ألوديعة السعودية.. المواطن وصراع الكبار.
بقلم/ عبدالفتاح الحكيمي
نشر منذ: شهرين و 12 يوماً
الأحد 31 يناير-كانون الثاني 2021 09:09 م
 

أول ما يتبادر إلى ذهن المواطن وهو يطلع على تقرير لجنة الخبراء الدولية بشان الوديعة المالية السعودية سيعتقد أن صاروخ أسعار المواد الغذائية سيهبط بسلام ولن ينفجر فوق جمجمته.

ويبدأ تقرير الوديعة باتهامه لمسؤولين في الحكومة اليمنية في قضية غسل أموال وفساد مرتكبة.. ويقصد بهم البنك المركزي والحكومة المعنيون بالرد على صحة الإتهام من عدمه.

لكن معدي التقرير(الخبراء) يتناقضون مع أنفسهم فجأة عندما يذكرون أن ٩٠ شركة استفادت من تغطية الوديعة لاستيراد مواد غذائية أساسية ولا يوردون حتى أسماء بعضها بل ركز تقريرهم بصورة أحادية متناقضة تارة يعترفون بأمكانيات مجموعة شركات هائل سعيد وشبكتها التجارية التي تغطي كل انحاء اليمن( وهو المطلوب) لحالات الطوارئ والحرب ثم يبدأ الصراخ المفتعل(شبه ابتزاز) بالهجوم الدرامي:

 شركات هائل سعيد استحوذت على أكثر من ٤٨ % من تسهيلات الوديعة..

 هائل سعيد استغل نفوذه وتأثير علاقاته.

 مجموعة هائل سعيد تزيح التجار الآخرين من طريقها(نافسوا هائل سعيد)..

أما وواقع الحال المعيشي المزري هكذا .. كان يفترض عنونة التقرير ب((هائل سعيد وتهديد السلام في اليمن والمنطقة))!!.

يحيلنا التقرير إلى فصل المرفقات الخاصة بالوديعة السعودية.. لا يوجد فيها إسم التجار الذين يزعمون أن هائل سعيد لهف رزقهم وصادر فرصتهم..

ولا توجد أية مفاضلات في عروض استيراد المواد الغذائية الاساسية(القمح,الدقيق, الأرز , السكر , الزيت, الحليب).

 أين ذهب ضحايا السعيد الذين تنوح اللجنة بالإنابة عنهم .. وأين كشوفات تحليل ومقارنة العروض التنافسية.

لا شيء من هذا.. ولكن التقرير حشر عيال هائل سعيد وشركاءهم عنوة في اتهامات وشبهات موجهة في التقرير للبنك المركزي عدن وحكومة الشرعية.

والاعتراض على سعر الصرف التفضيلي المقدم من البنك والحكومة لتجار المواد الاساسية منذ مارس ٢٠١٩ وحتى أغسطس ٢٠٢٠ م يتفاوت بين ٤٤٠-540 .. وبعدها إلى أكثر من ٦١٠.ريال للدولار الواحد.

وكانت أسعار المواد الغذائية تنخفض أو تزيد بتأثير تقلبات أسعار الصرف في السوق وليس في البنك المركزي الذي فقد قدرته على التحكم بالمصارفة.

أما معدو التقرير فليس لديهم يقين بتهمة التحايل وغسل الأموال والفساد.. وإنما مثل بني إسرائيل تشابه عليهم البقر فما عرفوا يذبحوا من منهم .. الحكومة والبنك أم هائل سعيد أم باقي التجار الآخرين .. بينما أصحاب البقرة اضطروا إلى ذبح أفضل وأسمن ما عندهم(صفراء لونها تسر الناظرين).

يقول التقرير ضمناً أيضاً أن التجار استفادوا من تسهيلات الوديعة السعودية وفارق سعر الصرف ولم يلتزموا بتخفيض الأسعار أو فوائد البنك المركزي.

وما جعلني أتشكك من عدم دقة هذا الاتهام هو إصرار التقرير على مقارنة أسعار المواد الغذائية عند التجار المتقدمين بأسعار برنامج الغذاء العالمي والاستقرار العالمي الذي شهدته أسعار الزيوت والحبوب والسكر .

وهذه فضيحة أساء فيها أصحاب التقرير إلى الأمم المتحدة ومصداقية منظماتها.

فاليمن وعدن ومحافظات الجنوب بوجه خاص خارج نطاق وجود دولة, والتاجر الذي اشترى الدولار في الدفعة الأولى ب٤٤٠ اشتراه بعدها وفي غضون شهر وآخر ب ٥٥٠ أو ٦١٠ من البنك نفسه الذي يعاني عدم استقرار وشبه انهيار.

وهذه أزمة إدارية مستحكمة سببها ليست أزمة السيولة النقدية وحدها في البنك ولا غياب موارد الدولة فقط بل وغياب رقابة وزارة التجارة وأجهزة الضبطية وتعلل الحكومة بطردها من قبل مليشيات مجلس الانتقالي, وهي الفترة نفسها التي عطل المجلس وظيفة الحكومة منذ انقلاب يناير ٢٠١٨- وانقلاب أغسطس ٢٠١٩ .. وإلى اليوم .. وتسميم المناخ الأمني للأستثمار والتجارة.. وما فرضه ذلك من ترويع أمني لرؤوس الأموال التي فضلت عدن المغامرة في استيراد المواد الغذائية الأساسية, ما عدا شريحة بسيطة منهم تسلموا قرابة ٤٠٠ مليون دولار ضربوا بها البنك المركزي نفسه الذي منحهم تفضيلات الوديعة وضاربوا بها في أسواق العملة.. ولا إجراءات رادعة ضدهم سوى أن الحكومة حظرت عليهم تسهيلات لاحقة, ولم يستعيد البنك منهم لا فارق الصرف(الإمتياز) ولا جزاءات المضاربة بأموال الوديعة وضرب قيمة الريال الذي تسلقوا على ظهره وباسم شراء مواد غذائية للمواطنين؟؟.

وهكذا تظهر بالمعطيات أن عدم الاستفادة من بعض أموال الوديعة السعودية لأسباب إدارية وأمنية بحتة وفقدان ضمير وذمة بعض التجار..وهذه جزئية أقرب إلى غسيل الأموال وليس التلفيق على ظهر هائل سعيد الذي لم يذكر التقرير سوى اسمه رغم التزامه بتخفيض الأسعار في حينه وإيصال الغذاء إلى كل أسواق البلاد, بينما المهنية أن يستعرض التقرير كل التجار المستفيدين بالأسم.. ولا نعرف أن كان هذا التركيز لزيادة شهرة مجموعة شركات هائل سعيد أم لابتزازها(وهو مرجح جداً).

* تقرير الخبراء والخُبْرَة

وعلى طريقة المغردة ابتسام أبو دنيا قدم تقرير اللجنة الدولية حيثيات متناقضة يعرفها المواطن البسيط.. فقامت بمقارنة أسعار المواد الغذائية بما يقدمه برنامج الغذاء العالمي من قمح وحبوب مُسْوِسة شبه تالفة وزيوت وفاصوليا رديئة الجودة, والحليب تعافه القطط والكلاب والحيوانات...رفضه حتى الحوثة الجوعى مقارنة بمبيعات هائل سعيد الجيدة من المواد والسلع الغذائية نفسها.

وهذه المقارنة هي ما ينبغي الوقوف عندها وفتح ملف محاكمة عاجلة بما يقذف به برنامج الغذاء العالمي من نفايات إلى بطون اليمنيين.

وتكفي مقارنة علب الزيت الأمريكي بزيوت الطباخ أو شيف التي تنتجها مجموعة هائل سعيد وشركاه.. ولا أقول زيت كريستال الذي حاز على جائزة الجودة المصرية قبل ٢٢ عاماً .

آخر مرة وزع برنامج الغذاء العالمي معوناته قبل أكثر من عام عرضت شخصياً على مندوبهم المحلي في المحافظة عينة من القمح الفاسد استلمها مواطنون من حصتهم(الغذائية الغثائية) فأراني الرجل ترخيص جودة وصلاحية بالقمح المسوس المنخور للأستهلاك الآدمي.. وأنكر عينيه وحواسه وضميره المعطب كمثل القمح نفسه.

ويشهد الله أن معظم من التقيتهم في الطوابير قالوا إنهم يقدمون هذه الحبوب للمواشي أو يبيعونها لبعض الأفران وبعض متعهدي توالف ونفايات برنامج الأمم المتحدة الغذائي.!!.

ولا أنكر مطلقاً جودة قمح الإغاثة الذي لا يشبه حتى نخالة القمح التي تبيعها مجموعة هائل سعيد كغذاء للمواشي.

 

 مهلاً أبتسام أبو دنيا

وتتشابه صعقة المغردة الصاعدة ابتسام أبو دنيا في(الفيديوهات) مع استهداف أصحاب التقرير الأممي الأحادي الشخصي الأعمى.. كأنهما من مطبخ صنعاء ذاته.. فركز التقرير على جزئية حصول مجموعة شركات هائل على نسبة أكبر من غيرهم.. أما بنت أبو دنيا فتجاوزت التقرير بفشخات لتضيف إليهم باعتقادها أخطر معلومة مالية لم يتنبهوا لها.. فزعمت أن شركات هائل سعيد تبيع كيس السكر عبوة ٥٠ كيلو في مناطق سيطرة حكومة الشرعية بسعر خيالي ٣٦ ألف ريال أي ٧٢٠ ريالًا للكيلو.. الأمر الذي لم يحدث مطلقاً لا من المجموعة أو غيرهم من تجار السكر .. لكن البعض استغل براءة هذه المرأة في الزفة في الظاهر.

ويتراوح سعر كيلو السكر في عدن, لحج, أبين, حضرموت , شبوة المهرة, تعز منذ منتصف ٢٠١٨ م وحتى أغسطس ٢٠٢٠م وإلى الآن بين ٢٥٠ إلى ٤٠٠-500 ريال.. وهذا الأسبوع صعد فجأة ٥٠٠ ريال بعد أن هبط سعر الكيلو غرام فجأة أيضاً بعد تشكيل الحكومة إلى ٣٠٠ ريال ل٣ أسابيع فقط لينطلق بتصعيد المليشيات خطاب الوعيد والكيد إلى ٥٠٠ ريال.

وتراوح سعر كيس السكر طوال أكثر من عامين إذن بين ١٥ إلى ٢٥ ألف ريال بالتدريج .. ويشكل غياب أي دور لحكومة فاعلة (غائبة) ومليشيات عابثة في الجنوب ٣٠% من أسباب تدهور قيمة العملة وغلاء المعيشة وارتفاع الأسعار القاتل.

وابتسام أبو دنيا التي تُضَيِّق عليها مليشيات الحوثي لمواقفها الشجاعة تجاه عنصريتهم أطلقت عدة فيديوهات مؤخراً خلطت فيها محمود جحاف وشلته وعبدالملك وزبانيته وجحفت معهم باندهاش مريب هائل سعيد من جيز الناس(مع الجماعة رحمة) ولعلها ندعت الأسعار دون المامها بمعلومات بديهية تؤثر كثيراً على مصداقية معركتها حامية الوطيس مع فضيلة الملا حسين المراني وأغاني فؤاد الكبسي والجسدي وتحريم عمل النساء خارج المنزل وأكل عيش.. فتخصم المغردة الصاعدة من شعبيتها لتلفيق معلومات تنهش لحم غيرها بالباطل.

* *

ولا نقول أنه لا منافس لبضاعة هائل سعيد الغذائية المستوردة أو المنتجة في مصانعه, فهو ينافس في بعضها.. ومقارنة معدي التقرير لها مع معونات برنامج (الغثاء العالمي) ترقى إلى جريمة ضد الإنسانية في عواقبها, وليست في صالح هيئة أممية تدعو إلى الفضيلة والنزاهة.. فلم يقبل الحوثيون البضاعة على مجاعتهم التاريخية, ورضخ برنامج الغذاء لاستبدال معظمها بمساعدات مالية نصفها بأسماء وهمية وكشوفات مزورة بعلم المنظمة.!!.

* *

لنفترض حسن نية معدي التقرير وأنهم أرادوا الترويج لمجموعة السعيد التجارية وليس مجاراة مراكز قوى ومنافسين فإن حجم المناطق التي تغطيها مجموعة هائل سعيد في شمال البلاد وجنوبها والكثافة السكانية وطبيعة المهمة الطارئة زمن الحرب تفترض بيوت خبرة وأساطيل من الآليات والبشر تتوفر عند المجموعة أكثر من غيرها من المتباكين ومن ضارب بالعملة التي تسلمها بتسهيلات من البنك ولم يستورد الغذاء إلى اليوم؟؟ ..

وهل يركن على صاحب كشك تجاري عمره سنتان أو خمس سنوات بتغطية مناطق شاسعة وضمان استفادة غالبية الناس..  

لم نسمع أي شهيق أو زفير قرابة عامين عدا الكولسة والبَعسسة وتربص غير القادرين على منافسة الكبار الشريفة الا بنسج المكايد والوشاية الخفية في دهاليز وأروقة لجان الأمم المتحدة وهيئاتها بدون أية أدلة إدانة حقيقية ضد خصومهم الافتراضيين سوى الحسد وتمني زوال النعمة وتصفية حسابات بين محافظي البنك المركزي السابقين واللاحقين.

والغريب المريب أن التقرير الأممي يشير إلى حصول شركات هائل سعيد على ١٩٤ مليون دولار كمكسب تجاري من أصل ٤٢٣ مليون .. ولم يشر التقرير الى باقي المبلغ ٢٢٩ مليون دولار ولا من هم التجار أو الشركات المستفيدة منها وحصة كل جهة أو تاجر من الشركات الأخرى المستفيدة التي ذكرها التقرير .. هل بدأت خيوط الاستهداف الشخصي والمكايدات تتكشف .. المتابع هو الحكم..؟؟!! 

أما الإطار العام للملاحظات المالية بالتقرير فيما يخص الوديعة السعودية فهو عائم لا يتطرق إلى طبيعة الاختلال الإداري والأمني الجسيم في ما وصلت إليه ليس الوديعة السعودية المحدودة(القرض) بل لم تتطرق إلى تأثير عرقلة المليشيات في الجنوب على مهام وأعمال الحكومة ومظاهر تهاوي الأوضاع المعيشية والاقتصادية والعملة الوطنية.

ويبقى لا مفر أمام مسؤولي البنك ورئاسة الحكومة الدفع عن أنفسهم اتهامات بهذا الحجم أضرت بمصالح الناس الذين يزعم التقرير الدفاع عن حقوقهم دون خطوات اغاثية عاجلة لسريان الوديعة المالية الجديدة تقي المواطن مساوئ إقحام معيشته في مساومات ومضاربات خفية بين طواهيش الداخل والخارج.