تكريس النقد الذاتي كمنهج إصلاحي
بقلم/ هشام المسوري
نشر منذ: 6 سنوات و 3 أشهر و 19 يوماً
الخميس 28 مارس - آذار 2013 06:12 م

ممارسة النقد الذاتي، لا تعني تجريد الحركات الاجتماعية والأحزاب من الجهود الوطنية الكبيرة، المبذولة من قبل كل حركة اجتماعية أو حزب سياسي، وإحداث عمليات مراجعة وتقويم ذاتي لجسد الجماعات والقوى السياسية، لا يكون إلا في الحركات والأطر ذات الفاعلية الكبيرة والنشاط المستمر الهادف والمنتج والرافع لمشاريع النهوض بالمجتمعات، ومن هنا تأتي أهمية الدفع بممارسة النقد الذاتي، داخل جسد كل مكون سياسي أو حركي، أو اجتماعي، كضرورة يتطلبها إنجاز النهوض بالإنسان وبناء الدول..

في اليمن توجد الكثير من الحركات الاجتماعية والأحزاب السياسية، فضلت البقاء في التفاعل والتحرك في نطاق دائرة النضال ضد منطلقات الفساد والاستبداد والظلم، عبر انتهاج المسار السياسي النخبوي فحسب، دون إحداث اي عمليات مراجعة داخل جسد كل جماعة وحزب، الأمر الذي يدفع بنشوء أخطاء كثيرة حد ممارسة نفس السلوكيات والقيم الفاسدة التي تناضل النخب السياسية ضدها عبر انتهاج المسار السياسي المحصور في الشخصيات القيادية المنصهرة في النشاط السياسي، دون تجسيده كثقافة داخل تنظيماتها.

غياب ظاهرة النقد الذاتي لدى كل القوى السياسية والحركات الاجتماعية في اليمن، أدى إلى تنامي التحذير المستمر من اي عملية نقد ذاتي، وسأكتفي بالحديث هنا حول أكبر الأحزاب السياسية في اليمن الذي هو حزب الاصلاح، المتميز بالانتشار الواسع والتنظيم الكبير وبتعليق الناس ثقتهم بالدور الكبير الذي يؤديه، آملين منه العمل على حل مشاكلهم المعيشية والاقتراب من احتياجاتهم عبر إعلان برامج عملية واقعية تبلور هذه الاحتياجات وتقدم تصورات لحلها، وبالتالي أي مبررات في سياق التحذير من النقد الذاتي من قبيل الحديث عن وجود حملات تشويه ممنهجة يتعرض لها الاصلاح، تتطلب تغييب ظاهرة النقد الذاتي لبعض التصرفات والأخطاء الخاصة بالحزب، ستكون هذه المبررات بالتأكيد مجرد شماعة نعلق عليها عجزنا عن القيام بعمليات تقويم لأدائنا وتعاملاتنا مع المستجدات والتغييرات والمتطلبات..

يرافق الاصلاح كما كل القوى السياسية نوع من غياب قنوات للحوار الجاد داخل التنظيم، وإفراغ الكيان التنظيمي لمن يتظاهرون بالولاء العاطفي الكاذب، الأمر الذي أدى إلى إفراغ الساحة لصالح نماذج تأسرها الانتهازية بل والفساد، استغلت الفرص للوصول الى مواقع مقربه من مؤسسات صنع القرار داخل الاصلاح، وبات هؤلاء المتزلفين، يجندون جزء كبير من طاقاتهم لإبقاء التنظيم على النمط الإداري السائد، ويعملون على سد كل المنافذ أمام اي عملية نقد ذاتي أو ممارسة حق الراي والاختلاف الطبيعي، ويعمل هؤلاء ممتهنوا الانتهازية، على تكريس صورة الاصلاح في الذهن العام كما لو أنه معسكر لا يتيح اي فرصة لوجود مساحة للاختلاف، ويتعمدون ذلك من أجل توفير ضمانات لبقائهم، بحيث لا يكون هناك سوى "نحن ندعم من يأمر ونأمر معه والكل في التنظيم يسمع فقط " ويفهم هؤلاء أن العمل الحزبي في الاصلاح يقوم على قاعدة وجود قيادة وجنود تختلف رتبهم من مستجد الى ملازم أول وحسب، وكأن تواجدنا في القرن الواحد والعشرين ليس إلا حلم نعيشه واقعنا الذي هو القرن الثالث عشر !

تنامي هذا الحالة الانتهازية في الوسط الإصلاحي، تسعى جاهدة لتحويل حزب الاصلاح إلى كيان طارد للطاقات الإبداعية في مسار الفكر والثقافة والعمل السياسي الذكي، لدرجة أن الاصلاح أصبح يعاني بشكل ملحوظ من عجزاً في هذا المجال..

ورغم ان الاصلاح عمل على إعداد وتجهيز كثيراً من الكفاءات "النقابية والمهنية" بشكل لافت، إلا أنه ــ اي الاصلاح ــ يعجز عن توفير أرضية موازية من الكفاءات الإبداعية في مجالات الفكر والثقافة والاعلام والسياسة، بل أن التيار الانتهازي المتدثر بثوب العمل التطوعي والتدين الشكلي والكفاءة التكنوقراطية الزائفة، عمل وما يزال يعمل على خلق قاعدة تنص على أن اية كفاءة ثقافية فكرية سياسية إعلامية، ليس لها مكان تتواجد فيه داخل الاصلاح، واي مفكر او مثقف او سياسي داخل الاصلاح، فهو بالضرورة مشروع لمغادرة الحزب، وترتب فعلاً عن هذه الظاهرة، أن اية نشاطات سياسية فكرية ثقافية ينظم عقدها الاصلاح سوى في القنوات التلفزيونية او على الساحة الفكرية والسياسية، يضطر الاصلاح فيها لدعوة رموز فكرية وسياسية وثقافية من خارج الحزب ـــ مستقلين او من تيارات أخرى ــ وهنا يتم تغييب المبدع والمفكر الاصلاحي في هذه النشاطات، وكل ذلك سببه غياب آلية علمية مؤسسية تتبنى إدارة الحوارات والنقاشات داخل الحزب، على ان يقوم العمل الاصلاحي على المشاركة وليس على التسابق الى تقديم الاصلاح كما تقرر القيادات التأريخية وبناء القناعات السياسية على ما ترمي اليه هذه القيادات وحسب.