المقاومة تنتصر على الصهاينة والتطبيع أيضا
بقلم/ إحسان الفقيه
نشر منذ: أسبوعين و 6 أيام و 21 ساعة
الإثنين 19 نوفمبر-تشرين الثاني 2018 09:19 م
 

تظل الكلمات العميقة في الذاكرة كنَدْبَةٍ على الجسد وإن سقط قائلها في مجرى النسيان، فنرددها في يُسرٍ يتناقض مع صعوبة استذكار نِسْبتها.

 “إسرائيل احتلت الدول العربية، وتحاول احتلال فلسطين”، هي إحدى العبارات التي حُفرت في ذاكرتي، وظل معناها حاضرًا في عقلي، وعبثًا حاولتُ تذَكُّرَ قائلها، وجدتُها ماثلة أمامي اليوم، بعد انتصار المقاومة في التصعيد الأخير، ولذي أحدث زلزلة في حكومة الاحتلال، أدت إلى استقالة وزير الدفاع ليبرمان.

نعم، الكيان الإسرائيلي احتلّ الدول العربية، ولا أدلّ على ذلك مِن حُمّى التطبيع التي أصابت الحكومات في شتى المجالات، وبعد أن كانت الأنظمة العربية في السابق تتبارى في رفع شعارات القضية الفلسطينية لاكتساب الدعم الشعبي، مرّت بحالة من الصمت المخزي والتطبيع المستتر، إلى أنْ استقر بها المقام في أوحال التطبيع العلني الصريح الوقح.

ونعم، الكيان الإسرائيلي يحاول احتلال فلسطين، فشعبٌ يُناضل ويكافح عدوه بكافة أشكال المقاومة لا نستطيع أن نصفه بالشعب المُحتل، وإلى الآن لم يستطع الصهاينة فرض سيطرتهم الكاملة على الأراضي الفلسطينية، فلا يهنأ لهم عيشٌ وفي أرض فلسطين براكين تغلي.

المقاومة قد أثبتت نُضجها وحُسن إدارتها للصراع، وجعلت من هذه الساعات التي ردّت فيها بحزم على الاحتلال منصةً للرسائل:

 

رسالة إلى العدو الصهيوني بأنها قادرة على تنويع الضربات، تضرب حافلة عسكرية، تقصف المستوطنات، تستهدف مصانع، تحبط عمليات خاصة، حقيقة أنها طورت من إمكاناتها وقدراتها العسكرية وأدخلت أنواعًا جديدة من الصواريخ، وأن ترسانتها الصاروخية بلغت حدًا مخيفًا للعدو.

وهي رسالة أيضًا إلى العدو بأن المقاومة التي لم تستخدم سوى سلاح واحد (الصواريخ) – بدون أن تستخدم سلاح الأنفاق ولا الكوماندوز البحري ولا طائرات الأبابيل المُسَيّرة- سوف تُكبِّده خسائر فادحة، إذا ما تم توسيع دائرة التصعيد، أو فكّر جيش الاحتلال في مهاجمة القطاع.

ورسالة إلى الفلسطينيين في مسيرة العودة، بأن لهم قوة ردع تستطيع الرد على أي أعمال عدوانية تصدر عن جيش الاحتلال، وقد جاء الرد في توقيت أكثر من جيد.

إذ أن فعاليات مسيرة العودة التي دخلت شهرها الثامن تحتاج إلى حدث يُضرم في هِمّتها النيران، بما يضمن استمرار الحماسة في مسيرات العودة.

وهي رسالة إلى الجميع بأن فصائل المقاومة الفلسطينية على وفاق، وأنها وقت الأزمات تتجاوز كل أشكال الخلاف من أجل الصالح العام للقضية، حيث شكّلت الفصائل غرفة عمليات مُشتركة لإدارة الصراع مع العدو.

لكن أقوى الرسائل التي بثّتها المقاومة الفلسطينية في هذا الظرف كانت للمُنبطحين العرب الذين رفعوا لواء التطبيع العلني، بأن عدوى التطبيع لم ولن تمتد إلى الفلسطينيين، وأن هذا الشعب سوف يناضل وإن تخلّى عنه أهل الأرض جميعًا، وأن المقاومة خيار استراتيجي.

نعم، ربما تُناور فصائل المقاومة أو تجنح للتهدئة، لكنها لن تهدر هذا الأصل على موائد المفاوضات التي يديرها القاعدون والمتخاذلون.

لقد كان تصريح رئيس حركة حماس في غزة يحيى السنوار حاسمًا في الرد على المُطبعين عندما قال: “افتحوا لهم عواصمكم، أما نحن هنا في غزة فسنفتح عليهم النار”.

هو ردّ على الحكومات التي أطلقت منابرها الإعلامية للترويج للتطبيع مع الاحتلال، فانبرى من الإعلاميين من يبتهل إلى ربه كي يسدد رمي الصهاينة على فصائل المقاومة في غزة، وآخر يدعو إلى أن يخطُب زعيمه في الكنيست، وغيره يُجرّم المقاومة ويصفها بالإرهاب لأنها تنال من الإسرائيليين الأبرياء.

وكأننا بصدد ذاكرة تاريخية جديدة سقط منها تدفُّق الصهاينة إلى أرض ليست لهم اغتصبوها عنوة وبقوة السلاح وأن جميعهم محاربون.

لقد صار التطبيع العلني مع الصهاينة أمرًا تشيد به حكومة الاحتلال ذاتها ولا تخفيه، وكان آخر مظاهره ذلك التصريح العجيب الذي شارك به الإعلامي والأكاديمي الإسرائيلي إيدي كوهين في برنامج على قناة “فرانس24” عربي، تعليقًا على العدوان الأخير على غزة، حيث وصف السيسي بأنه صهيوني أكثر منه، وأنه يكره حماس ويحاصرها أكثر من كرهه للإسرائيليين.

لم يذهب الرجل بعيدًا عن الحقيقة، بل دعّم المصطلح الرائج (صهاينة العرب)، وإن قيل إن الهدنة التي أوقفت التصعيد بين المقاومة والإسرائيليين جاءت بوساطة مصرية، فإن الأظهر أنها جاءت لصالح الإسرائيليين، ولو أراد النظام دعم قطاع غزة لفتح المعابر التي يجثُم عليها ويخنق القطاع بإغلاقها.

 

لقد أصبح الإعلام الإسرائيلي يُروج لنفسه من خلال أقوال المُطبعين العرب وأذنابهم، حتى أنهم يترنمون بحديث الفنان المصري عادل إمام، الذي حقّر فيه من شأن المقاومة التي تصنع صواريخها في الورش، وسخر من قادة حماس وذكر أنهم يتخذون قراراتهم وهم جالسون في الجاكوزي على حد قوله، بينما يشيد بالاحتلال ويعتبره دولة مُنظمة وأنها إذا قالت سأفعل فإنها تفعل.

هناك إصرار عجيب من معظم الأنظمة العربية على إقناع شعوبها بضرورة جعْل العلاقات مع الصهاينة طبيعية، وتُبشّر بعهد جديد من التعايش السلمي بين العرب والإسرائيليين.

يذكرك بمقولة الأسد الخائن “سكار” في رائعة والت ديزني (الأسد الملك)، بعد أن غدر بالملك مستعينًا بالضّباع، فبشّر بعهد جديد يتعايش فيه صاحب الأرض والمغتصب معًا تحت راية سلام مزعوم.

على الرغم من السعي المحموم لتلك الأنظمة لإلغاء مركزية القضية الفلسطينية في الأمة، إلا أن التصعيد الأخير كشف الهوة الواسعة بين الحكام والشعوب حيال هذه القضية، حيث ظهر التفاعل العربي الإسلامي قويًا مع المقاومة.

 

لن نحلم ونقول إنه ينبغي على الحكومات العربية دعم المقاومة الفلسطينية، ولكن على الأقل لا تقف ضدها، ولا تضع العراقيل أمامها، وكان يمكن لتلك الحكومات وخاصة الحكومة الفلسطينية استثمار حِراك المقاومة على طاولة المفاوضات، فلم يعهد على الاحتلال أن طأطأ رأسه للعرب، إلا بعصا المقاومة الفلسطينية.

وما عجزت القيادات السياسية عنه طيلة سنوات، تُحققه صواريخ أبطال المقاومة في ساعات، لكنها النظرة المألوفة، كل منهم يرى أن الحفاظ على عرشه مرهون بالتطبيع مع العدو الصهيوني “فتى أمريكا المُدلل”، ومن ثم لا يتورع معظمهم عن شيطنة المقاومة ووصفها بالإرهاب.

 

أحلام الآخرين ذهبت أدراج الرياح طيلة عقود، لكن المقاومة قالت كلمتها وأكدت على مبدأ، لا يفل الحديد إلا الحديد، وبدّدت التكهنات والتخرُّصات وأضغاث الأحلام على مذهب أبي تمام:

السيف أصدقُ إنباءً مِن الكُتبِ   في حدِّهِ الحدُّ بين الجدِّ واللّعِبِ

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.