إنقاذُ اليمن ... مسئوليةُ من..؟
بقلم/ مطيع الغيثي
نشر منذ: 9 سنوات و شهر و 13 يوماً
الثلاثاء 12 إبريل-نيسان 2011 04:10 م

« أسباب الأزمة، ومعالم الخروج منها»

أولاً: أسباب الأزمة

حتماً علينا أهل اليمن- ونحن نعيش أزمة خانقة في هذه الفترة الحرجة - أن نقف على أخطر الأسباب التي آلت بنا إلى هذه الحالة المفزعة، وأوصلتنا إلى حافة الهاوية إن لم نتدارك أنفسنا بأسرع وقت سقطنا جميعاً في قعرها.

فليس من الحكمة أن ننظر إلى العرض ونتجاهل أصل المرض ؛ لأن معرفة الداء هو بداية الدواء، وما يدور في اليمن هو حصيلة أسباب متراكمة تحتاج إلى دراسة مستقلة سأذكر أخطرها-حسب ظني- على سبيل الإجمال مع بيان السبب الذي أدى إلى تفاقم الأزمة، وما هو الواجب على الجميع فعله لإنقاذ اليمن. فأخطر الأسباب هي: 

السبب الأول: ترك أو ضعف الالتزام بشرع الله – سبحانه وتعالى- في السياسات العامة والتصرفات الخاصة، وعدم اللجوء والرجوع إلى تحكيم الشرع عند التنازع والاختلاف، وهذا يعتبر السبب الأصل .

السبب الثاني:الإخفاقات السياسية في إدارة الأزمات والصراعات، مع اتساع دائرة الظلم مما أدى إلى زيادة الإحتقانات السياسية والإجتماعية في الساحة اليمنية.

 السبب الثالث:الإخفاقات الاقتصادية وعلى وجه الخصوص الفساد المالي والإداري،وسوء التصرف بالمال العام الذي نتج عنه اتساع دائرة البطالة، وارتفاع نسبة الفقر، وكان لتدهور الاقتصاد العالمي أثر في زيادة الأزمة المالية.

السبب الرابع: قيام الثورات الشبابية السلمية في بعض الدول العربية دوافعها الأولى اقتصادية تليها في الرتبة دوافع سياسية، فكان لنجاحها الكلي بإسقاط النظام في تونس ومصر أثر في تشجيع الشباب في اليمن على السير في نفس الطريق ، ولنفس الدوافع، وحظيت بمساهمة ومساندة من أحزاب المعارضة في الداخل وبدعم إعلامي ولوجستي من الخارج .

السبب الخامس: المكايدات والمزايدات الحزبية لدى السلطة والمعارضة، مما جعل العلاقة بينهما قائمة على سوء الظن ورصد السلبيات وتهويلها أو اختلاقها وافتعالها.

 ولا مبالغة في اعتبار هذا هو أخطر سبب في تفاقم الأزمة وتعقيدها؛ لأنه يعتمد على أقوى سلاح في معركة العصر الحديث وهو الإعلام الذي يصنع الحياة أو يدمرها، وإذا استخدم بطريقة غير صحيحة من السلطة والمعارضة؛ فإنه لا يترك مجالاً للاعتراف بالأخطاء فضلاً عن تصحيحها، ويولد ردود أفعال متشنجة تخلق من الأزمة أزمات ، وتؤجج نار الفتنة، وتقود إلى تفجر الوضع ،و لعله قد أخطأ في التقدير من قال:أن الإعلام السلطة الرابعة، والصحيح أنه السلطة الأولى ؛!!! لأنه هو الذي تعتمد عليه بقية السلطات. 

وإذا كان من يرقب الوضع السياسي في اليمن منذ بضع سنوات يصاب بالخوف على مصير اليمن؛ لغياب الإنصاف والموضوعية في معظم ما تطرحه وسائل الإعلام الرسمي والمعارض، فإنه اليوم يصاب بالفزع لما يشاهده، ويسمعه من تصريحات غير موضوعية ، ومجانبة للعدل والإنصاف .

ففي الوقت الذي نحن بأمس الحاجة إلى نزع فتيل الفتنة وتقريب وجهات النظر وإقناع جميع أطراف النزاع بأنه لابد من التنازل من اجل المصلحة العامة للأمة ، وذلك بقول كلمة الحق والإنصاف في الطرح والحكمة في التعامل مع الأزمة، وأن لكل طرف حظه من الحق، وحظه من الصواب، وان كل طرف محتاج إلى الآخر، والوطن بحاجة إلى الجميع. 

 يفاجأ الغيورون على مصلحة الأمة-الناظرون إلى النتائج في المتوقع من منظور الواقع –بأنه مع بداية تفاقم الأزمة استمرت السلطة والمعارضة في شن الحرب الإعلامية والاتهامات المتبادلة فكان الغالب في التصريحات هو منطق التهميش والإلغاء والإقصاء، السخرية والتجريح والاستعداء ، وهذا المنطق إن استمر سيقود الجميع إلى هاوية الفتنة والسقوط فيها.

وسيتم الاقتصار على ذكر بعض النماذج الصادرة في الآونة الأخيرة من باب التمثيل لا الحصر مع بيان ما للمبالغة وعدم الإنصاف في الطرح من ضرر، ونتائج عكسية؛ لأنه ما زاد عن حده انقلب إلى ضده.

فماذا يعني أن يصرح مصدر مسئول رفيع المستوى قبل تفاقم الأزمة بأن المتظاهرين المطالبين بالتغيير ليس لهم ثقل، وأنهم يعدون بالمئات فقط ؟

ألا يعني التهميش والاستخفاف بالآخر؟ ألا يفهم منه محاولة الإقصاء والإلغاء للآخر؟

 ألا يؤدي إلى تحريض الآخر وحثه على استعراض جميع قواه لإظهار حجمه في الواقع، وإغاظة من ينتقص من شأنه.

وفعلاً كان الرد سريعاً وخرج المطالبون بالتغيير بالمئات كما صرح المصدر المسئول لكن مئات بحساب الواقع المنظور، لا بحسبان المصدر المسئول نعم إنهم مئات الآلاف في العاصمة وحدها فضلاً عن بقية المحافظات .

وماذا يعني أن يصرح مصدر مسئول أن شباب التغيير قد انفضوا من الساحات، ولم يبق فيها إلا الذين لهم اتجاه تنظيمي ويخص بالذكر شباب الاتجاه الإسلامي بأنهم ليس لهم مشروع واضح، وإن فكرههم مرفوض ، بل قد تقفز بعض التصريحات إلى الاتهام بالإرهاب والتطرف وأسوأ ما تكون عندما يصرح بها الرجل الأول في السلطة ؟

ألا يفهم من هذا النيل من العاطفة الإسلامية للشعب اليمني -التي كانت ومازالت السبب الرئيس في استتباب الأمن وتهدئة الأوضاع –خاصةً العاطفة الناشئة عن العقيدة الصحيحة والمنهج السليم، ويثير حفيظة الشعب اليمني المتدين على النظام الذي يعتمد على مثل هؤلاء الذين يؤلبون ضده في الظروف الحرجة ؟

ألا يؤدي هذا إلى استعداء القوى الخارجية على البلاد ، والوصول بها إلى ما يسمى بالأرض المحروقة ؟

ألا يدل هذا على اللعب بأوراق محروقة سبق أن لعبت بها أنظمة فكان مصيرها الخسران؟

وبالمقابل ماذا يعني أن يصرح أكثر من مصدر مسئول في المعارضة في اتصال أو حوار بأن فترة الرئيس من أول يوم تولى فيه الرئاسة إلى يومنا هذا كلها فترة ظلم وظلام لم يحصل فيها عدل، ولم توجد فيها جوانب مشرقة ؟

ألا يعني هذا استثارة حفيظة الرئيس ؛لأنه قد يفهم من هذه التصريحات بأنه مجرد تسليمه السلطة سيُسلك في سلسلة من العقوبات والانتقامات، ولا رجعة عن هذا المصير مما يجعله يصر على رأيه في عدم التنحي إلا في نهاية المدة ، ويتمسك بكرسي الرئاسة حتى تحل الكارثة ؟

ألا يٌفهم من هذا أن بعض رموز المعارضة كانوا مشاركين للرئيس في الظلم والظلام؛ لأنهم كانوا في فترة من الفترات جزءا من نظامه، ومنهم من كان معه على حلف مستمر ؟

ألا يؤول إلى وضع بذور عدم الثقة في المعارضة إن تسلمت السلطة في المرحلة القادمة؛ لعدم تحريها العدل والإنصاف في الانتقاد والطرح عن الآخر؟

وكذلك ماذا يعني تصريح مصدر مسئول في المعارضة بأنه أخبره بعض الشباب المعتصمين أن يوم الجمعة القادمة-باعتبار تاريخ التصريح- هو يوم الزحف إلى القصر الرئاسي ، و يقول للرئيس أن يعمل ما بدا له من قتل وسفك للدماء؛ فإن كل ذلك- لو حصل- لن يوقف زحف الشباب حتى يصلوا إلى القصر ويخرجوه من مخبئه؟

ألا يقدم هذا فرصةً للسلطة أن تقول للرأي العام بأن المعارضة تريد تحويل مسار ثورة الشباب من الاتجاه السلمي إلى الاتجاه الدموي؟

 وهو ما حصل بالفعل فكان هذا التصريح ورقةً رابحةً للسلطة استعادت بها قوى كثير من الأنصار والأعوان، واستثارت بها العواطف للوقوف معها مما ساهم في تكثير سواد الحشد الجماهيري الكبير المؤيد لمبادرة الرئيس، وهو ما قد يغري السلطة فتتراجع عن الإسراع في الاستجابة للمطالب، فتطول فترة الأزمة. .

ألا يعني هذا-على فرض لو حصل الزحف- عدم اعتبار المآلات ،وفتح الذرائع إلى سفك الدماء إما بإطلاق النار على مسيرة الشباب، أو بحصول اقتتال بين القوات المسلحة المنتشرة على الطرقات في العاصمة خاصةً بعد أن حدث شرخ فيها،وتناوش بينها؟

ومن باب الإنصاف ليس كل ما قلتُ -بأنه قد يُفهم من التصريحات - مقصوداً للمصرحين به، أو أن كل من سمعها سيفهم ذلك الفهم، ولكن من واجبي الديني المناط بذمتي أردت لفت الانتباه إلى استشعار مسئولية الكلمة وخطورتها وضرورة تجنب التصريحات التي تأجج الوضع خاصةً وأن سوء الظن بالآخر هو المسيطر على أطراف النزاع في الساحة, وأن رحى الفتنة قد دارت هنا وهناك فأزهقت نفوسٌ،وسفكت دماءٌ، ومع ما قد حدث فالتعقلُ مطلوب خشية وقوع ما هو أعظم، وهو اصطلاء الجميع بنار الفتنة.

ومن أقوى الوسائل لإيقاف الفتنة وإطفاء نارها العدل والإنصاف في القول ، بل العدل يعتبرمن أعظم المقاصد الشرعية وأهمها، والعدل في الأقوال من المبادئ الثابتة التي يجب التمسك بها مع المحب والمبغض ومع القريب والبعيد أما النكران للآخر،وإطلاق القول بأنه ليس له نصيب من الحق والصواب فهو منهج اليهود والنصارى قال الله تعالى: ) : وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) البقرة:113

ومن الآيات التي تدل على الإنصاف في النقد قوله تعالى: ) ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون) آل عمران:75 فذكر سبحانه وتعالى مالهم وما عليهم ، وبدأ بذكر المحاسن قبل المساوئ.

فأقل ما يجب على المسلم عند اختلافه مع أخيه ومخاطبته له أن يكون منصفاً، وأن لا يعين الشيطان على أخيه، بل الأولى أن يحسن له القول كي يتمكن من اقتلاع جذور الكراهة والعداء، ووضع بذور المحبة والإخاء قال الله تعالى: ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوةٌ كأنه ولي حميم ) فصلت:34. 

فإذا أراد اليمنيون اقتلاع جذور الفتنة، واستتباب الأمن ، وإعطاء فرصة لأصحاب الجهود الطيبة والنيات الصالحة لحل الأزمة وتسوية الوضع فليقفوا صفاً واحد في وجه من يمارسوا الإرهاب السياسي من السلطة والمعارضة، ويقولوا لهم بصوت واحد كفى مكايدات كفى مزايدات كفى تصريحات نارية فقد بلغ السيل الزبى، وقد أطلت الفتنة بقرنيها، والوضع في ضرورة قصوى لا يتحمل أكثر مما قد وصل إليه.

ثانياً:معالم الخروج من الأزمة

واجب كل العقلاء والحكماء من أبناء اليمن وخاصةً العلماء أن يكونوا مفاتيح خير مغاليق شر فيطلقوا صيحات التحذير وصرخات الإنذار، ويدعوا جميع مكونات المجتمع المؤثرة من علماء ومشايخ ورجال أمن وقضاة وأكاديميين، وجميع الشرفاء في التنظيمات الحزبية والمنظمات المدنية، وبقية أفراد الشعب الغيورين أن يسارعوا إلى جمع قواهم لانتشال سفينة اليمن من الغرق، وذلك بإقناع ومواجهة أطراف النزاع بالأمور الآتية:

 1-إقناع الجميع بوجوب تحكيم شرع الله عند التنازع قال سبحانه: ) فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً) النساء:59، وبحتمية الصلح وضرورته؛ لأن سد باب الصلح والحوار مخالفٌ للعقل والنقل، وإصرارهم واستصنامهم على آرائهم سيلقي بالبلاد إلى التهلكة.

2-أن يعلم الجميع: أن قضية الشباب قضية موضوعية وعادلة، وقد استمدت قوتها من أحقيتها؛ فإن لصاحب الحق مقالاً، وما خرجت تلك الحشود الهائلة إلا لأنها تجرعت الظلم، وذاقت القهر، وعاشت مع الفقر في حلها وترحالها سنوات عديدة؛ فلابد من تحقيق مطالبهم المشروعة،والنظر إلى قضيتهم بعيداً عن تصفية الحسابات بين السلطة والمعارضة، وإن كانت المعارضة قد ركبت موجة التغيير فقوّت موقف الشباب وساهمت في تصعيد القضية ؛ لأنها رأتها أقوى الوسائل لانتزاع الحقوق من السلطة،أو خافت من افتقاد ثقلها في الشارع-خاصةً لدى الشباب-، كما أن ركوب الموجات يعد نوعاً من أنواع المكايدات بين السلطة والمعارضة بدليل أن السلطة كادت تخوض انتخابات برلمانية منفردة وتركب موجة الانتخابات التشريعية المصرية لولا المستجدات في الساحة.

3-على الحزب الحاكم: أن يميز بين مرحلتين من تاريخ الأزمة السياسية فمرحلة ما بعد انتفاضة الشباب في بعض الدول العربية غير مرحلة ما قبلها فالمرحلة الأولى كان بالإمكان التعامل معها بمبادرات ومقترحات، بل بمجرد تنظيرات سياسية، وإذا استعصت-أحياناً- تتم تسويتها ببعض التنازلات السياسية لأطراف النزاع، وأما المرحلة الثانية فمختلفة عن الأولى في الشكل والمضمون، ولا يمكن أن تحل إلا بالاستجابة الفعلية لمطالبها.

4-على الأخ رئيس الجمهورية: أن يعلم بأن الأزمة بالدرجة الأولى هي أزمة افتقاد ثقة، وكان الواجب عليه عدم الاقتصار على المبادرات الخطابية؛ لأنها لن تعيد الثقة وحدها ما لم تعزز بخطوات عملية في مسار آمن لتسليم السلطة، ولابد أن تكون الخطوات سريعة؛ لأن التأخر يزيد من تفاقم الأزمة،وما كان مقبولاً بالأمس قد صار مرفوضاً اليوم؛ ويكون بالخطوات العملية قد قطع الطريق على المعارضين، وأخرس ألسن المشككين في مصداقية المبادرات. 

5-على الحزب الحاكم: أن يفرّق بين مرحلتين من تاريخ الأزمة- في الآونة الأخيرة- فمرحلة ما بعد الجمعة الدامية غير مرحلة ما قبلها ؛ لأن المجزرة الدموية قد أدمت القلوب، وأدانت السلطة، بل أفقدتها التماسك؛ فحدثت تصدعات مدوية في بنائها، وشروخ في القوات المسلحة حتى كادت السلطة تصاب بمقتل مما رجّح كفة الاستقالة المبكرة.،وعلي السلطة أن تعلم أن اختلاف الروايات أو اختلاقها لن يبرئ ساحتها، وإنماقد يكون للاحتمالات تأثير في توصيف موقفها بين سيئ أو أسوأ، وقد تعتبر نوعاً من أنواع الفجور السياسي،مالم تكشف التحقيقات عن تورط جهة ما من غير أجهزة السلطة.

6-على الأخ رئيس الجمهورية: أن يعلم أن هذه المرحلة مرحلة حاسمة في حياته السياسية، وأن القرار الذي سيتخذه فيها هو الذي سيحدد مكانه في سجل التاريخ، ويرسم صورته في ذاكرة الأجيال ؛ فمنطق العقل وداعي الحكمة يقتضيان أن يختم حياته السياسية خاتمة حسنة ،و يجنب الوطن ويلات الفتن، وذلك بتقديم استقالته وهو في عزة ومنعة، وكلما أسرع باتخاذ القرار كان الوضع أفضل ؛ فيكون قد توج منجزاته الوطنية، ورضي بسنة الله في التغيير؛ لأن بقاء الحال من المحال.

7-على الأخ رئيس الجمهورية: أن يفرّق بين أصحاب المبادئ والقيم الذين يصدقونه القول يريدون براءةً للذمم وإنقاذاً لليمن، وبين أصحاب المصالح والأهواء الذين يقلبون له الأمور، يريدون أكلاً للقم وزرعاً للفتن.

8-على الإخوة قادة المعارضة: أن يستشعروا مسئوليتهم التاريخية أمام الله -سبحانه- ويقدموا المصلحة العامة للوطن ؛فيسعوا جاهدين إلى نزع فتيل الفتنة بترك الغلو والتعنت في المطالب باعتبارهم الوجه الآخر للسياسة في البلاد، كما يجب عليهم أن يكونوا حلقة وصل بين السلطة وشباب التغيير في الساحات للتوصل إلى انتقال السلطة بحل مرضي للجميع؛ لما لهم من الصفة القانونية في صلب العمل السياسي، ولما لهم-أيضا- من ثقل وأثر في صفوف الشباب في الواقع كل ذلك يؤهلهم أن يكونوا أقدر من غيرهم على التفاهم المشترك مع السلطة ومع الشباب للخروج من الأزمة بأقل الخسائر؛ ليكونوا بهذا الدور الإيجابي قد ساهموا في إنقاذ اليمن، وخففوا على أنفسهم، وعلى الشباب من تبعات ما بعد انتقال السلطة؛ لأن السلطة إذا انتقلت بتضحيات فادحة فستعقبها انتقامات مؤلمة، وقد تستمر البلاد في سلسلة من الصراعات الدموية تهلك الحرث والنسل، ومن ذا الذي سيفرح بعد ذلك بسلطة أو سيهنأ بعيش، وهو يرى البلاد قد غرقت في نهر من الدماء ؟

9-على الإخوة قادة المعارضة أن يوازنوا بين المفاسد،ولايعميهم حبُ الإنتقام من السلطة عن النظر إلى مآلات الأمور وعواقبها؛ فإن التعنت بمطالب تعجيزية، والإصرار على حلول قسرية، والدفع بقوة إلى تفاقم الأزمة واستكمال حلقاتها، كل ذلك قد يقود الجميع إلى ممارسة سياسة الهلاك والإهلاك فتحول البلاد إلى أرض محروقة. 

10-على الإخوة الشباب في ساحات الإعتصام: أن يحافظوا على منهجهم السلمي وأن يحذروا كل الحذر من أن يستدرجوا إلى حلبة الصراع الدموي ،أو أن يندس فيهم من يقودُهم إلى فتنة،وإن يجعلوا حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القائل: « الإيمانُ يمان والحكمةُ يمانيةٌ والفقه يمان» شعارا لهم، وعنه تصدر مشاعرُهم، وأن تلتف حوله قلوبُهم كما التفت على مجسّمه أجسادُ إخوانهم بساحة الإعتصام في صنعاء، فيجمعوا بين جمالية الشكل والمضمون، وأن يحذروا ممن يشوهون جمال قضيتهم داخل صفوفهم بأقوال،وأعمال،وشعارات بعيدة عن الدين ، ومنافية للأخلاق والقيم.

وفي حين تمت الاستجابة لتنفيذ مطالبهم المشروعة بخطوات عملية، وتوفُّرت الضمانات القوية على مواصلة خطوات التنفيذ ؛ فعليهم القبول والمسارعة إلى إنهاء الأزمة، وتجنب الإصرار والتصلب على الأمور الشكلية،والحرفية إذا تحققت المطالب من الناحية الموضوعية؛ ليكونوا بهذا القبول قد قاموا بواجبهم في إنقاذ اليمن، وسحبوا البساط على أصحاب المواقف الاستفزازية، والتصريحات النارية الذين يريدون جعلهم مع القوات المسلحة وقوداً لنار الفتنة. 

11-على القوات المسلحة: أن يستشعروا المسئولية أمام الله سبحانه، وأنهم صِمام أمان بلد الحكمة والإيمان، وإن يستشعروا عظمة الدماء وحرمتها عند الله، وأنهم بحمايتهم الدماء والأموال والأعراض في جهاد مقدس سينالون أجره من الله.

 وأن يحذروا أن يقعوا في سفك الدماء سواء بالاقتتال فيما بينهم وخاصةً بعد حصول الشرخ، أو بالوقوع في الفتنة مع الشباب فيخسروا دينهم ودنياهم من أجل دنيا الساسة والقادة .

12-على الإخوة قادة دول الخليج العربي أن يستشعروا واجبهم نحو إخوانهم في بلد الحكمة والإيمان، فيسارعوا -بما لديهم من قدرات وإمكانيات، ومالهم من ثقل وأثر على أطراف النزاع- إلى إقناع الجميع بتقديم التنازلات تغليباً للمصلحة العليا المتمثلة بأمن الوطن واستقراره؛ ليكونوا بهذا الدور التاريخي قد ساهموا في إنقاذ اليمن ، وعملوا-أيضاً- على تقوية أمن دولهم ؛ لأن اليمن-من الناحية الإستراتيجية- هي واسطة العِقد في شبه الجزيرة العربية، فإذا انزلفت في منحدر الحروب والإقتتال أختل أمنُ دول الخليج، بل قد ينفرط عقدُها لسقوط واسطة نظامه. 

نسأل الله أن يحفظ اليمن من كل مكروه،ويجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، ويهدينا جميعاً إلى صراطه المستقيم .والحمد لله رب العالمين.