تونس رغم الداء والأعداء
بقلم/ محمد كريشان
نشر منذ: 8 أشهر و 3 أيام
الأربعاء 16 يناير-كانون الثاني 2019 08:00 م
 

لن أنظر سوى إلى نصف الكأس الملآن، بل وقد يكون الملآن أكثر من النصف قليلا!! هكذا قررت عن سابق إصرار أن أكتب هذه المرة عن تونس في عيد ثورتها الثامن.

كــتب الكثير طوال هذه السنوات الثماني عن أن تونس حققت كذا وكذا ولكن ينقصها كذا وكذا، وكتب الكثير كذلك عن أن الثورة التونسية نجحت هنا ولكنها أخفقت هناك وكل ذلك حقيقي. مع هذا، قررت ألا أكتب هذه المرة إلا عما يدخل البهجة إلى النفوس ويغيظ أعداء كل تغيير ديمقراطي. لقد استطاع هؤلاء، وإعلامهم في الداخل والخارج، عن حسن نية أو بدونها، أن يضخ من عناصر الإحباط التي تريد أن تقول، وقد قالت فعلا: ليتكم تركتم بن علي وجماعته!!!

هناك من تحدث عن السلبيات من باب الحرص على جمالية استكمال مشهد الانتقال الديمقراطي في تلك الربوع، لكن غيرهم فعلها من باب تثبيط العزائم والقول لشعوب كثيرة رزحت، وما زالت تحت نير الاستبداد والفساد، أن ظلوا على خنوعكم واحمدوا ربكم على ذلك.

من باب رد كيد الكائدين وإغاظة المشككين، لا الحريصين الغيورين، أقول إن لتونس الكثير مما يجعلها تزهو به في هذه السنوات الثماني. ولنبدأ:

ـ أول ما ظفر به التونسيون هي نسائم الحرية التي تهب على كل البلاد بطولها وعرضها. حرية الصحافة والرأي والتعبير والضمير، الحرية التي دفع ثمنها السوريون مئات الآلاف من الشهداء أن يظفروا بها للأسف. حرية أن تقول رأيك في رئيس الدولة والوزراء والسياسات والثقافة والدين والمرأة والجنس دون أن تخشى الملاحقة والتشهير والسجون. الحرية التي يتمناها كل شعب سئم النظر إلى ولاة أموره على أنهم أنصاف آلهة.

ـ انتخابات غير مزورة تشرف عليها هيئة مستقلة أمنت التداول السلمي على السلطة بكل تحضر، جاء رئيس وذهب آخر، فاز حزب بالانتخابات الأولى ثم تراجع مركزه في الانتخابات التي تلتها، تداول الرؤساء ومعهم رؤساء الحكومات على المنصب دون أن يقول حزبه أو جماعته: فلان أو نحرق البلد. هذه الانتخابات التي يتمناها كل شعب عربي دون أن يظفر بها، وإن جرت فهي لا معنى لها طالما ستؤمن للرئيس وحزبه الـــ 90 ٪ المعهودة.

ـ جيش ملتزم ثكناته حريص على سلامة البلاد وأمنها دون أن يسيل لعابه للأدوار السياسية ودخول معترك ليس مؤهلا له. وحتى حين سئم التونسيون من بعض الممارسات السياسية ومن فوضى طبعت بعض مناحي الحياة وبدأت بعض الأصوات تلمز أو تستدعي المؤسسة العسكرية للتدخل، مستقوية بأطراف عربية تدفع في هذا الاتجاه، على غرار ما حصل في مصر، باءت محاولاتهم بالفشل وتاهت صرختهم في الوادي.

وعي مجتمعي متزايد بضرورة تحقيق العدالة الاجتماعية بين مختلف مناطق البلاد وإنصاف مناطق وفئات لم تحظ سوى بالنزر القليل من أي تنمية وطنية طوال ستين عاما من الاستقلال

ـ مجتمع مدني حي وحيوي بأحزابه واتحاداته ونقاباته وجمعياته المختلفة بحيث لم يعد بالإمكان تشكيل المجتمع على هوى السلطة كما تريد. لم يعد المجتمع صدى لما يريده الحاكم، وكأنه كورال أطفال، وإنما تحول إلى سلطة قائمة بذاتها تتفاعل بالقبول والرفض والتصدي لكل قرارات الشأن العام التي لم تعد محتكرة من قبل فئة قليلة ترى نفسها الملهمة والوحيدة المهتدية.

ـ نخبة سياسية تخلصت، في معظمها، من عقدة الإسلاميين التي سمّمت لعقود وما زالت حياة عدد من الأقطار العربية. لقد أصبح القبول بهم عموما جزءا من المشهد السياسي للبلد أمرا واقعا. في المقابل عدّلت هذه الحركة الكثير من بوصلتها حتى لا تكون نشازا منفـــّرا في المجتمع، وهو جهد محمود ومتواصل وإن تخلف عنه دعاة العنف والإرهاب الذي يجمع الكل على ضرورة التصدي لهم بلا هوادة.

ـ وعي مجتمعي متزايد بضرورة تحقيق العدالة الاجتماعية بين مختلف مناطق البلاد وإنصاف مناطق وفئات لم تحظ سوى بالنزر القليل من أي تنمية وطنية طوال ستين عاما من الاستقلال. وقد اقترن هذا الوعي الذي تجلى في مناسبات عديدة وفي مبادرات خيرية مختلفة بعزم قوي على محاربة الفساد وإنشاء هيئة وطنية مستقلة لمكافحته لوضع حد نهائي للثراء غير المشروع واستغلال النفوذ وصولا يوما ما وبالتدرج إلى أكبر قدر من الشفافية والمحاسبة ومنع الإفلات من العقاب عبر جهاز قضاء مستقل فعلا.

إذا نظرت إلى أي مكسب من هذه المكاسب فستجد أن بين كل واحد منها وبين شعوب عربية تواقة إلى غد أفضل مسافة قد تكون فلكية أحيانا للبعض منها على الأقل. وعندما تجد أن هذا كله تحقق رغم كل لوبيات الشد إلى الوراء في الداخل، ورغم توق بعض الأوساط لمشاريع شمولية إسلامية أو يسارية، ورغم خلط الكثيرين بين الدولة القوية والدولة المستبدة، ورغم تخاذل معظم الدول العربية والغربية عن مد العون لتونس حتى يشتد عود التجربة الوليدة، ورغم محاولات بعض الجهات إغراق تونس في أتون الفوضى والإرهاب لإفشال تجربتها للصراخ لاحقا أن العرب لا يقادون إلا بالهراوات والرصاص، ورغم الأزمة الاقتصادية الخانقة التي فتت في حماسة فئات معينة للتغيير الديمقراطي.

عندما تجد أن كل هذا تحقق في ثماني سنوات فقط.. بعد عقود من الاستبداد في عهدي الرئيسين بورقيبة وبن علي… هل هو قليل؟! لا أبدا.

*كاتب وإعلامي تونسي