توكل كشخصية بديلة لفؤادة
بقلم/ د.عبدالمنعم الشيباني
نشر منذ: 9 سنوات و 10 أشهر و 24 يوماً
الخميس 03 مارس - آذار 2011 04:01 م
 

هذه الحلقة (2-5) بعنوان : (( توكل كشخصية بديلة لفؤادة في رواية ثروت اباظة " شيئٌ من الخوف" )) نقدية ادبية تدرس رواية ثروت اباظة كرواية اجتماعية سياسية، دراسة تحليلية لأفكار الرواية وشخوصها..

عودوا -انْ شئتم- الى الحلقة الأولى لتتعرفوا من جديد على ملخص قصة الرواية وكذا التعرف على فكر الكاتب ثروت اباظة الذي يعتز باللغة العربية الفصحى كوعاء اصيل للكتابة الأدبية..وفي الحلقة الأولى نبذة نقدية مختصرة عن مفهوم ((البدائل)) في الرواية، سبب اختيار هذه الدراسة..

من المفيد أن أبين للقراء والقارئات أن الرواية النسخة الأصل (شيئٌ من الخوف) مكتوبة بالعربية الفصحى غير أن تجسيد الرواية كفيلم في السينماء المصرية بعد ذلك كتب باللغة العامية المصرية مع تعديل للمشاهد والتعابير بما يناسب طبيعة الفيلم السينمائي...، ويقال ايضاً أن الشاعر المصري المشهور عبد الرحمن الابنودي(من مواليد 1938 شاعر بالعامية وكاتب ايضاً .. ظهر بقصائد عامية تحمس ثورة الشباب بمصر في يناير الماضي من هذا العام) قيل انه شارك في كتابة الحوار للسينماء وكتب قصيدة الفيلم بالعامية (عيني ع الولد)..

فؤادة وعتريس نشأة حب وبراءة انحرف به ظلم العُمدة الأب

اشرتُ في الحلقة الأولى أن (عتريس) الفتى الشهم الريفي كان مسكوناً منذ صباه بالبراءة والحب للحياة والطيور والحَمَام ومسكوناً بحبه البريئ الريفي الصافي الطفولي لـ فؤادة غير أن (عتريس الأب- العُمدة الظالم) دمر كل معاني البراءة في قلب ولده قصداً منه أن يكون قوياً قاسياً كعُمدةٍ قويٍ لا يرحم كتدريب عملي له لأنه ولي عهده من بعده ولا مجال للبراءة في قلب ولي العهد والعُمدة الجديد...

أحدثت الصدمات القوية الوحشية التي انزلها الأب بابنه البريئ شرخاً غائراً في جدار الرحمة الإنسانية داخل قلب الفتى الصغير (عتريس) وهو ما عبرت عنه قصيدة الفيلم للشاعر عبد الرحمن الابنودي ((عيني ع الولد )) من ألحان بليغ حمدي، غناء شادية بطلة الفيلم .

تحول الفتى الريفي البريء عتريس بعد ذلك الى عُمدةٍ ظالمٍ بقلب وحش لا قلب آدمي يعبَد الفلاحين لخدمته، يقهرهم ويدوس على أكواخهم، وله رجال ظلمة بقلوب وحوش، جيش من (البلاطجة) يقودهم صلاح نظمي(الممثل لأدوار الشر دائماً) على خيول الغطرسة، ينهبون ويسلبون ويعتدون ولا أحد يجرؤ أن يوقفهم عن غيهم او بطشهم، لأنهم رجال عتريس، يجوسون بخيولهم خلال الديار ببطرٍ وصلفٍ وكبرياء يقهرون الفلاحين ويقتلون الرعية الغلابة ويسلبونهم ممتلكاتهم باسم عتريس ومن أجل عتريس ومجد عتريس وحُكم العُمدة عتريس الذي يجب أن يسلم الناس أنفسهم له من غير مناقشة...

مشهد من اغتصاب عتريس لنساء رجاله يوم العُرس دراسة نفسية تحليليلة

من أهم مشاهد الرواية هذا المشهد الذي يقدم دراسة نفسية لسيكولوجية الطاغية الظالم وهو يمارس القهر حتى على أخص رجاله وزبانيته ممن يستعملهم لقهر الفلاحين والرعية الضعفاء، مشهد قهر واغتصاب في ليلة العُرس لأحدى عرائس رجال عتريس...

  المشهد يقضي أن يتزوج احد رجال عتريس فيحضر موكب عتريس العُرس وعينه على العروس، يريد أن يقهرها لأنه العُمدة وهو الأولى بها قبل العريس الأصلي (أحد رجاله) ...

  المشهد يقدم لحظة من لحظات الإنسان المقهور تحت سطوة القوة والخيل وموكب العُمدة وجبروته، يعرف العريس (احد رجال عتريس) أن عروسه الليلة ليست من نصيبة بل من نصيب العُمدة شاء أم أبى، فيلجأ للشرب كوسيلة يائسة للهروب من فداحة الموقف، ثم يهذي في اللا شعور وهو سكران بعبارات تستبطن الرغبة في القوة المسلوبة منه، يريد أن يكون قوياً مثل عتريس يقول وهو مخمور :(انا الليلة ثلاثين عتريس)، يريد أن يهرب من واقعه الجبان المستسلم الى رغبة في الإنتقام من عتريس الذي سيسلبه الليلة أعز ما عنده وهو عروسه، عتريس أول من يدخل بها كضريبة للقهر اليومي يدفعه حتى رجال عتريس، يدفعونها من شرفهم وعرضهم ..

ولكن هنا في المقابل تحليل نفسي آخر بشكل مختلف ومفاجئ للقراء وللمشاهدين وهو أن العروس كانت تتمنى هذا اليوم لتقابل عتريس فهي ترى أنه أحق بها من رجله الخادم المطيع البليد الغبي فاقد الكرامة الآدمية (بلا شخصية)، تعبر المرأة لـ عتريس أنها كانت تتمناه من زمان لأن عتريس صاحب القوة والسطوة والقدرة أحب اليها كرجل تحلم به المرأة حيث تحب القوي صاحب السلطة..

  غير أن دراسة تحليلية نفسية أخرى تفيد أن المرأة التي استسلمت رغبةً في عتريس كانت في الأصل من ضحايا نظام الفساد والبلطجة الذي كرس بيع المرء لنفسه وعرضه وشرفه للعُمدة، فهي فاسدة أحبت فاسداً مثلها اذ أن فساد نظام العُمدة لم ينتج سوى فسدة بهذا الإنحطاط والخيانة الزوجية والتسليم للفساد ولذلك قال الشيخ ابراهيم إمام مسجد القرية (الممثل يحيى شاهين) بعد أن انتهى من إمامته بالمصلين صلاة العصر، قفوا لا يتحرك منكم أحد أريد أن أقول لكم كلمة ثم قال بما معناه :-

" كلنا يعرف عن ظلم عتريس ومايفعله عتريس ثم قال وهنا الأهم : ((احنا ملناش دعوة باللي يسلم نفسه لعتريس- في إشارة الى تلك المرأة)) ....(( انا اتكلم عن أهل البلدة الذين يقع عليهم الظلم من غير رضاً منهم )) ثم انبرى احد المصلين في زاوية من زوايا المسجد يرد على كلام الشيخ ابراهيم بالقول:-

يا شيخ ابراهيم احنا مالنا ومال عتريس كل واحد في نفسه

فرد عليه الشيخ ابراهيم:-

اللي يقول ماليش دعوة ح يصل عتريس لحد عنده... ثم أخذ الشيخ ابراهيم يبين لهم أنه ليس بمؤمن حقاً من يسكت عن الظلم الحاصل في البلد وقال بصوت الشيخ القوي المؤمن الذي لا يخاف محرضاً جموع المصلين في المسجد :-

(( كلكم يعلم أن زواج عتريس من فؤادة باطل))..

اللفتة التحليلية النفسية هنا أن عتريس الذي تزوج فؤادة بعقد نكاح مزور- كما سردنا ذلك في الحلقة الأولى رغبةً منه في قهرها كزوجة بعد عجزه عن قتلها كمعارضة- كان وهو في غمرة فساده مع المرأة التي اغتصبها من زوجها ليلة عرسه ينتفض مذعوراً من صدى العبارة التي كتبت على الجدران :-

زواج عتريس من فؤادة باطل

الم يتزوج عتريس فؤادة بحضور المأذون الشرعي والشهود وتوقيع والدها الضعيف (حافظ)؟ اذاً لما ذا تؤرقه كلمة (باطل) ؟ ا لم يدعِ أنه عتريس الذي لا يقف أحداً في وجهه..؟ اذا لماذا أقضت مضجعه كلمة "باطل"؟ الجواب لأنه يدرك أن شرعيته غير حقيقية وأنها شرعية مزورة اغتصبت بالقوة وأن ضميره الداخلي -كإنسان لا كعُمدة- يقول له " الفلاحون لا يحبونك لأنك لا تمثل أي شرعية بالنسبة لهم .. سقطت شرعيتك يا عتريس وكل من حولك من البطانة وحوش يزينون لك الظلم لكنهم لا يمدونك بأي شرعية على الواقع.. الناس تكرهك يا عتريس، وحكمك ((باطل))..

 ****

سنرى في الحلقة القادمة مواقف( فؤادة) كمعارضة قوية في الوقت الحاسم لظلم وجبروت عتريس الذي حاصر اهل البلدة ومنع عنهم حتى الماء كعقاب جماعي..

شاعر وناقد أدبي

a.monim@gmail.com