الكارثة الحقيقية!
بقلم/ محمد السياغي
نشر منذ: 12 سنة و 3 أشهر و 18 يوماً
الأربعاء 12 نوفمبر-تشرين الثاني 2008 08:34 م

مع التسليم بقضاء الله وقدره خيره وشره، وعظيم قوته وجلاله قدرته سبحانه، وما دمنا مطالبين بقول الحقيقة على مرارتها، فأنه لا بد لنا من القول : أن الكارثة الحقيقية ليست في السيول والإمطار التي ضربت المناطق الشرقية بكل تداعياتها المؤلمة والمؤسفة.. الكارثة الحقيقة أن نكتشف كم نحن مجتمع بائس ساذج، يركن على زمرة من اللصوص والمعاقين والشحاذين، أن تمر أربعة ايام على وقوع الكارثة، وما يزال ثمة تجمعات سكنية صغيرة محاصرة وأخرى معزولة، وثالثة مغمورة بمياه السيول !

الكارثة الحقيقة ليست فيما خلفته السيول من أضرار فادحة في الأرواح والمساكن والممتلكات "والبنية التحتية" مع افتراض أنه كان هناك بنى تحتية حقيقة، بقدر ما هي في أن يجد المواطن البسيط منا نفسه في بلد مفتوح على كل الاحتمالات، ولا تجد فيه ثمة من يكلف نفسه من المسئولين حتى مجرد التفكير في التحسب للاحتمال! أن لا تجد فيه وحدة طوارئ وطنية حقيقية على قدر عال من الكفاءة والجاهزية، تمتلك من الإمكانيات والصلاحيات والقدرات ما يمكنها من التدخل العاجل والسريع والفوري، لتقدم جهود الانقاذ والإغاثة والمساعدة للمنكوبين والمتضررين!

أن يتم الانتظار إلى أن تقع النكبة، تماما كما حدث في المناطق الشرقية، في الوقت الذي تقف فيه الأجهزة الحكومية المعنية عاجزة ومشلولة عن القيام بدورها وواجبها، إلى أن يخرج أكبر مسئول في البلاد -رئيس الجمهورية- ويصدر توجيهاته بتشكيل لجنة طوارئ، ويعلن المناطق الشرقية مناطق منكوبة! وبما يوحي انه لولا خروج الرئيس لظل الأمر على حالة!

الكارثة الحقيقة أن يكون لدينا مركز وطني "كسيح" للأرصاد، أثبت مدى عجزه وضعف إمكانياته وقدرات من فيه، وبدلا من العمل على مراقبه حالة الطقس والمناخ ومتغيراته عن كثب ليل نهار والإعلام بناء على معلومات دقيقة، لا تقديرات وهمية، يذهب لإطلاق التحذيرات بين الحين والأخر بمبرر وبدون مبرر، إلى درجة فقد معها مصداقيته، وغط في نوم عميق مع وقوع الكارثة!

الكارثة الحقيقية أن يعلن رجل بحجم رئيس الجمهورية عدم حاجتنا كبلد فقير للمساعدة من أي بلدان في العالم من باب الإعلاء والإكبار لهذا الشعب العظيم والانتصار لكرامته التي مرغها البعض في الوحل، بينما يأتي مسئول بمستوى نائب رئيس الوزراء للشئون الداخلية ليكشف مدى التناقض والإرباك والفوضى الحاصلة، بدعوته في أحدى التصريحات الدول الصديقة والشقيقة "سرعة تقديم المساعدة والمعونات لليمن والوقوف إلى جانبه في محنته"!البلد الذي فيه من الخيرات والمقدرات والإمكانيات الطاقات والثروات ما يكفيه ويمكنه من مواجهة نوبات الدهر ونكباته فيما لو كان القائمون عليه مخلصي وصادقي النية وغير فاغري الأفواه والكروش على كل ما هو مشاع للسرقة والنهب!

 أن تتحول كوارثنا ومصائبنا ونكباتنا الإنسانية إلى مجرد مشروع رخيص للارتزاق و"الشحت" واستجداء الدعم الخارجي في السراء والضراء، أن يجيد البعض منا استثماره وتوظيفه في تحقيق أهداف ومصالح ذاتيه دنيئة؛ أن يسارع الجميع في اليمن لتلبية نداءات الاستغاثة والنجدة والمساعدة من إطراف اليمن حتى إطرافه كل حسب قدراته وإمكانياته، مجسدين بقوافل الإغاثة التي هبت من مختلف محافظات الجمهورية، اصدق معاني التكافل والتراحم الذي عرف به اليمانيون على مدى تاريخهم الطويل، فيما ما تزال الكثير من تلك المعونات والمساعدات من واقع الزيارة الميدانية تراوح في مكانها حتى اللحظة بين مرحلتي الاستلام والتكديس في المخازن وأعداد الكشوفات من قبل اللجان الميدانية المكلفة قبل أن يتسع نطاق حدود تلك المساعدات لتشمل الخارجية منها والمقدمة من قبل عدد من الدول الشقيقة والصديقة!

الكارثة الحقيقة أن تكتشف من واقع الاطلاع والزيارة الميدانية أن المبادرة الأولى في عملية الإنقاذ والمسارعة في تلبيه نداءات واستغاثات الأسر المنكوبة ترجع لإحدى شركات النفط الفرنسية العاملة في المنطقة عبر تحريكها لمروحياتها الخاصة، في حين لم تصل جهود الإنقاذ الحكومية إلا في اليوم الثالث، حسب تأكيدات الأسر المنكوبة!

              أن يبقى الانتظار بكل قسوته، والكثير من علامات الاستفهام المريرة والمحيرة، هي لسان حال الكثير من الأسر المنكوبة عن جهود الإغاثة والمساعدات الحكومية التي يؤكد الكثير منهم عدم وصولها حتى ألان، بينما تبقى الساحة في المناطق المنكوبة، خالية إلا من عمل بعض الجمعيات الاجتماعية والخيرية الوطنية المستقلة منها والحزبية ممن تسعى إلى تمرير برامجها الدعائية في وقت يسبق التحضير والإعداد لعملية الانتخابات النيابية المرتقبة، فيما المؤتمريون وفلولهم وأنصارهم يغطون في سبات عميق!

         أن ترى جهود جبارة تستحق الشكر والثناء لبعض المنظمات الاجتماعية والصحية الأهلية الاجتماعية الخارجية، التي "من فرط ثقتها" في مسئولينا، فضلت الإشراف بنفسها على توزيع المعونات وتقديم المساعدات المختلفة بنفسها خاصة المقدمة من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ودولة الكويت الشقيقة! فيما لا ترى أي جهد يذكر لمنظمات ومؤسسات المجتمع المدني المنتشرة كغثاء السيل، ولا هم لأصحابها سوى تحصيل المساعدات الخارجية باسم الحقوق والحريات!

     الكارثة الحقيقة أن تنصب جهود الجهات الحكومية حاليا –حسب قولها- في عملية أعادة بعض الخدمات الأساسية للمناطق المنكوبة ، في حين يؤكد واقع الحال أن الكثير من الخدمات كالمياه وشبكة الطرق والمواصلات وتعطل شبكات الصرف الصحي وغياب مستوى النظافة وتكدس الكثير من جثث الحيوانات النافقة عند مداخل المدن والقرى، بما جعل المنطقة برمتها مرشحة لكارثة بيئية حقيقية لا يمكن لأحد تصور نتائجها مستقبلا!

  أن يتعرض أي منا لنكبة وكارثة مفزعه كالتي حصلت في حضرموت والمهرة، يفقد على إثرها عزيز أيا كانت صلة قرابته، ويشرد فيها وجميع إفراد عائلته من منازلهم وديارهم التي كانت تقيهم من الحر والبرد، ولا يحلم بأكثر من مجرد خيمة بائسة يتم تنصيبها في العراء، ويكون مطالب وأفراد عائلته بأن يسكنوها إلى اجل غير مسمى، مع أن مسئول من المسئولين لن يرضى لنفسه وأفراد عائلته السكن في مثلها فيما لو كان في مكان أحد المنكوبين!

      أن تكون الخيام والمدارس في زمنا كالذي نعيشه، هي حدود ما تستطيع حكومتنا تقديمه لأسر منكوبة لا حول لها ولا قوة، مع أن الخيام لم تعد تقدم حتى لمجرد من يندرج وصفهم بلاجئين من خارج البلد، فما بالنا بمواطنين يتمتعون بكامل حقوق المواطنة! أن تكون الكثير من المدارس التي باتت اليوم مراكز إيواء للمتضررين، ومستقبلها ومستقبل من يستظلون اليوم تحت سقفها من المنكوبين، بل ومستقبل من كانت تجمعهم صفوفها من طلابنا تحت لواء طلب العلم والمعرفة مفتوح على كل احتمال وتوقع تسكنه لحظات الانتظار بمرارتها!

أن تخرج امرأة بسيطة تعرف "بأم اليتامى" من أحد فصول مراكز الإيواء لتهمس في أذني قائلة :" ما يحز في نفسي يا أبني أنني جالسة هنا منذ وقوع النكبة وحتى اليوم بنفس الثياب ولم أغير ملابسي"! وأخرى لم تجد ما تأكله لترضع طفلها حديث العهد! ومآسي كثيرة لا تحتمل.        

         أن تصبح مدينة مثل مدينة شبام حضرموت بقصورها ومبانيها الشامخة العوالي مهدده بالزوال، فيما يخرج مسئول بحجم وزير الثقافة هو المسئول الأول والمباشر بالحفاظ على المدينة لدعوة المنظمات الدولية، ممن وصفها في تصريحات صحفية" بالمعنية بالحفاظ على التراث الحضاري الإسهام في إنقاذ مدينة شبام حضرموت التاريخية والحفاظ على هويتها التاريخية وطابعها المعماري الفريد الذي تأثر جراء كارثة الفيضانات"! أن تبدو مدينة كهذه للزائر أشبه بقرية نائية في بلد قصي، ظلت لسنوات طويلة ترزح تحت الإهمال والعبث، لدرجة جعلتها اليوم وكأنها بمعزل ومنأى عن كل ما يوحي بأي اتصال أو ارتباط أو نفس حضاري وثقافي يمكن له أن يعكس نفسه على المدينة والاهتمام بها وعلى سكانها! 

الكارثة الحقيقة إن يكون هناك رئيسا للبلد يظهر الصدق وإلا خلاص في التعامل مع أبناء هذا الوطن سعيا لكسب ثقتهم، فيما توجد حاشية تعمل في الخفاء على نسف كل تلك الجهود وإبطال مفعولها ما يفتح الباب على الكثير من علامات الاستفهام على نحو : أين مشروع تأهيل مدينة شبام رصفها وترميمها والحفاظ عليها الذي ما أكثر ما سمعنا جعجعته ولم نرى له طحينا حتى اليوم؟! أين الإجراءات العاجلة في بناء المدن السكنية الجديدة للأسر المنكوبة بما يجنبهم من البناء العشوائي في مجاري السيول؟ أين مبدأ الثواب والعقاب ومحاسبة المسئولين بدون استثناء وعلى رأسهم المسئولين عن تأخير جهود الإنقاذ ووصول المساعدات والمعونات الاغاثية للأسر المنكوبة حتى اليوم؟ المسئولين عن تنفيذ شبكة الطرق والري والمواصلات والصرف الصحي .. الخ في حضرموت والمهرة بتلك الطريقة التي كشفت بدائيتها وعشوائيتها وغياب التخطيط والدراسة لجغرافية الأرض كمجاري للسيول؟

....................//

Mohamed.sayagi@gmail.com