رموز شيطانية في تدمير الحكمة اليمانية
بقلم/ د. محمد محمد الخربي
نشر منذ: 8 سنوات و 5 أشهر و 7 أيام
السبت 10 نوفمبر-تشرين الثاني 2012 09:21 م

قراءات في النهضة اليمانية

إن السلطة والحكم والملك والقيادة والخلافة والرئاسة وغيرها من المسميات التي تدل على تدبير شؤون الدولة تكتسي قداسة خاصة لدن الله تبارك وتعالى ، وهي رمز مباشر للحوكمة الربانية لا يتحقق القصد منها إلا حينما تعمل وفق تشريع إلا هي يقوم على العدل ، ولاينبغي جعلها وسيلة لامتهان حقوق الناس وتشييئهم ونهب خيراتهم وتمزيقهم إلى دوائر من المصالح والطوائف والأحزاب والأشياع وفق تصنيف يخدم بقاء الحاكم وديمومته في الحكم، بل إن الملك من المثاني في أسماء الله الحسنى وصورة الله في الوجود والأرض خاصة ، فإن لم ينفذ الحاكم أو الرئيس أو الملك أو السلطان .. أوامر الله ونواهيه حالت إلى محاكاة مباشرة لصورة الشيطان ظلما وجهلا واستبدادا تقوم على الخداع والمكر والخبث ، وأضحت آلة تسوم الناس سوء العذاب يلخصه مفهوم واحد جامع هو الفقر المدقع الذي يقابله الثراء الفاحش للحاكم وحاشيته وذويه .

ولا ريب أن جميع الحكام الحاليين في كل الدول العربية والإسلامية قد قدموا أسوأ نماذج الحكم التي تروج للحاكم وتقدس أفعاله وتزين أقواله في حين أنه لاينتمي إلى مقتضيات الحكم بشيء، ولكنه الاستبداد وطبائع الطغيان ونوعية الحاشية المحيطة بدوائر هذه الأنظمة التي تمادت في تكريس منابت الشر وإركاع شعوبها وإفقارها وتوظيف كل الشعارات في خدمة مآربها الذاتية. وتمكن هؤلاء الزعماء من بناء جيوش تحميها من محاسبة الناس وتمادوا في تهميش المفكرين والمثقفين.

ولاتقوم الدول إلا بمثقفيها ، وتزدان الأمم أكثر بمفكريها . وكل مفكر هو مثقف ، ولكن ليس كل مثقف مفكراً . وأقصد أن أدوار المفكرين تتناسب مع حجم مالديهم من رؤى وتصورات . وهم عادة مايكونون ممراً آمناً نحو أوضاع متقدمة في حياة شعوبهم ، إن منحوا فرصة القيادة العامة للدولة ، لأنهم إنسانيون بدرجة أساسية تغلب أخلاقهم وقيمهم الفاضلة أعمالهم ، فلا يفكرون إلا في حياة شعوبهم ومصالح أوطانهم بما ينسجم مع منافع الإنسانية جمعاء. ولا يرضون الدنية في واقعهم ، وهم إن كانوا من العلماء أصبحوا من الملهمين في أعمال الخير والصلاح ، ويأخذون بلدانهم نحو آفاق عظيمة لم تكن معروفة في عمر البشرية. ولذلك فإن تحولات الإنسانية صنعها المفكرون في مختلف العصور.

أما المثقفون فهم خير وشر، وأغلبهم يطغى عليهم حب الذات والظهور والكيد والدهاء . وهم لايهدؤون في العمل والتخطيط ، ويبذلون قصارى جهدهم في بناء حياتهم على حساب حياة الآخرين في مجتمعاتهم وتطغى عليهم حب الأنا الأعلى، فإن ظهروا في مجتمعات متطورة كانوا سبباً في ظهور طبقات برجوازية مفرغة من القيم والعواطف . وأخلاقهم عادة ما تكون خاضعة للربح وصنع المال والتكسب السريع ، ومعيار النجاح والفشل لديهم هو ميزان العوائد والفوائد ، مما يجعل مجتمعاتهم أكثر مرضاً بسبب الهوة العميقة بين اهتماماتهم بتنمية ذواتهم وما يتطلبه واقعهم من صلاح ورقي لايمكن أن يجده في فئة المثقفين . وهؤلاء المثقفون هم قادرون على البلاء الحسن في نهضة شعوبهم إن كانوا يعملون تحت قيادة رشيدة من المفكرين . ولكنهم إن عملوا تحت قيادة جاهلة وظالمة فإنهم يتحولون إلى آله مدمرة من الفساد والإفساد ، ويرهقون كل مفاصل الدولة ويسحقون اقتصاديات شعوبهم. وهم يعتقدون أنهم مصلحون ، وأنهم الأفضل !

وفي اليمن تنعدم تقريباً فئة المفكرين ، وتغلب فئة المثقفين ، ولذلك نلاحظ أن اليمن حتى الآن غير قادر على إيجاد المسار الآمن برعايتهم ، لأنهم أي المثقفين وأشباههم صاروا للأسف تيارات شتى كالآتي :

1- تيار السلطة : ينقسم إلى قسمين واحد صاعد يعتمد على الهيمنة ومحاولة بناء نفسه وإلغاء وجود ماعداه، وآخر هابط يعتمد على المقاومة وحماية مصالحه ونفوذه واللجوء إلى عمليات الممانعة وإرهاق خصمه. وهما تياران لايخدمان الوطن ولا يقدمان مخارج آمنة لأزماته الراهنة ، بل إنهما يعيدان إنتاجها بصور أكثر تعقيداً وتدميراً.

2- تيار المعارضة : يعيد إنتاج آليات الكيد والتآمر ظناً منه أنه الأجدر بالسلطة، وأنه الخاسر في المرحلة . وأصحاب هذا التيار يوظفون كل عوامل القوة في المجتمع في خدمة مآربهم وهدفهم ولو بعد حين . وهم لايقلون خطورة ودموية من تيار السلطة.

3- تيار المقاومة : يسعى إلى بلوغ كرسي الحكم بقوة السلاح . وهنا نجد مجموعات كبيرة من الرجال المسلحين الذين ينتهكون الأمة اليمانية بادعاء أحقيتهم في قيادة الدولة استناداً إلى مرجعيات ذات طابع ديني أو مذهبي أو طائفي أو عرقي وسلالي أو حتى حقوقي ومناطقي . ولذا يلجأ أصحاب هذا التيار إلى السلاح والمواجهات الدموية .

4- تيار الحراك السلمي : هم أغلب فئات الشعب اليمني ، ويأتي في صدارتهم هؤلاء الشباب ذوو الآمال العريضة في نهضة اليمن وتحقيق النمو المستدام واستقلالية مؤسسة صنع القرار السيادي. يؤمنون بالحوار والتعايش والانفتاح على الآخر . وأغلبهم من ذوي النزعات الدينية الصافية . ولكنهم يشعرون بالخذلان من قيادتهم في تيار السلطة بشقيها الصاعد والهابط . وينتظرون اللحظة المناسبة لتحقيق حلم اليمن الجديد . وهم الأغلبية الشعبية في المجتمع اليمني أي في البيوت والمدارس والمؤسسات والجامعات والشوارع والمساجد والمصانع بل والقرى والسواحل والجبال ..... ومشكلتهم إيمانهم بحتمية التحول ولكن مع عدم التخلي عن سلميته.

5- تيار الصمت : هم شريحة ضخمة ولا يستهان بها في الواقع اليماني المعاصر وهم من كل فئات أبناء اليمن منهم فقراء وأغنياء مدنيون وعسكريون رجل ونساء مثقفون وأشباه مثقفين . يشعرون بالخوف والقلق على أنفسهم ويلجؤون إلى الصمت لحماية ذواتهم ومصالحهم . ويترصدون الوقت المناسب للحصول على مكاسب ومغانم كلاً وفق موقعه ومقامه من المجتمع .

هذه تقريباً خلاصة لخريطة المثقفين في اليمن ، وهي تؤكد لنا مدى التخبط الذي نعانيه، حتى نبلغ أهدافنا المنشودة على المديين القريب والمتوسط ، ولعلي لا أذهب بعيداً إن قلت إن يمننا الحديث أصبح مركزاً تتجاذبه القوى والأحزاب والتيارات المختلفة ، ويصدق على كل واحد منها قوله تعالى في محكم التنزيل : كل حزب بما لديهم فرحون ، وكذلك قوله تعالى : إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شىء.

وهكذا نرى أن السلطة في مختلف صورها قد أنتجت في المجتمعات العربية والإسلامية رموزا شيطانية أنهكت الطبقات وزادت من نسب الفقر عن طريق حرق الطبقة الوسطى في دولهم. وكان نظام الحكم في اليمن من بين أسوأ هذه النماذج إن أخذنا بعين الاعتبار نسبة الفقر بين أبناء اليمن التي طالت تسعين في المئة ، بينما نكتشف أن ثروات هؤلاء الحكام ومن يحيطهم من حاشية تتجاوز المليارات .ولذا سميت مقالي هذا رموز شيطانية في تدمير الحكمة اليمانية كبراءة ذمة أن يكون هؤلاء الناس ذوي قلوب إنسانية حساسة، ولكنها آثرت خداع الشعب اليماني، وسيعلم الظالمون منهم أي منقلب ينقلبون، يوم لاينفع مال ولابنون إلا من أتى الله بقلب سليم .