طلابنا في المغرب.. حين يحتجون على ضياع حقوقعم بصورة فخامته
بقلم/ سامي نعمان
نشر منذ: 13 سنة و 6 أشهر و 26 يوماً
الأربعاء 01 أغسطس-آب 2007 02:20 م

مأرب برس - خاص

في احتجاج لا زال مستمرا منذ ايام نفذه طلاب يمنيون داخل مبنى سفارتهم في العاصمة المغربية الرباط، رفع المحتجون صور الرئيس في مفارقة كان اقل ما وصفها به صحفي مغربي أنها متناقضة وغير منطقية لطلاب ينتمون لبلد جمهوري..

شيء من الغرابة يضاف الى التناقض حين تعرف ان المحتجين هم في الغالب من طلاب الدراسات العليا، وليسوا حديثي العهد بالثانوية العامة، حتى يؤخذ تصرفهم ذاك بانه يأتي في سياق قلة الفهم او استعطاف رحمة الاب التي اعتادوا عليها قبل تخرجهم من الثانوية..

على شاشة الجزيرة، التي انتقد الطلاب انكار السفارة لحقها في تغطية الاعتصام بطلبها الى الامن المغربي منع طاقمها من الوصول الى السفارة حيث يتواجدون، بدا طلاب يحملون صور الرئيس، وكان هناك آخر يرفع صحيفة 26 سبتمبر، في استجداء لرحمات شخصية ونفياً مقدماً عما قد يثار مستقبلا من انتماءهم للمعارضة كما هو الحال مع كل قضية طلابية او حقوقية تقابل باستهتار معتاد من السلطات على اختلاف مستوياتها حين تحيل ازمات الوطن الى مناكفات سياسية مدفوعة من قبل قوى معارضة في بلد تضج اسماع العالم بتجرتها الرائدة في التعددية..

تكشف القضية غيابا واضحا للمؤسسات وفهما فطريا لدى الغالبية بأن مفاتح كل شيء بيد الرئيس الذي ما يفتأ يتحدث عن دولة مؤسسات حتى تأتي قضية تكون فيها التوجهات الرسمية ضداً على التصريحات (المؤسساتية)، وتكون صورة الرئيس حاضرة في الاذهان والمطالب اكثر من الدستور والقانون وقد يفهم من غياب الصورة في ظل الملق القائم أن المحتجين ساخطون على الوضع العام، ومعارضين للسياسات القائمة، وهو في ظل وضع سوي في حده الادنى لا يعني حرمانهم من ابسط حقوقهم.

 ايلاجا في قضية الطلاب، يتكشف جانباً من مأساة ومهزلة التعليم العالي والمبتعثين للدراسات العليا والدنيا من (طأطأ لا السلام عليكو)، وهو ما لم يكن الدكتور صالح باصره وزير التعليم العالي يتحفظ على البوح به كلما سنحت الفرصة او ضاقت مذكرات الوجهاء والنافذين وكلما أصبحت الوزارة مزاراً لكثير من المنتسبين لمصلحة شؤون القبائل- على كثرتهم- والمدججين بأكوام المرافقين والاسلحة، والذين في كثير من الاحيان يأخذون مبتغاهم بالرضا والا بالصميل البلدي، وربما لم يخف عن الكثيرين ان تهديدات الوزير بمراجعة ارشيف البعثات وتعهده بـ(فتح الملفات) كانت السبب وراء حريق التهم ذات الارشيف بعد ايام قليلة من أحاديثه.

تبدأ المهزلة بحصول كثير من المبتعثين من ابناء المسؤولين والنافذين والوزراء والمشايخ والمقربين منهم أو المحسوبين عليهم على حقوق غيرهم من اولاد الفقراء الذين طارت حقوقهم بمذكرة كاذبة من قيادات عسكرية او أخرى تسمى جدلاً "مدنية"، تفيد ان غيرهم ابناء شهداء او مناضلين(او مشاريع شهداء او مناضلين) لهم اولوية الاستحواذ على حقوق من لا يترسهم مركز قوة او نفوذ، لتكون المحصلة صراع مراكز قوى على حقوق لها اصحابها المغيبون..

وحين تختل موازين المواطنة المتساوية وتظهر بجلاء بوادر المحسوبية والفساد والمتاجرة بالحقوق وابتزاز اصحابها ونقلهم الى معارك جانبية باعتبارهم مدفوعين سياسياً، ولا يجيدون الملق مشكوك في وطنيتهم بسبب رفع شعارات المواطنة وتغييب صور الزعيم عن جدران منازلهم، وعدم حفظها الى جانب هوياتهم ان كانت لهم، تكون النتيجة اختلال كامل في موازين الحياة واستمرار في نمو معايير التمييز وغياب اسس العدالة والمساواة وإن في ادنى مستوياتها..

نتيجة منطقية لذلك، يحظى الاكثر قربا من مركز صنع القرار والاكثر قوة وتأثيراً بالنصيب الاوفر مسترجعين في هذا السياق تحقيقا رائعاً نشرته صحيفا الوسط بعنوان منح اولاد الفقراء تذهب لأولاد المسؤلين والوزراء، تعرض رئيس تحريرها على اثره الى عملية اختطاف واعتداء بسبب تماديه على (الاسياد)، رشحته لجائزة دولية هي الاولى لصحفي يمني، وربما كانت هي المحمدة الوحيدة لمأساة نهب حقوق ابناء المواطنين الـ(بدون)..

مشاكل الطلاب داخليا وخارجيا، وهي جزئية من مجموعة كلية متمثلة في مهزلة التعليم العام والجامعي، باتت تضع مستقبل الوطن على كف عفريت في ظل تأهيل اشخاص ليسوا بمستوى يؤهلهم لذلك، ليعودوا صفراً الى مناصب يستحوذوا عليها كما استحوذوا مسبقاً على المنح الدراسية..

قبل اسابيع كان (طلابنا) في تونس يطلبون مساواتهم ماليا بنظرائهم في المغرب، خصوصاً أن المعيشة في الاولى اغلى من الثانية، لكن الطلب ربما وصل عكسياً ليراجعوا ملفات الدارسين في المغرب وينفذوا قصاصاً جائرا بحقهم دون سابق محاكمة قطعا لوساوس (حسادهم) في تونس، واخراساً لأصواتهم..

قطعاً ليس ما سبق تعريضا بـ(طلابنا) في المغرب أو اتهاما لهم، بل خواطر اثارتها طريقة احتجاجهم، وهم مشاريع اكاديميين ونخب للمجتمع، وقعوا ضحايا (صحوة ضمير) مفاجئة وربما متأخرة انتابت المسؤولين اكتشفوا على اثرها ان اولئك الطلاب مجموعة فشلة ارهقوا الخزينة العامة، بقدر ما هو محاولة لتطرق اليها بعيدا عن تضامن مطلق وفقا لنظرية المعارضة، وكونهم يطلبون حقوقهم من سلطة نعارض كثيرا من سياساتها، ما يستدعي وقوفاً افتراضيا معهم، رغم اني اجدني مشدودا للتضامن مع الطلاب بالفطرة باعتبارهم ضحايا، وان كان محتملا ان بعضهم قد استفادوا من وضع مختل خارج اطار المواطنة المتساوية، وكل ذلك لا يمنع بأي حال من الاحوال منحهم حقوقهم كاملة في اطار النظم واللوائح المنظمة للابتعاث، طالما واصبحوا مبتعثين من قبل سلطات بلادهم.

غير ان احتجاجهم بتلك الطريقة، حين ترتفع صورة الرئيس ويغيب علم دولتهم، يضفي عليها طبيعة رعوية قبلية توحي ان طريقة حصولهم على تلك المنح كانت قريبة او شبيهةً، للبعض منهم، من الطريقة التي يطالبون بها عودة حقوقهم الآن..

لم يكن هناك من داعٍ للاعتصام وحمل صور الرئيس في مظهر قد يعده كثيرون اساءة للرئيس نفسه وللبلد الذي ينتمون اليه، في مملكة لا يحتج نخبتها وربما عامتها او يطلبون حقوقهم برفع صورة الملك صاحب الصلاحيات المحدودة مقارنة برؤسائنا، وآلت كثير من الاحتجاجات الشبيهة ان كتب لها الاستمرار بذات الطريقة الى مساومة شخص او شخصين على حساب البقية..

عدا مآخذ الصورة، كانت بيانات الطلاب، رقم 1 ورقم 2 ، واقعية ومنطقية ومطالبهم لا تخرج في مجملها عن توضيح اسباب الاجراءات المتخذة بحقهم، وانتقائية القرارات، والمطالبة بحقوق يقولون انها مثبتة لهم، وسط اعتصام سلمي اكدوا تمسكهم به كحق تكفله لهم نظم وقوانين بلادهم، و(الملكية) التي يدرسون بها.

وفي حين كان السفير يصرح في صنعاء انهم مجموعة فشلة، قال بيانهم رقم 2 ان السفير اقترح مبلغ 300 دولار لـ 24 طالبا(لكل منهم)، غير انهم رفضوا ذلك مؤكدين على 1000 دولار، اي 50% من مستحقات ربع عام تقريبا، ومشترطين ان يشمل الحل الجميع وليس 24 طالبا فقط، ما يعني ان مرحلة مساومة بالحقوق قد اطلت خلافا للتصريحات الرسمية للسفير -ومسؤولين غيره- تتهم الطلاب بالفشل، وينفي مسؤولية السفارة عن مشكلتهم ذات الوقت، ولم يرد تفسير من قبل الطلاب عن تغيب عشرين طالبا آخرين عن الاعتصام رغم انهم مشمولين بقرار الحرمان.

ان كان اعزاؤنا في المغرب يشعرون بان لهم حقا وانهم ليسوا مجموعة فشلة تجاوزا بسنوات الفترة المقررة لدراستهم فعليهم تصعيد اجتجاجهم بطريقة اكثر جدية، فالحقوق تنتزع ولا تاتي استجداء، وليسألوا زملاءهم في الهند وروسيا وماليزيا والاردن وغيرها، ولا عيب ان يتعلموا من سائقي الدراجات النارية، ولا ضير ان ينشروا مناشداتهم في صحف الثوري والنداء والوسط والشارع والصحوة والمواقع المعارضة والمستقلة كما سبتمبر والثورة والمواقع التابعة للحزب الحاكم، ان كانوا يؤمنون بحقوقهم وعدالة قضيتهم.

أما ان كانوا يفهمون غياب المؤسسات والمواطنة والحقوق بطريقة مختلفة ويؤمنون ان صورة الرئيس واثبات الولاء ونفي تهمة انتسابهم للمعارضة هي اقرب الطرق لاستعادة حقوقهم او ما اعتادوا عليه من مستحقات، وهو الاسهل لحرق المراحل امام ما يفترض ان تكون الاحتجاجات الجدية سبيلهم للمطالبة به، المواطنة والحقوق والمؤسسات، ان كانوا يؤمنون بأن ذلك اقرب لهم فليعتصموا بصور مختلفة لفخامته تتناسب مع اختلاف تخصصاتهم وقبائلهم، تستجدي الحقوق عبر مؤسسات مغيبة ظاهرها بوابة وصورة، وباطنها فساد وشللية ومحسوبية وبؤر نفوذ ودرجات مواطنة متفاوتة، في أسوأ الاحتمالات سيشكرون رسميا لأنهم قدموا نموذجاً راقيا لاحتجاجات لا تشوه صورة الوطن، وساوموا عن مواطنة وحقوق ومؤسسات بصورة زعيم لبلد ديمقراطي جمهوري، وتبقى الحقوق مسألة فيها نظر.

  saminsw@gmail.com