القصة الحقيقية لما جرى على أسطول الحرية 3
بقلم/ محمد بن ناصر الحزمي
نشر منذ: 10 سنوات و 8 أشهر و 5 أيام
الإثنين 28 يونيو-حزيران 2010 04:27 م

أخر رسالة بعثتها وقبل أن أهم بالذهاب إلى الميناء لركوب السفينة فكرت بان الاتصال بالعالم سينقطع لعدم وجود بث وهذا يعني أني لن اتصل بأهلي ، فقلت ابعث إليهم برسالة الوداع قلت فيها \" أنا سأركب السفينة وسينقطع البث فاستودعكم الله وقولي للأولاد قد جعلت هذه الرحلة سببا لصلاحهم فمن يأتي يوم القيامة والله غضبان عليه فاني خصيمه عند الله ، وقد كتبت وصيتي وأشهدت عليها الدكتور/ صالح السنباني والشيخ /عبد الله العديني، بعد أن اطلعا على محتواها ، ووضعتها عند الأخ/ الشيخ عارف الصبري .

ركوب الأمواج

في يوم الخميس 27/5/2010م كان موعد انطلاقنا إلى رحلة العمر ،يحدونا الشوق إلى لقاء المرابطين والمجاهدين، إلى ارض فلسطين إلى من عشقنا ترديد أسمائهم ،وسماع أناشيدهم ، ورؤية صورهم ، كنا نريد أن نسجد على ارض تحملهم ، ونقبل جباها لله ساجدة ، وأياد على الزناد ممسكة ،تحمي الأرض والعرض والدين ، إلا أن هذا الشوق تصادم مع شوق أخر هو الشوق إلى الشهادة في سبيل الله عندما سمعنا أن العدو الصهيوني مصمم على منع الأسطول من الوصول إلى غزة الحبيبة بأي وسيلة ، وتصميمنا نحن على الوصول مهما كلف الأمر،وهذا سيقتضي المواجهة غير المتكافئة ماديا ، مما يعني أن فرص الشهادة هي الأكبر من فرصة اللقاء بالأحباب في غزة ، تسابقنا إلى ركوب الحافلات التي أعدتها بلدية انطاليا وسط حشد كبير من المودعين وهم يحملون الأعلام التركية والفلسطينية ويلوحون بإشارة النصر ، والبعض انهمرت دموعه ، وهو يشاهدنا متجهين إلى الأرض المباركة ، ارض فلسطين ، كان مشهدا مؤثرا ،عرفنا من خلاله أن الله قد أكرمنا بأن كنا من المشاركين في هذا العمل العظيم ، وبعد اتخاذ الإجراءات اللازمة كنت أنا ممن يصعد متأخرا إلى الطائرة بانتظار ألإذن من قبطان السفينة بأن أصعد إليها وأنا لابس الجنبية –كنت أطمع أن البسها البطل إسماعيل هنية كهدية من الشعب اليمني- وكان ممن تأخر إحدى الأخوات، أظنها سورية ، كان القلق باد عليها وتكاد تنفجر بكاء فجاءت إلي وقالت هل لديك مشكلة يا شيخ؟ فقلت لها نعم.

قالت: وأنا مشكلتي عدم وجود اسمي في الكشوفات، وكانت تخشى عدم الموافقة على صعودها إلى السفينة ،وكادت تنفجر بكاء ، فقلت لها : الزمي الاستغفار فقد قال صلى الله عليه وسلم \" من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا...\" فإذا بها تأخذ بالوصية وتكثر من الاستغفار ،والحمد لله أنه سمح لها بالصعود إلى السفينة ففرج الله همها ، وأنا أيضا تم السماح لي بالصعود إلى السفينة بالجنبية ،كونها تمثل جزء من الشخصية اليمنية ، صعدنا أسطول الحرية ، بعد أن تحررنا من قيود الأرض من قيود الأهل والزينة والمتاع ، والجذب إلى الأرض والدعة والراحة ، انه الشوق إلى الجنة ، صعدنا إلى السفينة حيث أخذ كل واحد منا يبحث له عن مكان يجلس فيه فجلسنا مع الشيخ رائد صلاح في مكان واحد وهذا ما جعلنا نستفيد منه ونشاوره في بعض الأمر، تم اختيار الدكتور محمد البلتاجي النائب في البرلمان المصري عن الإخوان المسلمين مسؤلا عن الوفد العربي الذي يتكون من اليمن وموريتانيا والكويت والبحرين والجزائر والمغرب والأردن ، وتم اختيار مندوب عن كل دولة ليشكلوا مجلس استشارة مع قائد الحملة الأخ/ بولانت والذي كان يجيد الاستماع ويحسن اتخاذ القرار.

في كل صالة بما في ذلك سطح السفينة، فتح مقصف (بوفيه) لخدمة المشاركين وسط كرم لم نشعر باضمحلاله البتة طيلة الرحلة ، بدأنا بإحياء السمر والذي كان يهدف إلى الترويح والتوعية الإيمانية ، والتعارف والتآلف ، ولأن أغلب المتضامنون من المسلمين فقد كانت المناشط المقامة مناشط إسلامية متنوعة مواعظ ، وكلمات ،و أناشيد ، واعني بالأناشيد تلك الأناشيد الإسلامية التي ترفع الإيمان في القلوب ، وتلهب الروح الجهادية في النفس، وتزيد الدافعية للبذل والتضحية ، أناشيد هدفها إرضاء الله ، وهذا هو الفرق بينها وبين الأناشيد التي نسمعها اليوم وأغلبها لم يعد سوء تنافس مادي بحت هدفه إرضاء الجمهور ،وليس إرضاء الله ، هدفه الربح المادي وليس الثواب من الله ، ولهذا لم يعد للأنشودة اليوم ذلك الأثر الإيماني في النفس سواء التسلية ، والدندنة.

الأنشودة الجامعة

كنا قد انقسمنا مجموعتين مجموعة العرب ومجموعة الأتراك وتنافسنا في الأناشيد، وكان للإخوة الأتراك ثلاثة منشدين –استشهد منهم اثنان- وكان للعرب اثنان أردني وأنا حاولت أن استعيد أيام زمان عندما كنت منشدا في معهد أبي عبيدة والفاروق فبدأت استجمع بعض الأناشيد الحماسية والجهادية والتي نحن بحاجة لها في هذا الموقف لنرفع المعنويات ،ونقوي الإيمان ، فأنشدت لهم أنشودة (أنا ثائر للهدى والرشاد أنادي الشباب الجهاد الجهاد) وأنشودة( لبيك إسلام البطولة كلنا نفدي الحمى ) إلا أن الأنشودة الجامعة والتي كان الجميع يردد مقطعها الأول هي (صلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم ) وفيها من الكلمات ما يظهر قوة الإسلام ووحدة المسلمين وعزتهم ، وقد أضفت إليها بعض الكلمات التي تناسب هكذا موقف.

فقلت فيها :

هذه غزة الحبيبة ..... هذه غزة الجريحة ....... كل من فيها ينادي ..... أين هم جند محمد ذاك أردغان ومشعل ....... صوتهم بالحق زلزل ...... حبهم في لقلب جلجل ...... إنهم جند محمد هذا بولنت –قائد الحملة – وهنية ...... وحدتهم القضية ...... إخوة في الله سوية ...... هكذا يدعو محمد يا اله العالمين ........ يا مجيب السائلين ....... رب واكرمنا جميعا ....... أن نكن جار محمد وصلاتي وسلامي ........ هي مسك لكلامي ........ هي بدء هي ختم ....... هي حب لمحمد مكافأة للأجانب كنت قد جلست مع بعض الدعاة ومنهم الأخ/ أكرم كساب مصري الجنسية مقيم في دولة قطر وكان يعمل سكرتيرا للشيخ القرضاوي وقلت لهم ان الأجانب الذين يقفون معنا اليوم في وجه هذا الحصار وان كانوا لا يؤمنون بما نؤمن به إن اليهود مغتصبون ويجب ان يرحلوا عن فلسطين إلا أنهم ينظرون من جانب حقوقي وهذا ما يجمعنا معهم وأجمل ما يجب أن نقدمه لهم ردا للجميل هو أن نعطيهم أجمل ما نحب انه الإسلام فوافقني على ذلك وكنا بحاجة إلى، مترجم وذهبت وجلست مع مراسل الجزيرة الانجليزية وهو موريتاني فعرضت عليه الأمر فرحب بعد أن سمع مني ،وقال متى تريدونني سأأتي فكلمت الأخ/ أكرم بذلك فشد على يدي، وعلى هذا عزمنا فبدأنا نقيم بعض التعارف مع الأجانب ونقدم لهم الشكر على مواقفهم وكان هذا هو بداية للتعارف ومن ثم نعرض عليهم محاسن الإسلام فيما بعد.

وأعلن إسلامه

عودة إلى الأنشودة الجامعة والتي حازت على الإعجاب لدى الجميع ،ومن شدة الإعجاب كان أحدهم لديه دف يضرب به فمن شدت الحماس ضرب الدف حتى فطره ، والعجيب أن الإخوة الأتراك كانوا ينشدون أناشيد بلغتهم ويتفاعلون ونحن نتفاعل معهم ونهتف لنشيدهم دون أن نعرف ماذا يقولون ، وهم كذلك يفعلون معنا ، إلا أنها الارواح التي تواصلت فترجمة المعاني وكشفت المشاعر، فسبحان من جعل وشيجة الإيمان هي رابطة الاتصال بيننا.وكان من ذلك التنافس والحماس والحب والوئام ، والإقبال على المواجهة بسعادة وفرح، محل إعجاب بعض الأجانب الذين كانوا يرددون معنا (صلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم ) بل كانت المفاجأة أن أحد الغربيين أعلن إسلامه وسمى نفسه محمد الفاتح ، عندما أعجب بالمسلمين المتحابين ، المتآخين ،والذين يقبلون على الموت وهم مبتسمون لا يرهبهم اليهود ولا زمجرتهم ولا تهديدهم .

مكثنا في البحر قبالة السواحل القبرصية تقريبا أربعة وعشرين ساعة في انتظار السفن القادمة من أوربا ، وقيل لنا أن إسرائيل ضغطت على قبرص فمنعت خروج البرلمانيين الأوربيين من مينائها فاخذوا يبحثون عن ميناء آخر وأظنه قبرص التركية ، بعد هذه الفترة الزمنية وصلوا إلينا وقد تجمعت السفن وبدأنا نشق عباب البحر باتجاه غزة ونحن نسير في المياه الدولية توقعنا أن نكون موازين لساحل حيفا في فلسطين المحتلة الساعة الثانية بعد منتصف الليل، فتوقعنا أن يكون الهجوم الإسرائيلي في تلك الساعة ، وللحديث بقية ان شاء الله ..