عندما يصبح الطبيب مستنقعا للداء
بقلم/ د. حسن شمسان
نشر منذ: 9 سنوات و 10 أشهر و 26 يوماً
السبت 08 يناير-كانون الثاني 2011 06:43 م

إن هناك أكاديميين - واعتذر سلفا للشرفاء منهم وهم الأغلب - هم أقل وزنا من الحبر الذي كتبت به شهاداتهم؛ حيث انحرفوا عن جادة الصواب، وعن الأصل الذي كانت الشعوب تنشده فيهم وفي علمهم وشهاداتهم. وبناء عليه فإن الأنظمة الحاكمة الظالمة ليست وحدها الداء المستشري في جسد الوطن بل إن المثقفين المطبلين والناعقين لها هم الداء الحقيقي لتلك الأوطان المسحوقة وهم سرطانها الذي ينتشر في الجسد المريض؛ إذ كان الأصل يقتضي أن يكون هؤلاء وأمثالهم هم دواء الوطن مما يلم به من المحن، جراء الفساد المستشري في كل شيء فيه وفي كل أنحائه؛ فإذا بهم ينقلبون رأسا على عقب؛ ليضعوا أنفسهم في صورة الداء الفتاك للشعوب لا الدواء الشافي لها. 

وإذا كان مثقفوا الأمة هم من يضللونها، إذ تجد أقلامهم وأحبارهم تنال من الوطنيين من ناحية. ومن ناحية أخرى تجد الأقلام والأحبار نفسها تزين وجه النظام الذي يلطخ وجهه كل يوم وكل لحظة بالفساد والإفساد في الأرض، ويأبى أمثال هؤلاء المنافقون إلا أن يجملوه. وإذا كان الأمر كذلك فعلى الوطن/اليمن السلام، وعندها يمكن القول: إن القلم الذي يكتب به أمثال هؤلاء لا يعدو أن يكون أكثر من ريشة مكياج يزين الباطل محاولا إظهاره في صورة الحق، فإذا بسارقي الوطن في نظر هؤلاء وطنيون وعظماء، وإذا بالوطنيين يصبحون دعاة فتنة وخونة. ولا تثريب على أمثال هؤلاء فنحن أصبحنا في زمن [يؤتمن فيه الخائن ويخون فيه الأمين] (!)

وليس هذا التناول بغريب عن مثل هذه نماذج لا تحاول أن ترفع رأسها ونفسها بل تأبى إلا أن إهانتها وامتهانها، وهذه النماذج متواجدة على مر التأريخ الإنساني، وقد ضربت بها/لها الأمثال وخلدت صورها في الدستور الرباني؛ فكان أمثال هؤلاء تارة مثل الكلب يلهث، وتارة أخرى مثل الحمار يحمل أسفارا. 

ومن هنا ليس بعجيب أن تُسن لهؤلاء ألسنة حداد؛ ليقطعوا بها لحوم الوطنيين الشرفاء الذين جعلوا من أنفسهم مشاريع شهادة في سبيل النهوض بالوطن - الوطن الذي نراه كل يوم ينتقل بفعل النظام الحالي من سيء إلى أسوأ، والأميون – علاوة عن المثقفين – يقرون بهذا التردي والهرولة نحو الهاوية، بينما هناك أساتذة تسويق يسوقون لبضاعة مزجاة ويسوقون لسارقي الوطن، ولا يخشون لومة لائم، ولا يستحون أو يخجلون من طلابهم الذين يقفون أمامهم في منابر النور يلقنوهم العلم قولا وتجدهم في الحياة العملية السلوكية يكذبون ويشهدون زورا وبهتانا جهارا نهارا ومن دون ذرة خجل؛ ونسوا قول الله (كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) فكيف بالذين يعملون بعكس ما يقولون ويلقنونه للآخرين (؟) أفلا يستحون (!)

وعندما ترى مثل هذه آفة بارزة في الوطن؛ لا يسعك إلا أن تستحضر قوله الله عز وجل - ممثلا بعلماء لم ينتفعوا بعلمهم ولم يعملوا بمقتضاه – (مثلهم كمثل الحمار يحمل أسفار) و(كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث وإن تتركه يلهث)؛ وما هذا الكذب والدجل على الناس إلا نتيجة اللهث وراء متاع دنيا؛ هي أصلا زائلة وهي أقل من جيفة أو جناح بعوضة فكيف بمتاعها (!) وهذا النموذج (سيء السمعة والصيت) قد رسمه لنا الدستور القرآني - كما سلف - صورته تارة في صورة (الحمار) الذي ينهق، وتارة في صورة الكلب الذي يلهث؛ إذ ماذا تجدي الكتب الذي نقرؤها والأبحاث العلمية التي نشارك فيها؛ إذا لم تغير في واقع سلوكياتنا وتعاملاتنا، فلما لا تكبر عقولنا بقدر شهاداتنا التي نحملها (!) ولماذا في بعض المواقف نستغني عن عقولنا الذي ترفعنا لنجعلها خارج التغطية، فإذا بنا نجد رؤوسنا قد طأطأت هاوية للأسفل لتنظر – فقط - تحت أقدامها فلا ترى إلا الوساخات فتقبل بها لقاء ثمن بخس.

فهلا نظر – أمثال هؤلاء – فوق رؤوسهم ليروا السماء ورافعها بدون عمد، وليروا السمو الحقيقي، وليتيقنوا بأن رزقهم ليس في الأرض ودنسها، إنما هو في السماء، وليروا أن آجالهم كذلك، لماذا يضل هؤلاء ناكسي رؤوسهم ومن دون مقابل يذكر (؟) ألم يتيقنوا بعد أن أرزاقهم وآجالهم بيد الله وحده (وفي السماء رزقكم وما توعدون) فلم يضلون يطأطئون رؤوسهم وهاماتهم نحو الأرض. ويلهثنون وراء (لعاعة) من دنيا ليست ذات قيمة.