الأزمة المالية وأحلام اليقظة
بقلم/ محمد يحيى محمد الكبسي
نشر منذ: 12 سنة و شهر و 12 يوماً
الإثنين 13 أكتوبر-تشرين الأول 2008 07:45 م

مأرب برس - خاص

الحديث عن الأزمة المالية التي تعصف بالعالم، و تعصر المؤسسات المالية وشركات التأمين والرهون العقارية العالمية كمن ينير شمعة بين مصابيح كهربائية لكثرة الكتابات ولوجود تدفق سريع وهائل من الأرقام التي ما كنا نسمع عنها إلا في المسابقات الثقافية (كمثال : أن خسارة أمريكا من مرتبات التقاعد بلغت أكثر من 2 تريليون خلال 15 شهر) ولانتشار وتوسع الأزمة حتى أنها وصلت إلى دول كانت تنفي احتمال تأثرها بها كفرنسا ودول الخليج.

لكن على كل سأحاول أن أتناولها من زوايا أخرى لكن على شكل خواطر .

1- الولايات المتحدة وضريبة قيادتها للعالم:

من المقدمة الطللية أن نقول أن أمريكا إذا أصابها الزكام كان العطاس في منطقة اليورو (أوربا) والرشح في بريطانيا واليابان وتكون الحمى في أفريقيا وتسارع روسيا والصين في تناول المضاد الحيوي لأن أمريكا تساهم في 40% من الاقتصاد العالمي ، وتسيطر عسكريا على أهم المواقع الإستراتيجية في الكرة الأرضية ومنها منابع النفط ، وتحكم العالم (القطب الواحد)

والضريبة المقصودة هنا هو ما تدفعه دول العالم لأمريكا لا العكس قربانا عند أصابتها بفيروس وقد تكون ضريبة مباشرة أو غير مباشرة وهي ما سنتحدث عنه.

فمثلا أزمة الغذاء العالمي التي حصلت في أوائل هذا العام ، وارتفع فيها عدد الفقراء في العالم إلى قرابة المليار وخلاصة أسبابها أن الولايات المتحدة رأت أن تستخدم الوقود الحيوي (وقود مستخدم من الحبوب الزراعية كالذرة والقمح ومن قصب السكر وغيره) فارتفعت أسعار الغذاء إلى قرابة 300% في بعض البلاد (منها اليمن)

و كذا تلاعبت أمريكا بسعر صرف الدولار نزولا فوصلت به إلى سعر قياسي أدى - على خلاف ما يظنه كثير من الناس - إلى تنشيط التجارة الأمريكية من خلال إقبال التجار في العالم على شراء السلع الأمريكية لرخص أثمانها في مقابل سلع تباع بعملات أخرى كاليورو والين.

وساهم نزول سعر صرف الدولار إلى ارتفاع سعر النفط الذي يُقَّدر بالدولار حتى وصل إلى قرابة 150$ وهو سعر قياسي لأول مرة يحصل في تاريخ النفط ، لكن هذا الارتفاع في سعر الوقود سبب ارتفاعاً أيضا في تكلفة المواصلات وبالتالي ارتفاعا في سعر السلع المنقولة وأهمها السلع الغذائية الرئيسة.

2- من أين المشكلة؟

كانت بدايات هذه الأزمة مرور الولايات المتحدة بفترة نشاط كبير في تجارة العقارات من عام 2000 ومن ثم قامت الشركات المُقرضة والعقارية بمنح قروض بتسهيلات ائتمانية حتى على مستوى أفراد قدرتهم على السداد ضعيفة فأقبلوا على الاقتراض وشراء العقارات ثم أن البنك الفيدرالي الأمريكي قام برفع سعر الفائدة في عام 2004 فأصاب الكساد سوق العقارات ومن ثم توقف بعض المقترضين عن السداد، ولمَّا لم تكن أسعار العقارات عند بيعها تغطي حتى أصل القرض بسبب الركود، وكان الغطاء الائتماني لهم غير قوي فقد قامت الشركات المقرضة بالحجز على العقار أو بيع هذه القروض (الفيروس) لشركات أكبر أو إنزال سندات قرض وتسويقها في أسواق المال لتغطية حاجتها من السيولة، وهكذا وصل الأمر إلى أن بدأت السيولة في الشركات الكبرى بالنضوب وبالتالي إعلان إفلاسها ثم بدأت هذه الشركات بالتساقط كأحجار الدومنة كما يقولون.

3- البيضة من الدجاجة أو ....؟

قريب من هذه العبارة دارت في الأيام الماضية مساجلات بين مفكري الاقتصاد الرأسمالي حول آلية تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي ومدى مخالفته لأصول الرأسمالية. فعلى اعتبار مخالفتها للأصول الرأسمالية فاستخدام التدخل في هذه الأزمة يمثل انهيار النظام الرأسمالي وإن كان لا يخالف أسس النظام فتكون دليل على ديناميكية النظام الرأسمالي في استحداث آليات مناسبة عند الأزمات.

وأظن أن الكلام السابق عبارة عن نكتة تشغلنا عن المطالبة بمعرفة الأسباب الحقيقة للأزمة.

فتدخل الدولة وإن كان في نظر واضعي الرأسمالية بداية من الطبيعيين (الفيزقراطيين) إلى أستاذ الرأسمالية آدم سميث يعتبر من المحظورات ومع هذا فقد تم تجاوزه بعد الكساد الكبير التي انطلقت شرارته من وول ستريت ثم أصابت أمريكا وأوربا بالكساد بين عامي (1929-1933) ثم تم اعتماد توصيات جون كينيز في ضرورة تدخل الدولة لتحقيق التوازن الاقتصادي والاجتماعي واستمر العمل بأدبيات النظرية العامة (كتاب كينز) إلى الثمانينات ثم بدأ نشيد السوق الحر أو المفتوح بقيادة عصا أمريكا وجوقة صندوق النقد الدولي . ولكن عند ظهور الأزمة أهالت أمريكا وأوربا على السوق الحر التراب وقامت بتأميم الشركات المنهارة أو في طريقها لإعلان الفساد.

لكن ماهي حقيقة المشكلة ؟ يتضح الجواب عليها فيما ذكرنا سابقا من كون نظام الفائدة (الربا) هو سبب الأزمة الحقيقي وهو ما يحوم حوله كتاب الاقتصاد ولا يستطيعون مهاجمته باعتباره خط أحمر فالقروض ذات الفوائد وسياسات الدولة في تحديد معدلات الفائدة هي سبب المشكلة الأساسي، كما أن من الأسباب أيضا ما يتم من معاملات في أسواق المال من بيع السندات (بيع الدين) وأسواق السلع في العقود الآجلة من بيع ما لا يملك وبيع ما لم يقبض والقمار الحاصل هناك الذي تجعل القيمة الاسمية أضعاف القيمة الحقيقة للأسهم أو السلع. (ونلاحظ أن كل هذه الأسباب في التعاملات التجارية من الصور المحرمة في الشريعة الإسلامية)

4- حلم انهيار أمريكا

يبدو أن الحلم الذي نتمناه سواء في اليقظة أو المنام أن نستيقظ ونسمع أن أمريكا قد انهارت وذهبت كل قواها المسخرة للظلم والطغيان هذا الحلم هو المسيطر علينا في كل حدث.

وهو حلم اعتبره من أضغاث الأحلام لأنه يقوم بتخدير الأمة وإيقاف سير العمل. فما كان أحوج النبي لمثل أثر هذا الحلم الجميل في إنهاء قوة قريش في يوم وليلة. لكنه جلس يدعو ويعمل ويتعب قرابة 21 عام حتى دخل مكة فاتحا وهو رسول الله المؤيد بالمعجزات.

أعود فأقول أن انهيار أمريكا في ليلة وضحاها (يوم أسود) يبتعد عن التوقعات البشرية التي نحن مطالبون شرعا بدراستها وذلك لعدة أسباب:

1- ارتباط الاقتصاد العالمي بالاقتصاد الأمريكي كما ذكرنا فالكل حبات سبحة واحدة.

2- نظام الربا الذي تقوم عليه أمريكا تسير عليه معظم بلدان العالم من بنوكها المركزية إلى بقية مؤسساته المالية. (البديل غير جاهز)

3- يحضرني حديث المستورد القرشي في وصف الروم الذي من جملته (وأسْرَعُهُم إفَاقَة عند مُصِيبة ، وأوْشَكُهُم كَرَّة بعد فَرَّة) وهذا واضح فبعد أزمة الكساد الكبير ما هي إلا سنوات معدودة ثم خرجت أمريكا من الحرب العالمية الثانية وهي المنتصر الأول فيها.

لا أقول هذا تيئيسا لكن تحفيزاً للعمل واستجابة لداعي الله (واعدوا، وقل اعملوا) ولنسأل أنفسنا سؤال هل نحن مؤهلين لاستلام زمام المبادرة لقيادة العالم اقتصادياً؟ هل نعمل أم نتمنى على الله الأماني؟ ولا ننس أن هناك من يريد استلام الراية كالصين ضمن (سياسة الصعود الهادئ) أو وروسيا (سياسة إعادة الخارطة الجوسياسية) وغيرهما.

5- ماذا ستلد الأزمة ؟

على كل هناك آثار متوقعة للأزمة منها سقوط الهيمنة الأمريكية على الاقتصاد العالمي كما توقع الفيلسوف البريطاني جون غيري عندما قال (إن ما نمر به من غليان في الأسواق العالمية هو أكثر من أزمة مالية، بل هو تغيير جيوسياسي تاريخي يعاد فيه تشكيل موازين القوى في العالم دون رجعة، معلنا فيه انتهاء حقبة الهيمنة الأميركية التي تعود منذ الحرب العالمية الثانية.)

كما أن من آثاره المتوقعة ارتفاع معدل التضخم بسبب ضخ السيولة الكبير، وبالتالي ارتفاع الأسعار عالميا كما أن احتمالات الركود كبيرة بسبب الإحجام عن الإنفاق خوفا من تداعيات الأزمة.

وأيضا يتوقع زيادة العجز في الموازنة لدول العالم بسبب انخفاض معدل الإيرادات.

وأختم بالتعجب ممن لا يتوقعون تأثر اليمن بهذه الأزمة من خلال قراءتهم النظرية لواقع الاقتصاد اليمني من أنه يعاني من ضعف المشاركة في النشاط المالي العالمي بسبب عدم وجود أسواق مال .

وهذا التوقع يخالف ما هو معروف من هشاشة الاقتصاد اليمني وتأثره بأبسط تقلبات الاقتصاد العالمي فكيف بأزمة تعصر العالم كله. ولو لم يكن منها إلا انخفاض أسعار النفط بدرجة قياسية فقدت خلال هذه الأزمة قرابة نصف قيمتها، وكما هو معروف أن نسبة صادرات النفط من الناتج القومي قرابة 70%. وفي بلادنا نلاحظ أن أسعار الوقود ترتفع في حالة ارتفاع السعر عالميا وتكون الحجة عادة مكافحة التهريب المستفيد من فارق السعر بين بلدان المنطقة لكن أيضا ترتفع أسعاره محليا في حالة الانخفاض عالميا بحجة تعويض النقص في الإيرادات.

وأيضا تأثر اليمن من ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية المتوقعة بسبب الأزمة والتضخم العالمي، وأيضا احتمالات تراجع التحويلات المالية الآتية على شكل منح ومساعدات وقروض ميسرة؟؟؟ بسبب تعثر بعض الدول المانحة من سداد المستحقات عليها أو تأخيرها حتى نهاية الأزمة. وكذا ما قد يحصل لشركات التأمين المحلية المرتبطة مع الشركات العالمية.

هذا كله يدعو حكومتنا إلى أن تقف وقفة جادة ولو مرة، وبدل من التصريحات النارية (قاتل ألف وآسر ألف) عليها أن تضع خطط لمواجهة أي احتمالات لوصول آثار الأزمة المالية إلينا، ونُذَّكر أنه إذا كانت الأزمة في أمريكا نزلة برد فستكون عندنا أنفلونزا الطيور. ونسأل الله العافية وحفظ بلادنا من كل سوء.