صراع الأقوياء على الغنائم في ظل الدولة الغائبة
بقلم/ نجيب غلاب
نشر منذ: 11 سنة و أسبوعين و 4 أيام
الخميس 16 يوليو-تموز 2009 07:25 م

لم تتمكن دولة الوحدة من ترميم التصدعات التي أصابت اليمن بشطريه، ولا تجاوز الإشكاليات البنيوية التي ولدها الصراع في جمهورية الشمال وجمهورية الجنوب، بل على العكس من ذلك أفرز التوحد دولة أشبه بوليد مشوه مشلول منهك مشطور إلى نصفين كان ملتحما بخيوط دستورية واتفاقيات سرية وعلنية، ولأن الدولة الجديدة لم تكن معبرة عن واقع التحولات وحاجات الواقع فقد وقعت فريسة للصراعات، توحد الناس ولم يُحكموا بدولة بمعناها الحقيقي وأنما بقوى سلطوية شطرية تقاتلت باسم الوحدة والديمقراطية فأصابت الوحدة والديمقراطية في مقتل لأنها قوى انتهازية كاذبة لم تعبر عن إرادة الناس بل عن مصالحها القذرة لا المشروعة.

وهذا لا يعني أن الإيمان بالوحدة لدى البعض لم يكن موجودا، إلا أن الإيمان بالوحدة في معمعة الصراع أختفى، وكان يبرر الفعل التدميري بالاتهامات المتبادلة وأحتواء العقلاء من خلال أقناعهم أن الوحدة لن تستمر إلا بإضعاف الآخر وقهره وإلغائه لاحقا، كان طرفي القتال يخاف من بناء الدولة لذا فقد سعوا لتدمير أبسط ملامحها، كانت الإرادات المتنازعة المزينة بالمشاريع الكبرى هي القانون والنظام، ومع غياب الدولة الكلي لصالح القوى المتقاتلة على الغنائم دخلت القوى المتنازعة أمتحان القوة.

الوحدة خيار الشعب فهزم من تجرأ على إرادة الشعب، إلا أن دولة الوحدة لم تنتصر ولم يهزم الانفصال، وأنتصر طرف سلطوي على آخر وتحولت الدولة إلى جهاز سلطوي قوي ومهيمن لكنه مائع ومشتت ولا يمتلك إرادة حقيقية لصناعة التغيير، فالتحالفات المؤسسة للشرعية ليست مهمومة بالمشروع الوطني بل بمصالحها الأنانية، وما جرى ويجري في بنية النظام السياسي حتى في الوجه المعارض ليس إلا صراع قوى سلطوية همها الأكبر هو تقاسم الثروة والقوة بمعزل عن الشعب، وشعار بناء الدولة يتناوله الجميع في فراغ فكري والحركة تدور في وحل الفساد البحيرة الوحيدة التي تبدو واضحة لكل مراقب.

بعد حرب 1994م تصارعت القوى السلطوية المنتصرة على القسمة فتمكن طرف من طرد الوجه الآخر للعملة الذي يسعى في صراعه العنيف منذو 1997م من إجل إعادة تشكيل العملة لا من أجل تغيير فاعل وحقيقي، وكل الانشطة المحمومة المعارضة تدار بذكاء للوصول إلى أتفاق لإعادة أقتسام الغنائم، حتى الحراك الجنوبي كفاعل جديد ومتطرف مازال يتحرك في فراغ فكري ويلتبسه الظلم والظلام لا الرغبة في التحرر من واقع سيء، وعلى ما يبدو أنه لا يدرك واقعه ولا واقع النظام الحاكم ولا طبيعة الصراعات الفاعلة في عمق القوى المنتجة للصراع في بنية النظام السياسي وفي بنية المجتمع اليمني شمالا وجنوبا.

والحراك مثله مثل قوى كثيرة في الساحة مازالت حتى لحظتها الراهنة إداة بيد قوى سلطوية تتنازع على تحديد معالم المستقبل، فالحراك مثلا بوجهه الميداني وحتى في حالة إتجاهه نحو العنف مثله مثل بعض أحزاب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني وصراع القبائل ليسوا إلا أداوات في صراع الأقوياء سواء في الداخل أو الخارج في الحكم أو في المعارضة.

مشكلة النظام السياسي الذي تشكل مع الوحدة والذي تشكل بعد الحرب أنه لم يتمكن من فرض القانون والنظام حتى يتحول إلى دولة، ولم يتمكن من فرض هيبة الدولة حتى بالاستبداد، ربما تنازع الإرادات وعدم قدرتها على المساومة قبل حرب 94م وسيطرة النزعة الانقلابية التآمرية على الطرفين فرض حالة من الفوضى والصراع الشامل في بنية السلطة والمجتمع وجعل مسألة بناء دولة مستحيلا فالانقسام النخبوي كان حادا وعميقا وكانت الحرب نتاج طبيعي لاندماج قوى مستبدة الفرد فيها أو الجماعة شرعية وجوده وقوته تستند على السلطة وخسرانها في واقع عالماثالثي السياسة هي مصدر الثروة والنفوذ يمثل خسارة لا يمكن تعويضها لذا عندما عجزت النخبة المنقسمة على صناعة التوافق اتجهت نحو الحرب.

كان المفترض بعد الحرب أن يتم بناء شبكة واسعة من المصالح العادلة القادرة على إسناد شرعية السلطة حتى تتحول إلى دولة، وفرض النظام والقانون حتى بالقوة القاهرة على الجميع بلا أستثناء، كان من المفترض أن تكون الكلمة الأولى بعد الحرب البشعة لمنطق الدولة، ما حصل رغم المظاهر الشكلية للمؤسسات أن القوى الفاعلة في بنية النظام السياسي لم تكن فعليا مع بناء دولة بل حاولت استثمار تغلبها لفرض مصالحها أستنادا على ثقافة القرون الوسطى، فانتصر وعي القبيلة الباحث عن الغنيمة على الوعي المدني، فاستمر غياب الدولة وأصبح الفساد سيد الموقف.

ركزت القوى المعارضة لاحقا على الرئيس مؤكده بأنه من ولد هذا الوضع وان تركز القوة بيده هي من تنتج المشاكل المختلفة وهذا التصور مبني على أوهام أفرزتها قوى الفساد واصبح شعار دعاة التغيير، فالإشكالية ليست في تركز القوة في المؤسسة الرئاسية حتى يصبح الحل النظام البرلماني، بل أن تركز القوة وحتى استبدادها بوجهه الايجابي في المراحل الأولى لبناء الدول هو الحل لا تشتتها وأنقسامها.

المشكلة لدينا أن تطور الصراع السياسي في ظل غياب الدولة بمعناها الحديث جعل تقاسم المغانم بين الأطراف المتنازعة كلها يتحكم فيها شخص واحد ولم يكن الاختلاف على الشخص فشرعيته بين القوى المتسلطة تنبع من حجم غنائمها، وأنما على طبيعة توزيع الغنائم بين الأقوياء، فعندما بدأت القسمة للغنائم تنحاز لقوى جديدة في الشمال والجنوب بدأت الحرب بين القوى المتغلبة والمهيمنة على الدولة والمجتمع تأخذ منحى صراعيا خطيرا، حتى اللحظة مازال متحكما فيه ويمكن تجاوزه كما هو واضح للعيان لا ببناء دولة العدالة والمساواة بل بإعادة القسمة بتفعيل آليات بعض المؤسسات بطريقة عادلة بين القوى المتنازعة بصرف النظر عن المصالح الشعبية، وإذا لم يتم حسم التقاسم وتوزيع الغمائم فإن صراع جديد سينفجر باسم القيم والمبادئ وباسم الشعب وحقوق الناس لإعادة تشكيل تركيبة القوى المهيمنة.

المشكلة العويصة في صراع الأقوياء أن الدعوة الدينية أصبحت هي الحجاب المزين لوجه القوى السلطوية في الحكم والمعارضة وهي القوة التي تتحرك من تحت الأرض بطريقة علنية وسرية، أي أن الصراع القادم لن يكن من أجل الغنائم فحسب بل ومن أجل العقائد وهذا المسألة بحاجة إلى تفصيل وتفاصيلها مرعبة، فالداخل باطرافه المتعددة والخارج الدولي والأقليمي غارق في هذا الصراع.

نريد صحافة محترمة

نشرت صحيفة الديار في عددها قبل الاخير مقالة سبق أن نشرتها في موقع التغيير نت وصحيفة الوطن اليوم ونُشرت في الديار بطريقة مشوهة وباسم زيد محسن السنيدي وكنت أنتظر تصحيح الخطاء في عدد هذا الإسبوع إلا أن رئيس التحرير لم يفعل شيء رغم تواصلي معه.

Ghallab_najeeb@hotmail.com