلين للعب دور غيرهم، فمنطقهم يختلف تماما عن منطق الشباب، ولغتهم تختلف عن لغة الشباب، وحماسهم يختلف عن حماس الشباب، وحتى عصرهم وزمانهم يختلف عن عصر وزمن الشباب. فلماذا يصرون على إختطاف كل شيء، والسيطرة على كل شيء.

 

 أنا هنا، لا أقلل من كفاءة الدكتور ياسين سعيد نعمان، فهو شخصية معروفة بقوة حضورها وفعاليتها السياسية، ولا أقلل من خبرة الأستاذ باسندوة، وحذق وروية الأستاذ عبدالوهاب الآنسي، وكفاءتهم القيادية جميعا، لكنهم - وعليهم أن يعترفوا بهذا- أنهم غيرمقبولين، للعب دور الشباب، وتمثيلهم والتعبير عن تطلعاتهم، بينما الشباب السياسي والمثقف والأكاديمي، الذي يجيد لغات العالم قابع في الساحات، يصوغ شعارات، ويواجه العنف ويتلقف رصاصات القناصة من كل الإتجاهات، طبعا بإستثناء توكل كرمان التي تستقبل بترحاب في المؤسسات الغربية، وتجد قبولا لما تطرحه، وهي في الحقيقة، لم تأت برغبة ورضاء "الإصلاح" والمشترك، وإنما هي أتت من الساحات، وهي تتحدث بإسم الشباب ولغتهم، ساعدها في ذلك نيلها جائزة نوبل للسلام.

 وبالمناسبة، هذه الحيثية المهمة، في علاقة المشترك بالشاب وبثورتهم، كانت محل سؤال ساخر للأكاديمي والسياسي الروسي المعروف الخبير بالشئون اليمنية، فيتالي ناومكين، وجههة لرئيس وفد المجلس الوطني المعارض الزائر لموسكو في اكتوبرالماضي 2011م الاستاذ با سندوة، قائلاً:

- تتحدثون عن ثورة الشباب ومطالبتهم بالتغيير، فأين الشباب بينكم ؟؟

وكان موقف با سندوة وأعضاء الوفد حرجا للغاية، فهم على أي حال ليسوا على إستعداد لأن يستفيدوا من تجارب الآخرين، ولن يستفيدوا، طالما ظلوا يتعاملوا مع الثورة ومطالب التغيير من منظور واحد، وتفكير واحد هو: " كيف ومتى ستنتقل اليهم السلطة "؟؟!!.

إن فهم وتفسيرهذا المنهج، ليس أقل من أن يوصف بأنه محاولة لسرقة وإختطاف لتضحيات وبطولات الشباب، ومحاولة لإقصاء الآخرين، ورغبة في الإستحواذ والسيطرة ليس فقط على أحداث الساحات، وإعلام الثورة - كما فعلوا- وإنما على كل شيء له علاقة بالثورة والمطالبة بالتغيير، وكأن الثورة، والمطالبة بالتغيير، هي ماركة مسجلة باسم حزب "الإصلاح" وأحزاب "اللقاء المشترك"، والنتيجة تصفيات حسابات شخصية، وإنتقام شخصي، وتطلع لتركة سيتم توزيعها، بعيدا عن المفاهيم القيمية الخلاقة التي خرج وضحى من أجلها أبناء الساحات.

 وهو الأمر الذي فُهِمَ على نطاق واسع، داخل الساحات وخارجها، إن "إخواننا" لايريدون شراكة مع أحد، حتى مع شركائهم في اللقاء المشترك، الذين سيدركوا عما قريب، أنهم غير مرغوب فيهم، ولولا أنهم قد ارتبطوا معهم بشراكة من وقت مبكر لكانوا قد تبرأوا منهم اليوم قبل غد، فهم يريدون أن يكونوا هم المبتدأ والخبر، ويريدوا أن يتصدروا كل شيء، وأن يكونوا شركاء مع أنفسهم فقط.

وانا لله وإنا اليه راجعون...