قراءة كونية لمصير الجنوب
بقلم/ د . بلال حميد الروحاني
نشر منذ: 7 سنوات و 4 أشهر و 14 يوماً
السبت 08 يونيو-حزيران 2013 04:06 م

لقد كثر الحديث عن مستقبل الجنوب في اليمن, وعن القضية الجنوبية وكيفية علاجها, ومن يمثل أبناء الجنوب, وما الحلول لهذه القضية, حتى صارت ثقافة عند أهلنا في الجنوب, وصار الجميع يتحدثون عنها وعن الحلول لها.

ولكن! كيف يتعامل أبناء الجنوب معها, وكيف تعامل معهم أبناء الشمال حيال قضيتهم, (ملاحظة: ذكري للشمال والجنوب ضرورة يفرضها الواقع, أما الأصل فالناس كلهم إخوة)

قراءتي لمصير الجنوب قراءة في سنن الله تعالى في الأمم والمجتمعات.

سبق وأن تحدثت عن القضية الجنوبية, وذكرت نقاط مهمة يجب على الجميع أن يعيها جيداً, منها:

أن أبنا الجنوب في يوم من الأيام طالبوا برفع الظلم عنهم بأنواعه, وبرد الحقوق المسلوبة إليهم من نظام جائر وطاغي, وقدموا تضحيات من أجل ذلك ونِعْمَ ما قاموا به.

وبعد حين انتفض أبناء الشمال انتفاضة الربيع العربي في كل مكان, ومعهم كذلك أبناء الجنوب, ورفضوا أي حل سوى إسقاط النظام, ليس هذا فحسب, بل كان أول مطلب لهم هو حل قضية إخوانهم من الجنوب الحل العادل الذي يُرضيهم.

 فتفاجئ الناس جميعاً بمناداة بعض أبناء الجنوب بالانفصال!!! ونبذ الوحدة!!! فردَّ أبناء الشمال: ما علاقة الوحدة؟ وما دخلها في الظلم؟ ليست هي من ظلمتكم!!!

فأصرَّت أطراف كثيرة من الجنوب على قضية الانفصال, والتمسك بها, وبدعم فارسي مقيت, فتعجب أبناء الشمال, وقالوا: نحن سنترفع عن حظوظنا كلها من أجلكم؛ وسَلَّموا الرئاسة ورئاسة الوزراء ووزارة الدفاع لأبناء الجنوب, وكل السلطات المحلية في الجنوب بلا استثناء, وكثير من المناصب في الشمال, ومع ذلك كانت ردة الفعل عكسية وغير متوقعة!! بأنه لا خيار إلا الإنفصال! فلا تفاوض ولا تفاهم إلا حوله, عجباً!!! كيف يرى البعض أنه مظلوم, ثم يعالج ظلمه بظلم أكبر منه.

ولكن العجيب أيضاً: أن الانفصال أصبح ثقافة في الجنوب!!! وأن من ظلمهم ليس النظام المخلوع, بل هي الوحدة, عجباً!!!

بل وصل الحد كما نسمع أنه لا يتجرأ الخطيب أن يخطب ويتكلم عن الوحدة, إلا في النزر اليسير.

والطامة الكبرى أن صار الحمقى والسفهاء يتصدرون وينصبون أنفسهم أنهم ممثلي الجنوب, وتحجم وخفي العقلاء والوجهاء, فقام الحمقى بكل أشكال الظلم والطغيان لفرض ما يريدون, فلم تبق لهم وسيلة ظلم إلا واستخدموها, فقاموا بقطع الطرقات, وقتل الأبرياء, ونهب الممتلكات, وترويع الآمنين, وإخافة السبيل, وما لم تتصوره من ظلم إلا ويمارسوه!!!!, فلم يهنأ لا جنوبي ولا شمالي بالعيش هناك.

والناس بين مؤيد وساكت وقليل من ينكر ذلك, ليس هذا فحسب, بل صار هؤلاء يتحالفون مع الدولة الفارسية الصفوية التي نصبت العداء لهذا الدين باسم حرب أعداء آل البيت, ويؤيدهم كثير من الناس.

ولكن الله تعالى ليس بغافل عن هؤلاء, ولكنه صبور يمهل, فإذا أَخَذَ, أَخَذَ أَخْذَ عزيز مقتدر, والله تعالى يأخذ الظالم والساكت عنه والمتواطئ معه.

وهذه سنن الله في الأمم والمجتمعات كما حكى لنا في كتابه العزيز, في كثير من الآيات.

* ولنسمع إلى قول الله تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) [النحل : 112]

وقوله تعالى: فكفرت بأنعم الله ليس الكفر الخروج من الإسلام, وإنما جحود النِّعمة, وأعظم النِّعَم على الناس, أن يؤلف الله بين القلوب, ويوحدها على كلمة التوحيد, فإذا جحد الناس مثل هذه النعمة أذاقهم الله لباس الجوع والخوف بما صنعوا.

 ونحن نرى بدايات ذلك جلياً, فلا يأمن الناس الآن كثيراً في الجنوب على أنفسهم, ولا ممتلكاتهم ولا أهليهم.

* ولنسمع إلى قول الله تعالى أيضاً: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) [الإسراء : 16]

وما نراه اليوم في الجنوب, أن المترفين وأصحاب الأموال, ومن نهبوا الجنوب قبل الوحدة سواء في الداخل أو الخارج, بدلاً من أن يكونوا منبوذين صاروا محببين لكثير من الناس, فيفسقون, ويقتلون, وينهبون, ويفسدون في الأرض, ونحن نخشى أن يَحِلَّ سخط الله على الجميع, ونخاف من تدمير الله أن يحل بنا.

* ولنسمع كذلك إلى قول الله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) [الأنعام : 123]

فمن يقود كثيراً من فصائل الجنوب, تاريخهم حافل بالإجرام والقتل والدماء والإفساد في الأرض, وهم الآن يمكرون بالجنوب, والناس يتبعونهم بقناعة أو بغير قناعة, والله يقول: ( وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون) فهم لن يضروا بأبناء الشمال بشيء, وإنما ضررهم على أنفسهم, قال تعالى: (فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [التوبة : 70] وقال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [يونس : 44]

* بل ولسان حالهم أنهم ليسوا مفسدين بل هم مصلحون يسعون لحقوق الناس واستعادتها كما يدعون: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ) [البقرة : 11 ، 12]

فمن يظلم سيعاقبه الله بسبب عمله وبما جنا على نفسه, ( وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (33) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا) [النحل : 33 ، 34], وما نراه اليوم ما هو إلا جزء من هذا.

 وإذا استمر هذا الظلم ونبذ الوحدة التي أوجبها الله من فوق سبع سماوات, بل وأوجبتها كل الشرائع والديانات فيما بينها, وإذا استمر التصفيق والتأييد للسفهاء والمجرمين, فسيستمر الحال, بل قد يزيد العقاب ويتضاعف لأنها سنن الله على الظالمين لأنفسهم, قال تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [الروم : 41]

وقد يظن البعض أن القضية ستحل بهذه الطريقة!! وبهذا الأسلوب وبهؤلاء القوم!!!!

فلو فكرنا ملياً,,,, لوجدنا أن بقاء هؤلاء يتحدثون باسم الناس ويتصدرون للمواقف, ويحجَّم العقلاء والحكماء, والنفوس راضية بهؤلاء, لن تحل القضية, ولن يحلم الناس بالأمن ولا الطمأنينة ولا العدل, ولن ترجع الحقوق إلى أهلها, ما دام السفهاء هم سادة القوم ومتحدثيهم, وسواء حدث الانفصال أو لم يحدث, وسواء كانت فيدرالية أو أقاليم أو حتى وحده. وقد أمرنا الله تعالى فقال: (وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ) [الشعراء : 151 ، 152], وأخبرنا عن قوم صالح فقال: (وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ) [النمل : 48], فأهلك الله هؤلاء وقومهم أجمعين كما قال: (فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُون) [النمل : 51 ، 52]

لكن السؤال: هل بين الله تعالى مخرج للناس من هذه الأزمات؟ وهل أوجد لهم حلول تنجيهم مما هم فيه؟

* نعم, قال تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) [هود : 117]

فإذا وقف الناس جميعاً ضد المفسدين أياً كانوا, وضحوا من أجل ردعهم ونبذهم, ومنعوا المفسدين والظالمين من التحدث باسمهم!! وقدَّموا العقلاء والوجهاء والحكماء, وخيرت الناس الذين يثقون فيهم, وهم أمناء على قضاياهم, ويتعاملون بالحكمة والحلم في كل شيء, هنا سنة الله تعالى ألا يعاقب المستضعفين, وعوام الناس ما داموا حريصين على صلاحهم وغير راضين عن المجرمين والمفسدين, ومنكرين بكل الوسائل على تصرفاتهم وأعمالهم, وواقفين لهم بالمرصاد.

* ولنسمع إلى هذا الحديث العظيم الجليل, الذي يجب أن نحفظه جميعاً ونردده قياما وقعوداً, وفي كل أوقاتنا, ونُحفِّظ أبنائنا وأجيالنا له, فقد ضرب مثلاً عليه الصلاة والسلام, وما أعظمه من مثل, وما أجلَّه, فهو لا ينطق عن الهوى, قال صلى الله عليه وسلم: «مثل القائم في حدود الله, والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذي في أسفلها إذا استقوا من الماء مَرُّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنَّا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا؟ فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً». رواه البخاري.

فهل يتصدى أبناء الجنوب للمفسدين لينجوا بالسفينة جميعاً أم سيتركوهم وما أرادوا.

والله غالب على أمره.

سارة عبدالله حسنمحاولة قطع يد أردوغان
سارة عبدالله حسن
مشاهدة المزيد