القبيلة وقيمها ضحية النظام السياسي في اليمن
بقلم/ محمد صالح النعيمي
نشر منذ: 11 سنة و 11 شهراً و 24 يوماً
الجمعة 25 يناير-كانون الثاني 2008 08:07 ص

 ان مشاهدة مجتمعنا القبلي وهو يشارك مع قيادات المجتمع المدني من أحزاب ومنظمات جماهيرية للاحتجاجات السلمية ضد الفساد حاملا مطالب أمته مشاركا في القضايا الوطنية العامة متضامنا مع أبناء المحافظات الجنوبية الشرقية , يدل على مستوى إدراك متقدم للتحولات السياسية والاجتماعية في المنطقة والعالم0

جذور المؤامرة:-

 ان مشاهدة مجتمعنا القبلي وهو يشارك مع قيادات المجتمع المدني من أحزاب ومنظمات جماهيرية للاحتجاجات السلمية ضد الفساد حاملا مطالب أمته مشاركا في القضايا الوطنية العامة متضامنا مع أبناء المحافظات الجنوبية الشرقية , يدل على مستوى إدراك متقدم للتحولات السياسية والاجتماعية في المنطقة والعالم0 مستوعبا أهمية ما تمثله الديمقراطية و ترسيخ المجتمع المدني كضرورة للتغيير السلمي وهذا يثبت عكس ما يشاع عن المجتمع القبلي بأن ممارسته تميل إلى العنف ، وكم كان الشيخ علوي الباشا بن زبع موفقاً في مقالته التي نشرت في جريدة النداء—( صنعاء مدينة بدون مشائخ.. وبدون الفندم أيضاً) - الخميس , 15 نوفمبر 2007 م والتي مثلت دعوةً لمشايخ القبايل كي يرتبطوا بهموم قبائلهم بدل الانكفاء في صنعاء ليرتبطوا بقبايلهم أكثر. 

 هذه الدعوة تعتبر الرد العملي على خطة وضعت في الستينيات لتدمير مجتمع القبيلة ووحدتها وسلمها الاجتماعي بل ماضيها وحاضرها ومستقبلها أيضا,وتهدف تلك الخطة الى تفكيك عرى الروابط التي تربط الشيخ بقبيلته ان هناك منهجيتين لتعامل الشيخ مع القبيلة الأولى ارتكزت مرجعيتها على ثقافة التبعية ، تلك التي كان يمارسها الأمام على شعبه والثانية ارتكزت على الشراكة المتكافئة في الحقوق والواجبات وهي العلاقة الصحيحة والطبيعية بين القبيلة والشيخ وهي تميل إلى مصلحة القبيلة بما تفرضه صيغة شروط المواصفات في شخص الشيخ من قيم ومثل تنعكس على وحدة القبيلة واستقرارها مما تجلبه لها من مصالح وخدمات وهذه النمطية في العلاقة تنطبق على المحافظات ذات الطابع القبلي ، وبين معادلة التبعية والشراكة يبرز التباين في سلوكية كل طرف منهما فثقافة التبعية تبرر للشيخ انتقائية العلاقة بينه وبين القبيلة بينما لا تقبل القبيلة ممارسة هذه الانتقائية ومن هنا تلجا ء القبيلة إلى مرجعية الشراكة المتبادلة والمتساوية في التعامل بمعنى أن الشيخ يشارك القبيلة في محنها وأفراحها وهمومها ومعاناتها وبهذه العوامل تستقيم العلاقة أو تختل ، ويتحكم في تفاعلها مستوى وعي مجتمع القبيلة وما يحيط بها من مؤثرات عامة ووفقا لهذه العلاقة فهناك من المشايخ من تجاوزوا علاقة القبيلة حتى صاروا رموزا وطنية بامتياز. لقد نشر الكاتب والمؤرخ والمحقق الكبير زيد ابن علي الوزير في احد كتبه ( محاوله لفهم المشكلة اليمنية ) هذا المخطط ضد القبيلة ورموزها باعتبارهما العائق امام ترسيخ واستقرار النظام الجمهوري حين ذاك ،واعتمد مخططو هذه المؤامرة على ثلاثة مرتكزات وهي :

1 ــ فصل المشايخ عن القبيلة من خلال دفعهم إلى ممارسة العمل التجاري بما جمعوه من خلال مواقعهم القيادية أثناء الحروب بين الملكيين والجمهوريين وبهذه الوسيلة سينجر المشائخ إلى الانكفاء على المشاريع التجارية وادارة الربح والخسارة ومن هنا يتخلون عن هموم ومشاكل القبيلة وهي بدورها ستتخلى عنهم مقابل تخليهم عنها 0

2 ــ تفتيت وحده القبيلة بكل مستوياتها الكبيرة والصغيرة وذلك من خلال نشر الحروب والثارات القبلية حتى لا تستطيع أن تتوحد مما يؤدي إلى شل قدرتها عن حل مشاكلها الداخلية, ويمنعها من المشاركة في أي مساهمة وطنيه عامة لأنها مشغولة مع نفسها ومع القبايل الاخرى وهذا ما يتم تعزيزه باستمرار 0

3 ـــ تقوية الجيش بالمقابل حتى يكون القوة الوحيدة في البلاد لأن الجيش تسهل السيطرة عليه من خلال إغراء قيادته بالمال وهي بدورها ستضمن ولائه المطلق لتبعية القيادة السياسية لأن القبيلة لا يمكن ضبطها كالمؤسسة العسكرية التي تنقاد بمجرد أمر القيادة لها حتى وأن كانت هذه الأوامر ضد إرادة ومصالح الشعب.

 وأدى ذلك الى حروب وثارات ومن ثم الى ارتهان القبيلة لتحالفات داعمة لها لتفرز مزيد من الصراعات سوآ باسمها أو نيابةً عن الداعم وكلا النتيجتين هما في إطار المخطط المستهدف للقبيلة 0وقابل ذلك صمتٌ رهيب، من قبل المثقفين والإعلاميين والعلماء وكبار مشايخ اليمن، ورجال الحل والعقد. إنها جريمة تاريخية وإنسانية ستبرز فداحتها وضخامتها حينما تستكمل الإحصائيات النهائية لمقدار ضحاياها وتكاليفها وهنا سيأتي حكم التاريخ ليشمل اطراف الصراع والمتفرجين أيضا ، لقد استخدم الأمام يحيى-- إثارة الحروب وسيلةً لإخضاع قبيلة ما، أو تحجيمها ولكن بصفةٍ محدودة واستثنائية لأنه كان يدرك مخاطر انتشار هذه الظاهرة على شرعية نظامه السياسي وألأنساني بينما تجاهلها من جاء بعده. امتلأت القلوب أحقادا وهيمنت المصالح الذاتية كنتيجة حتمية لمأسي الحروب والثارات0، بحيث لم يبقى لها من مرجع ينظم حركتها وتفاعلها إلا ودمر بمعنى لاقا نون يطبق ولا عادات يعمل بها ولا شيخ أو زعامة روحية أخذت مكانها 0

 ونتيجة لذالك يعيش البعض بعقلية وثقافة التبعية فهماً ورغبة وسلوكاً و مصلحة ، اختفت المصالح المشتركة والمتوازنة وتحولت ثقافة التبعية إلى نظام لا يجوز نقده فما با لك بتغييره ، وصارت هذه الثقافة تحكم تفكيرنا وممارستنا لأنها تعكس منهج الاستبداد وقابلية الاستعباد ، وهذا المنهج هوا الذي يحكمنا سواءً قبل الثورة أو بعدها 0ونتائج التاريخ تؤكد ذلك لأن البيئة الحاضنة لمشروع التغيير تمت سرقتها ، ونتيجة لتجاذب التبعية بين تبعية محور الشيخ والقائد العسكري والسياسي ضاعت التبعية لمشروع التغيير ، والقلة التي تحمل مشروعاً تغييرياً صحيحاً ضاع صوتها بين هذه المحاور، وبسبب هذه التبعية ،ظلت القبيلة معزولة ومحرومة من أي تطور تنموي وتعليمي إلى وقت قريب ، وكان ما يعرف اليوم بأسم محافظة الجوف لا تذكر في موازنة الدولة وخططها التنموية باستثناء شئون القبائل و جعلوا المناطق القبلية شماعة للنقد والتخلف وحاضنةً للا رهاب, بينما القبائل بريئةً من ذالك الاتهام0 وتناسى من يرددون هذه الدعاوى الباطلة بأن السيد رئيس الوزراء الأسبق وصف (الفساد والإرهاب) في احد بياناته التي تقدم بها لنيل الثقة ،إلى مجلس النواب بأنهما وجهان لعملةٍ واحدة0وقد احسنت صنعا قبايل مأرب والجوف وشبوة, حين واجهو وفندوا تلك المزاعم في حينها من خلال منظمة التنمية والسلم الاجتماعي وقلبو الطاولة على الجميع. 

نموذج تعامل الدولة مع القبيلة:-

 وحتى لا ينساق طرحنا إلى ما ليس له من مرجع موضوعي0 فيمكننا المقارنة بين مجتمعات تماثل المجتمع اليمني ولكن ً بسياسات تختلف عن السياسة اليمنية المتبعة ، حيث توجد بلدان عربيه تتشابه في التركيبة الاجتماعية القبلية مثلما هو حال اليمن ولكن كيف تم التعامل مع هذه التركيبات القبلية-- ويمكننا أخذ نموذجين هما النموذج السعودي والنموذج الأردني لما لكل بلد من هذين البلدين، من خصوصية تميزه عن البلد الأخر إلى حدا ما وكيف استطاع النظامان السياسيان لهاتين الدولتين أن يحولا القبيلة إلى عامل مشارك في البناء وفي النهضة والتنمية وجعلا من العادات القبلية الحميدة دعائم للتطور العلمي ولبنة فاعلة في بناء ألدوله الحديثة التي يحكمها و يديرها النظام والقانون ، لقد عملتا على حل مشاكل حدود المرعى وحل مشاكل الثارات والحروب ،بالشريعة وبالقانون وجعلهما منهجاً للتعامل ومنظمين للحياة توفيراً للأمن والاستقرار0 فالدولة تتعامل مع مواطنيها على قاعدة المساواة في المواطنة والحقوق وتحولت مناطق قبلية نائية إلى مدن عصرية استوعبت العديد من شرائح المجتمع ودمجت بين مكتسبات هذه الشرائح من ثقافات وعادات مما حفز حراك عقلية التطور والتقدم ,والمنافسة بين فيئات المجتمع كل ذالك أدى إلى تطوير وتعزيز التنمية والتعليم والثقافة وقدسية التآخي والحب بين المواطنين ومرجعية سيادة القانون بدلا عن العصبية القبلية المقيتة وإثارة النعرات المناطقيه والسلالية,فأين النموذج اليمني من ذلك، وبأي عقليةٍ وثقافةٍ تدار الدولة اليمنية وأي تطور وتنميه وأمن واستقرار يحقق هذا النموذج .وخاصةً إذا ما قارنا بين أمكانية المملكة الأردنية الهاشمية وإمكانية اليمن الاقتصادية وكيفية توظيف هذه الإمكانيات في البلدين ، فلكل نموذج بيئة حاضنه له ودافعه لتفاعله الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والتطوري بكل أبعاده ولكل نموذج أيضا منهجيته ووسائله المحققة له سلباً أو إيجاباً.

محاولات القبيلة لمواجهة التأمر:-

 حاولت القبيلة مواجهة هذه المؤامرة بطرق مختلفة كان أبرزها المؤتمرات القبلية حيث حفلت الساحة اليمنية بالعديد من المؤتمرات القبلية منذ الستينيات وحتى منتصف التسعينيات والتي ظهرت تحت مسميات مختلفة ثم اختفت , لأن ورائها دوافع سياسية ومنافع شخصية 0 استغلت فيها هموم ومعانات القبيلة كشعارات ترفع وتردد ولكن لا توجد لها أية ترجمه في الواقع . ومن ضمن المحاولات المعاصرة برز كيانان قبليان هما

1 ــــ تحالف قبائل مأرب والجوف :- 

 نشاء في عام 1998 م حين قررت الحكومة حينها إنزال ما سمي بالجرعة أي زيادة الأسعار على إثرها قامت احتجاجات ومظاهرات في العديد من المدن اليمنية من ضمنها مناطق مأرب والجوف وعلى الرغم من ،أن هذه الاحتجاجات كانت سلمية إلا أن الدولة ممثلة بالقائمين عليها تعاملت مع قبائل الجد عان وبعض قبائل همدان الجوف من خلال إرسال حملة عسكريه أدت إلى سقوط عددا من القتلى والجرحى وتدمير قرى وتشريد أهلها مما دفع ببقية قبائل مأرب والجوف بالتحرك لوقف هذه الحرب الظالمة ونصرة إخوانهم المعتدى عليهم والاشتراك في مواجهة عدوان الدولة إذا لم توقف الحرب ، ونتيجة لذلك التحرك أوقفت الحرب والهجوم على تلك المناطق وأعلنت هذه الحشود القبلية من المحافظتين وثيقة التحالف بين القبائل الموقعة من المحافظتين سمي ( بتحالف قبائل مأرب والجوف )

 وتميز هذا الكيان بخصوصية انطلاقته من رحم معاناة الناس وحمل هذه المعانات وآلام وحرمان مجتمعه وجعل منها قضيته التي يعمل من اجلها ويتميز ايضا بالشراكة في القرار ولأداره وضل منذ نشأته يعمل على تطوير مجتمعه منفتحا على المجتمع المدني من خلال المنضمات المحلية حيث إنشاء (المنظمة اليمنية للتنمية والسلم الاجتماعي ) لتتبني المشاريع المختلفة من صحية وتعليمية وحل مشاكل الثأر بكل أنواعه وأشكاله. وعلى الرغم من أن التحالف واجه صعوبات شديدة إلا انه حافظ على بقائه واستمرار يته واستطاع ان ينسج علاقات متينة مع منظمات المجتمع المدني. و مؤخراً صرح الأمين العام للتحالف الشيخ علوي الباشا بن زبع بأن هناك حواراً لتوسعة هذا التحالف ليضم عدداً من المحافظات الأخرى المجاورة لمحافظتي مأرب والجوف .

2 ــــ مجلس التضامن الوطني :-

 نشأ هذا التحالف عام 2007 بقوة وزخم شديدين,وبامكانات كبيرة وضم العديد من المشايخ والفعاليات واعضاء مجلس النواب وعلى مستوى اليمن ونتج كرد فعل عن خلاف بين الشيخ حسين الأحمر والرئيس علي عبد الله صالح وحزبه المؤتمر الشعبي العام بعد بروز استهداف للشيخ عبدا لله بن حسين الأحمر( رحمه الله) وأولاده بأشكال وصور متعددة, وتبنى القضايا الوطنية وعلى الرغم من تبعيته العملية للشيخ حسين الأحمر الذي يعتبر رئيسا له وداعما اساسيا, إلا أن هذا المجلس يحمل من المكونات البشرية والبرامج ما يؤهله لأن يحدث تغييراً في المجتمع إذا ترسخت فيه ثقافة وممارسة الكيان المؤسسي كمشروع وبرنامج وممارسه ، كما أكدتها خطابات وتصريحات الشيخ حسين الأحمر نفسه .

وهنا يبرز سؤال فارضا نفسه وهو من سيفوز على الأخر ؟ هذه المكونات المؤسسية أم ثقافة وبيئة التبعية ، والمستقبل هوا الذي سيحدد الاجابة.

ان ابناءالقبائل مطالبون اليوم بان يدركوا أهمية المرحلة ليقوموا بعملية تصحيح المفاهيم الخاطئة عن القبيلة ، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى المشاركة الفعلية في الاصطفاف الوطني مع بقية القوى الوطنية ومنضمات المجتمع المدني وبقية فئات المجتمع، وذلك من اجل صياغة وبناء مشروع متكامل لمجتمع مدني وعلمي ، ليؤمن شروط النهضة وتغيير كل ما يعانيه الشعب اليمني على مستوى الفرد والجماعة والدولة وصولا لإصلاح النظام السياسي بما يحقق قيام دولة اليمن الحديث دولة الحق والعدل والمواطنة المتساوية 0

فالمرحلة خطيرة جدا كونها تهدد اليمن وطناً وأنسانا فالمرحلة التاريخية ومعطياتها تتجاوز كل نظرة خاصة أو جزئية 0

فالظلم على الجميع ونحن في سفينة واحده فلا يتصور من في السقف الأعلى بأنه سينجو من عبث المفسدين في السقف الأسفل ، فنجاة السفينة نجاة للجميع وغرقها يعني غرقاً للجميع 0

Alnaimymhd1@maktoob.com