بعد 48 عام من عمر الثورة .. الواقع يحاكم إدعاءات السلطة
بقلم/ احمد طلان الحارثي
نشر منذ: 9 سنوات و 11 شهراً و 12 يوماً
الجمعة 15 أكتوبر-تشرين الأول 2010 09:13 م

حوالي نصف قرن من الزمان مضى من عمر الثورة اليمنية المجيدة وقد امتطى صهوة جوادها جيل من الرجال الذين ولدوا مع ميلادها ولم يعلموا شيئاً عن آلام ومتاعب من خططوا لها ونفذوها ، وبقي النزر اليسير ممن قامت الثورة على أكتافهم وقد طوت أعمارهم هذه الحقبة الزمنية الثورية بعد أن سلموا الراية إلى جيل آخر ورث عنهم مقاليد الأمور لكي يواصلوا المشوار المبارك على أمل أن تتحقق الغايات المنشودة لتلك البطولات والتضحيات ، إلاّ أن واقع الحياة ومستوى تحقيق الأهداف شاهد عيان ومدعي عام ضد الكثير من إدعاءات السلطة التي تغالط بها جماهير الشعب خلال هذه المرحلة الطويلة من عمر الثورة.

وحتى لا نتجنّى على أحد سوف نسوق للقراء الكرام نماذج من تلك الإدعاءات السلطوية والتي دأبت على تكرارها على مسامعنا في كل مناسبة ، ومن ثم نورد شواهد الواقع المقابلة لتلك الإدعاءات وبالتالي فإن المواطن هو الحكم وهو صاحب القرار الذي يترتب عليه الحكم النهائي لكي يتقرر الدور الشعبي في ميدان التغيير المطلوب الذي يعيد للثورة وجهها المشرق الوضّاء ، وتوجيهها الوجهة الصحيحة المؤدية إلى تحقيق الغايات الشعبية من الثورة وليس الغايات النخبوية التي يتغنّى بها المستفيدين من السلطة في عصرنا الراهن.

إدعاءات السلطة: الحفاظ على الجمهورية والوحدة ، وفي الواقع فإنه لم يتبقى للنظام الجمهوري إلاّ العلم الثوري ذو المساحة الواسعة على سواري المرافق الحكومية والعامة ، والسلام والنشيد الوطني ذو النوتة الموسيقية الحماسية ، وما دون ذلك فإن واقع الممارسة يؤكد صيرورت النظام الجمهوري إلى نظام ((فردي مشخصن)) محدد العالم والوجهة ولم يعد للجمهور فيه من نصيب إلاّ ما تجود به قرائح المستبدين من أشياء ضرورية يفرضها الواقع ، وأما الوحدة اليمنية فلم تعد أمراً متداولاً للأخذ والعطاء والمساومة ، لأن الشعب موحد في الأصل منذ القدم ، وما حصل في 22 مايو 1990م ليس إلاّ إزالة الحواجز السياسية التي كرستها الأنظمة الإمامية والاستعمارية وباركتها الأنظمة الشمولية في العهد الثوري التي جاءت بها الثورة للقطر اليمني ، كما أن واقع الحياة شاهد على وجود خلل كبير وشرخ عميق في جدار الوحدة الوطنية والذي من أهم مظاهره ومؤشراته وجود الأصوات المنادية بعودة الحكم الإمامي والأصوات المرحبة بعودة الاستعمار البغيض ، ومن ينادي بإعادة فك الارتباط وآخر يطالب بتصحيح مسار الوحدة ... الخ ، وفي جانب آخر فإن ظاهرة الحروب القبلية وما ينتج عنها من أعمال القتل والنهب لهي من اكبر شواهد عدم تعميق الوحدة الوطنية استناداً إلى منهجية استبدادية تنطلق من قاعدة ((فرق تسد)).

ومن إدعاءات السلطة: دولة النظام والقانون ، وفي الواقع فإنها دولة قانون القوة وليست دولة قوة القانون ، ومن أكبر الشواهد أنه لا اعتبار للنصوص القانونية التي تتعارض مع مصالح الحاكم ومزاجه وهواه ، فنجده في أحيان كثيرة يصدر القوانين والقرارات التي تتناقض تناقضاً صارخاً مع نصوص قانونية نافذة ، هذا إلى جانب وقف العمل بأي نص قانوني تُظهر الممارسة أنه لا يصب في مجرى مصلحة الحاكم أو العمل على تعديله ، كما أن التفسير المزاجي للنصوص طابع عام يتحلّى به النظام الحاكم في كل الأحوال المراد من تلك النصوص أن تتماشى مع تلك الرغبات.

ومن إدعاءات السلطة: العدالة والمساواة ، وفي الواقع ما يؤكد عدم وجود هذه الإدعاءات لأن هناك أشخاص متخمون بالمال العام وهناك جماهير غفيرة محرومة من أبسط مقومات الحياة وفي أدنى مستوياتها لمن توفرت لديه ، بل وحتى النظام الحاكم نفسه يؤكد بالأرقام المخيفة نسبة الفقر المتزايدة يوماً بعد يوم ، وما ذاك إلاّ لانعدام عدالة توزيع الثروة وتركيزها في يد مجموعة صغيرة ممن حباهم الحاكم برعايته الفائقة على حساب السواد الأعظم من الناس.

ومن إدعاءات السلطة: سير عجلة التنمية بوتيرة عالية ، وفي الواقع فإنها تنمية جيوب المقربين وأصحاب النفوذ والمصالح المتطابقة مع مصالح الحاكم ، أما تنمية المجتمع بمعناها الصحيح فإن الواقع يدحضها بشدة ويؤكد على وجود خلل كبير في هذا الاتجاه ، ولنأخذ مثالاً بسيطاً من ما تتغنّى به وسائل إعلام الحاكم عن تنفيذ مشاريع التنمية في جانب الشباب والرياضة حيث جاء ذكر المشاريع ومستوى التنفيذ بما يؤكد عدم الاهتمام ببعض المناطق ومنها محافظة شبوة لأن نسبة الانجاز في إستاد عتق الرياضي ((% 10 فقط)) وذلك منذ بدء العمل فيه قبل سبعة أعوام تقريباً ، أما مشروع الصالة المغلقة في عتق فمتعثر تماماً بعد نسبة إنجاز لا تتجاوز ((%10 فقط) ، وهذا قياساً على نسبة إنجاز بلغت ((% 100 و % 95)) لبعض المحافظات ، وعند الحكومة الخبر اليقين !! وهذه هي الحقيقة التي لا ينكرها إلاّ جاحد ، وليس كما جاء في تلك الوسيلة الإعلامية ((لينعم الشباب والرياضيون بمنجزات الثورة التي لا ينكرها إلاّ جاحد وهي تحكي قصة ثورة يظل الشباب فيها بسمة الحاضر وكل المستقبل)) ، وهذه العبارة شاهد عيان على بطلان تلك الإدعاءات وخاصة في محافظة شبوة ومن على شاكلتها.

وخلاصة القول فإن كثير من مثل هذه الإدعاءات الإعلامية تجد من واقع المعاناة ما يبطلها ، ولكن لا نريد أن نغرق القراء الكرام في سيل من الإدعاءات والرد عليها وما أكثرها في هذه البلاد التي لم يعد للثورة فيها أي معنى سوى الثورة على الثروات وترتيب استخدامها وتصريفها إلى جيوب الفاسدين الذين يزينون للنظام الحاكم مساوئه ويعكسون عن المجتمع صور التقدم والرخاء والعكس هو الصحيح ، فالمجتمع يعيش فيما دون حالة الكفاف للغالبية العظمى من الناس وهم الذين يعولون على قيام الثورة برفع مستوى معيشتهم وتحسين أحوالهم ، ولكن الذين ركبوا ظهر الثورة من مراحل متأخرة من عهد الجمهورية وساروا بها نحو التغيير لذوى القربى ومن سار على نهجهم إلى حين يوم الخلاص وأظنه قريباً إن شاء الله.