فكروا خارج «علبة القنوط»
بقلم/ د. محمد جميح
نشر منذ: 4 أشهر و 21 يوماً
الجمعة 20 يوليو-تموز 2018 03:09 م


مع انهيار مدننا العربية على وقع ضربات الروس والأمريكيين والإيرانيين والإرهابيين، يجد العربي روحه تنهار قطعة قطعة، ومع وصول الدمار إلى قاع تلك المدن، وصل الوجع إلى عمق تلك الروح الحائرة بين ماضيها وحاضرها، بين حاكمها ومحكومها، بين دينها ودنياها، أو لنقل بين نكبة أندلس قديمة، ونكبة فلسطين حديثة ونكبات معاصرة لفلسطينات جديدة. 
كان المتنبي يقول:
رماني الدهرُ بالأرزاء حتى
فؤادي في غِشاءٍ من نِبالِ
فصرتُ إذا أصابتني سِهامٌ
تكسَّرت النِّصالُ على النِّصالِ
هناك بالطبع آثار نفسية وروحية وذهنية لهذه الحروب المتعددة الملامح والأهداف والآثار. ومع كل هذا الدمار، بدأت بعض الكتابات الأقرب إلى «نزوة عاطفية» منها إلى التحليل التاريخي أو الاجتماعي، التي تتحدث عن اندثار العرب كأمة، أو تحلل مجتمعاتهم إلى مكوناتها القبلية والطائفية والعرقية، وهو ما يعني تحول تلك الكتلة البشرية إلى شعوب غير متجانسة مع انهيار روابطها الثقافية والاجتماعية.
ومع توسع آثار الحرب على مستويات مختلفة، ومع ظهور بعض التشوهات الأخلاقية والدينية والذهنية والنفسية على كبار وصغار ونساء ورجال، في شعوب ما بين المائين، فإن حقيقة الحقائق الماثلة هنا تكمن في أنه سبق أن مرَّت على تاريخ هذه الشعوب أحداث كبرى، استطاعت تجاوزها، من دون أن تندثر كما حدث لأمم أخرى. هذا بالطبع ليس كلاماً إنشائياً ولكنه يندرج ضمن الحقائق الثابتة التي يعرفها الضالعون في فلسفة التاريخ وعلوم الأنثروبولوجي ودراسة الحضارات.
لا شك في أن هناك ضرباً من اليأس وحالة من القنوط تلبست الكثير من العرب في إمكانية الدخول إلى «روح العصر» مع الاحتفاظ بـ»روح الأمة»، التي تتشكل من تلك الشعوب، لكن ما لا يدركه اليائسون هو أنهم إنما وقعوا في «حفرة القنوط» لأنهم لا ينظرون إلى أبعد من حدود اللحظة الراهنة، في ما أنهم لو رفعوا رؤوسهم قليلاً، وخرجوا بتفكيرهم خارج «علبة القنوط» تلك، لرأوا أن التاريخ أكبر من سبع سنوات، وأن العرب أكثر من آلاف يتقاتلون هنا أو هناك، وأن المدى أوسع من حفرة القنوط.
إن أهل الحكمة الذين قرروا قديماً أن أحلك ساعات الليل هي الساعة التي يليها الفجر مباشرة، هؤلاء لم يقولوا ذلك جزافاً، والذين يسعون اليوم عبر وسائل الإعلام والكتابات ووسائل التواصل الاجتماعي إلى إعمال معاول الهدم الفكري والعاطفي والاجتماعي في النسيج العربي لن يصلوا إلى الروح الكامنة، التي ربما يخيل لهم أنها ماتت، لكنها بالفعل كامنة تحت ركام المدن المحترقة لتخرج، كما يخرج المعدن النفيس من النار، وقد تخلص من شوائبه الرخيصة، وكما ينجلي الخريف عن الأوراق الضعيفة المتساقطة، ليبقى الجذع قوياً مبشراً بالمواسم المقبلة.
هذا ليس كلاماً إنشائياً، هذه حقيقة كونية لن تغيرها كتابات «الشعوبيين الجدد»، الذين يستعينون بكتابات ابن خلدون عن «العرب الذين لا يطيب لهم العمران، والذين يحتقرون المهن، ولا يجيدون إلا حروب الغارات»، لأن ابن خلدون هنا تحدث عن دور الأعرابية في العرب، من دون الحديث عن العرب الذين أسسوا الممالك وأقاموا العمران، وتمازجوا مع غيرهم من الشعوب، بعد الإسلام. ثم إن ابن خلدون ذاته يقول إن الملك إذا ذهب عن بعض الشعوب من أمة، فلا بد من عودته إلى شعب آخر منها، ما دامت لهم العصبية ذاتها، والعصبية هنا مقصودة بمعناها الإيجابي، الذي ينفتح على الروابط الاجتماعية والدينية والثقافية، التي تربط شعوب أمة بعينها، وهذا بالطبع يعني أن انهياراً هنا أو هناك، في فترة زمنية أو أخرى لا يعني نهاية الأمة وانقراضها، كما يكتب أولئك الذين خططوا لأن يصل العرب إلى ما وصلوا إليه.
إن الهزيمة الحقيقية التي تلحق بالشعوب ليست تلك التي ينجم عنها خراب الأوطان وحسب، ولكن الهزيمة الأكبر هي تلك التي ينهار فيها الإنسان، ولذا نجد أمواجاً هائلة من البث الفضائي والكتابات، التي تضرب في صميم الشخصية العربية لتفتيتها وضرب ثقتها باستعادة عافيتها، وقدرتها على الخروج واستعادة زمام المبادرة.
يجب أن لا يسمع العرب اليوم للأصوات اليائسة، أو الأخرى المحبطة التي ترى أن العرب وصلوا إلى نهاية تاريخهم كأمة، لسبب بسيط وهو، أن تلك الكتابات صادرة إما عن دوائر محددة تريد قتل الروح بعد تخريب المعمار، أو أنها صادرة عن نفس أحست باليأس في لحظة عاطفية معينة، رأت فيها أن ما جرى يمثل نهاية الكون.
الملحوظ أن كثيراً من الكتابات الاستشراقية اليوم تريد أن تنتهز الفرصة لتحمل الإسلام مسؤولية ما جرى للعرب، وكأن الماليزيين والإندنوسيين وغيرهم من الشعوب التي لم تمر بتجارب العرب اليوم، كأنهم ليسوا مسلمين، إذ لو كان الإسلام هو السبب لكان كل المسلمين اليوم يحترقون بنار الطائفية، مثل غيرهم من المسلمين العرب، ولنجا المسيحيون العرب من الوجع الطائفي الذي يضرب المنطقة.
المسألة لا علاقة لها بالإسلام، بقدر ما لها علاقة بالمنطقة الغنية وشعوبها المطموع في ثرواتها، وطرائق تفكير تلك الشعوب، وأنماط سلوكها. ومع ذلك فإن بعض الأصوات والأقلام رأت الفرصة سانحة لضرب الرابطة الحضارية الأقوى، التي تجمع شعوب المنطقة، لعلمها أنها لن تقوى على تفتيتها ما دامت تلك الرابطة قائمة. ولذا نرى أنه بالتوازي مع الحرب المدمرة للبنيان تجري حرب أخرى تستهدف الإنسان، في دينه وقيمه وثقافته. المشكلة أن الذين يحصرون مشاكل العرب في الإسلام إنما يفعلون ذلك من دون عرض البديل الممكن الذي يمكن أن يحافظ على روابط تلك الشعوب لو افترضنا أننا تخلصنا من الرابطة الإسلامية.
في الغرب بشكل عام، لا يمثل تراجع الروابط الدينية مشكلة، نظراً لوجود الثقافة الليبرالية الديمقراطية، أما الدعوة إلى التخلص من الإرث الإسلامي في العالم العربي من دون القدرة على اجتراح البديل المناسب، فذلك ضرب من الجنون، أو محاولة خبيثة لهدم المجتمع والإنسان، في حرب موازية للحرب التي استهدفت المدن والعمران.
بقي أن نشير إلى أن ما جرى كارثي، ولا يمكن التقليل من حجمه، لكنه لن يكون أكثر من تجربة مرت بها شعوب المنطقة كغيرها من التجارب التي يتعلم فيها الإنسان من آلامه وأوجاعه، ثم إن الأمم والشعوب لا تسير- حضارياً- في مسارات مستقيمة تبتدئ عند نقطة لتبلغ النهاية عند نقطة محددة، تسقط بعدها في الفراغ، العكس هو الصحيح، حيث تسير الأمم والشعوب في مسارات حضارية دائرية تكون فيها نقطة النهاية هي البداية لمرحلة جديدة أكثر وعياً حضارياً.