متلازمة ستوكهولم وتحرر ثورة الشباب ..
بقلم/ صالح السندي
نشر منذ: 8 سنوات و 5 أشهر و 6 أيام
الجمعة 29 يونيو-حزيران 2012 05:23 م

يبدو أن الثورة الشبابية اليمنية تحررت أخيراً من شتى العقد والمتلازمات التي تغرق بها الساحة الوطنية , من متلازمة المشائخ والقبيلة والنظام الأسري ومتلازمة الفساد والإستبداد , وأشدها خطورة ’’متلازمة ستوكهولم’’ stockholm syndrome وهي الحاله الى يصاب بها الفرد -المواطن - عندما يتعاطف أو يتعاون ويتسامح مع خصمه او من أساء اليه , ونتيجة للضغط النفسي الكبير تتجة الضحية الى صنع آليات نفسية للدفاع عن النفس , والتوجه الى الجاني والتمسك به والإطمئنان اليه , خاصة اذا تظاهر الجاني بالإهتمام والحنان واذا تصنّع موقفاً صغيراً جدا فإن الضحية يقوم بتضخيمه وتبدو له شيئاً كبيراً , و في بعض الأحيان يفكر الضحية في خطورة إنقاذه، وأنه من الممكن أن يتأذى إذا حاول أحد مساعدته أو إنقاذه، لذا يتعلق بالجاني وبشدة ,غير قادر على التحرر من عقدة الإضطهاد والتعذيب والعقاب والعبودية.

وعلى صعيد المجتمعات والدول ، يمكن ملاحظة هذا التأثير في الأنظمة القمعية والمستبدة، عندما لا تملك السلطة شرعيتها من غالبية الشعب، فتصبح وسيلة الحكم القمعية ضاغطة على افراد المجتمع، ولمدة طويلة، يطور خلالها الأفراد علاقة خوف مزمنة من النظام، فيصبح المجتمع ضحية النظام وتحت عباءته وأغلاله , ويدرك النظام هذه الحالة جيداً مع الوقت، حتى يتقن لعبة ابتزاز واستغلال المجتمع, فيعتاد الشعب على القمع والإذلال لدرجه تجعله يخشى من التغيير, حتى وإن كان للأفضل ويظل يدافع عن النظام القمعي ويذكر محاسنه القليلة جداً دون الإلتفات إلى مظاهر القمع والفساد الكثيرة.

وهذا ما بدا جلياً إبان الثورة الشعبية حينما فضّل البعض الإرتهان للنظام السابق وتمجيده والدوران في فلكة ومناصرته وبشدة , وحينما تم فرض المبادرة الخليجية والإنتخابات الرئاسية تقّبل بها البعض وكادت الثورة حينها ان تقع في شباك وفخ التآمر.

وعليه تتجه الدعوات الآن الى إحياء روح الثورة وإعادة وهجها وزخمها المتنامي في الأنفس والعقول,عدة عوامل ساعدت في تزايد تلك الندآءات مؤخراً التي بدأت ككرة ثلج تكبر وتنمو و لن تتوقف حتى تحقق الثورة غاياتها وأهدافها المنشودة ومنها ما يلي:

1-إخفاق حكومة الوفاق الوطني في تلبية مطالب الشعب وتحقيق الأهداف الثورية.

2-إخفاق لجنة التواصل الرئاسية في التواصل والحوار مع الشباب وإعتماد ’’مبدأ الإنتقائية’’ في اختيار شخصيات شبابية حزبية لا تمثل الشباب المستقل وقوى الثورة في الحوار الوطني.

3-نجاح الثورة المصرية في تحقيق الجزء الأكبر من المهمة التاريخية من اسقاط النظام ومع تبدد أمل العودة مع فوز محمد مرسي وسقوط أحمد شفيق.

4- بقاء الأجهزة الأمنية والعسكرية في أيدي الأسرة الحاكمة متمثلة بعلي صالح وأسرته وأركان نظامه.

5- عدم تحقيق العدالة الثورية والألهية في القصاص العادل لأسر الشهدآء والجرحى.

6- الإخفاء القسري لكثير من شباب الثورة والمعتقلين وعدم الإفراج عنهم.

7- سوء الأوضاع الأمنية والإقتصادية التي تمر بها اليمن.

8- التدخلات الأمريكية المستمرة والإفراط في السيادة.

وعلية تبّنت اكثر التيارات الشبابية والشعبية والمستقلة حملات تنظيمية وتوعوية وإصدار بيانات قوية وواضحة ومنددة تلبي الرغبات الأكيدة بالتغيير وإعادة شروط الثورة ورسم أهدافها وتصحيح المسار الثوري بما يتناغم مع مطالب الشباب والتغيير, العودة الى مربع الثورة مؤخراً برأي الكثيرين يمثل الحل الأمثل لشتى المشاكل التي تعصف باليمن , لعدم تفويت الفرصة التأريخية بالتغيير التي لو لم يتم استغلالها الإستغلال الأمثل لجرت اليمن الى كوارث ونتائج لا تحمد عقباها.

وإذ نحن في النصف الثاني من السنة الأولى للفترة الإنتقالية,التي أثبتت الكثير من الفشل والإخفاق في تحقيق اقل ما يمكن من نصوص المبادرة الخليجية المزعومة , والتي قبل بها الكثيرون على مضض ودون الاقتناع بما ورد فيها ,حين ساقت الشعب الى التصويت للرئيس هادي لإخراج اليمن من سطوة الأسرة الحاكمة وفرض واقع جديد , ما نراة الآن من انجازات لحكومة الوفاق والرئيس هادي تكاد تكون معدومة تماماً ولم يتحقق منها شئ, أمام تلك الوعود التي تمت و بناءاً عليها اتجه المواطن الى صناديق الإنتخابات للتصويت لمرحلة جديدة.

أكثر التغييرات التي تمت كانت صورية وسطحية جداً, وعبارة تدوير وظيفي او تعيينات جديدة في مواقع أمنية أو إدارية هامشية وفرعية,لا تمس مخ النظام وعصب الحياة فيه , ولا ترقى لمستوى الهرم السلطوي من تغيير قادة الحرس الجمهوري والأمن المركزي مثلاً , فاذا كانت هناك ثمة صعوبة حقيقية في تغيير المقربين والأبعد عن دائرة السلطة وصنع القرار,فكيف سيكون بها الحال حينما تدق في العظم وتكسر مفاصل النظام العائلي , لذا تمت هذه القرارات والتغييرات الهادئة جداً بصورة شكلية وسطحية ولا تمس الجوهر.

خلال الفترة الماضية تم إصدار كّم هائل من القرارات الرئاسية بالتعيين والتدوير وليس الإقصاء والإقالة, لذا كانت في الأغلب قرارات خاوية فاقدة المفعول والتأثير , تعبر عن مدى ضعف الإرادة السياسية في صنع التغيير , وإيهام الرأي العام والشارع اليمني ان هناك تغيير ما يتم في الأفق , وان الأمور تبشر بخير, انتهاج سياسة ذر الرماد على العيون واستغفال الآخر اثار حفيظة أغلب شرائح المجتمع , التي وعلى مدى الأشهر الماضيه كانت ترصد أداء الحكومة وتراقب الدور المنوط بها, وتدرس الوضع وتنتظر التغيير وتسوق الحجج والأعذار لعل وعسى تفيق الحكومة الشكلية من غفوتها وسباتها العميق , وحين طالت الفترة ونفذ صبر تلك القوى بدأت تظهر أحادية التحركات بصورة متقطعة ضد اداء الحكومة سرعان ما صبحت مع الوقت سيلاً جارفاً يهدد بقاء النظام و يحرك عجلة الوطن مرة أخرى ويعيدها الى مرمى الثورة.

الثورة الحقيقية حينما تهبّ لا تقف ولا تتوقف أبدا وهي قدر وإرادة الشعوب الحرة التي لا تقهر, مهما تآمر عليها المتآمرون ومهما دار على أهدافها وعبث بها الحاقدون , وتجلّت مؤخرا تلك التحركات الجسورة لصانعى الحياة والحرية ورواد النهضة و التغيير بصورة مظاهرات وتحركات إعلامية وشعبية قوية مستنفرة لإنقاذ البلد , أدبيات الثورة وأيديولوجيتها تتحول مجددا الى موقع القيادة حينما كانت منادية -سابقاً- بإسقاط النظام الان أصبحت تنادي ايضاً ومعاً بإنقاذ اليمن من مختلف الأزمات الطاحنة التي ساقتها فشل الأنظمة المتعاقبة, الطبخة لم تستوي إذن ونصف ثورة لم يستسغ طعمها ومذاقها الأحرار, ولم تشبع شبق ونهم التوّاقين للتغيير والكرامة , ولم تروي ظمأ المتعطشين للحرية , ولم تلاقي قبولاً على ارض الواقع , وان كانت حينها مجرد حبراً على ورق في دهاليز السياسة وأروقة القرار.

ربما مرت هذه المرحلة بنوع من ’’الغربلة السياسية والوطنية’’ لفصل الغث من السمين والصادق من الكاذب, وإفراز القوى الوطنية الصادقة لتقود دفّة الوطن مجدداً ,لأن تلون الحرباء الحزبية أجهض الثورة على مدى عام ونيف وأصابها في مقتل , وحينما تمت فصول مسرحية المبادرة الخليجية توهم الواهمون والواقفون وراءها ان الأمور انتهت وحلت ثورة اليمن كأزمة وبذلك يسدل الستار على ثورة الربيع العربي في اليمن التي تهدد ما ورآء الحدود لممالك الخليج الغارقة في الرفاهية والأمان , الحسابات كانت خاطئة.. وخاطئة جدا والنتائج جاءت معكوسة ومناقضة للتوقعات , والتدخلات الخارجية زادت الأمور تعقيدا , التفاوض على مبادئ الثورة والشعب لم تجني الا المزيد من الكوارث والأزمات لليمن.

 

وكانت حينها تلك الأصوات المؤيدة لسياسات حكومة الوفاق تملأ الساحة اليمنية بقرب الخلاص تعلو وتعلو مبشرة بالجنه الموعودة والمدينة الفاضلة, ولم تستيقظ بعد من أحلام اليقظة واوهام النصر , الواقع كانت له قرآءه مختلفة تماماً, خاصة مع تنامي الدعوات المطالبة للحوار , والتي تعدّت الخطوط الحمراء وما بعدها وذهبت الى محراب الثورة لاقتلاعه من جذوره وإخلاء الساحات عنوة وبالإكراه , وفرض ضغوط مختلفة على رواد الميادين , إيديولوجية البقاء للعصبة الحاكمة الآن مهددة بالخطر والفناء, وجودها أضحى مرهوناً بإخلاء الساحات وفضّ الإعتصامات , تلك الساحات التي كانت وما زالت صوت ونبض الشعب الحر , يريد الساسة ان يقتلعونها من مهدها ويهدونها قرباناً للشيطان في ليل اسود .

هكذا نصت المبادرة ..وهكذا أراد المتفاوضون والمتحاورون على طاولة الذل والمهانة, وهكذا كان يريد اغلب من لهم مصلحة ونفوذ في الدولة الوليدة , ولكن شاءت الأقدار إلا ان تستمر الثورة رغماً عن كل شئ , معادلة صعبه جدا تلك التي عاشها الشباب والتي وصلت اليها الثورة حينها بين سندان الحكومة ومرارة الواقع وانتفاء تحقيق الأهداف الثورية , ولو بابسط مقوماتها ومطالبها المشروعة المرمية تحت صخرة العنف واللامبالاه , من معالجة الجرحى واطلاق سراح المعتقلين في سجون النظام , تلك الحقوق التي تم انكارها وغض الطرف عنها أعطت للثورة روحا جديدة وزخماً متنامياً , وعلى مدى فشل الحوار في عدة محطات متنقلة مع الشباب بين ساحة التغيير والحرية والمركز الثقافي , وما قوبل به الأحرار من الصلف والتعنت والأنانية في فرض الإملاءات والشروط , مثّل صدمة حقيقية لمختلف القوى المستقلة , ساقت الى إنعاش العمل الثوري وعودة الحياة مجدداً الى روح الشارع ونبض الأمة.

ولعل مرور أم الشهيد باكيةً وهي تصرخ وتمزق صور ابنها من على إحدى الخيام , والذي قضى حتفه في جمعة الكرامة , وهي تقول’’ كذابين.. كذابين... كلكم كذابين ’’ عالقة في الأذهان مازالت تستنفر المشاعر والإنسانية الحقة و تنعش الآمال والثوره لتنتفض وتنتقم لروحه وروح جميع الشهدآء , وقف الشباب امام هذه القراءة بخيارات صعبة ومستحيلة إما البقاء او الفناء , واما الإنصهار بصمت وراء دواعي الحسرة والألم والإنهزام , والتعلق بأذيال السياسة ومهالكها , وإما الهروب دون رجعة في ظلام الطريق وفقدان الأمل, فحوار ظالم يطرق الأبواب باستماتة شديدة , ودعوات قاسية تطالب بإخلاء الساحات , وحرب إرادات وصراع قوى تدار بين قوى الثورة ومراكز القوى السياسة , الاحزاب انتصرت في تحقيق غاياتها , انتصرت في الحصول على مكاسب وأطماع طالما لهثت وراءها منذ زمن بعيد , وجاء الآن دور الثورة لترسم مرحلة جديدة من تأريخ اليمن ونهضتة البقاء فيها للصادقين والأبطال وصانعي التأريخ, وعليه نصف العلاج والإكتفاء بالمهدءات والمسكنات أطال من عمر المرض , وسرطان الفساد يتلون وينتشر يوما بعد يوم في مفاصل الجسد اليمني لا بد من إزالته , والتدخلات الأمريكية والخارجية لابدّ ان تتوقف , وتحقيق العدالة الثورية يجب ان تتم , وجيل الشاب والدماء الجديدة هي من تدير اللعبة والثورة الآن لا مكان فيها لرموز وأشباح السياسة المعتّقة والهرمه, التي جرّت الوطن في تناحرها وأطماعها الى كوارث وأزمات لا تنتهي , ولم تترك للحاضر وللغد أملاً يحيا به الشباب والجيل القادم ,بل خلّفت تركة كبيرة ومثقلة من الهموم والأوجاع, السياسة أثبتت أنها غير قادرة على تحقيق أقل مطالب التغيير وحفظ الكرامة الوطنية , ولذا لا خيار أمام الجميع إلا الثورة مجدداً.. الثورة وفقط .