حول مفهوم "الجنوب العربي" (4)
بقلم/ د. عيدروس نصر ناصر
نشر منذ: 6 سنوات و 6 أشهر و 3 أيام
السبت 12 مايو 2012 06:04 م

كان كاتب هذه السطور قد حاول مرارا تلخيص مضمون القضية الجنوبية على إنها قضية "دولة دمرت، وأرض نهبت، وثروات سلبت، وحقوق انتهكت، وتاريخ يزور، وثقافة تمسخ، وهوية تطمس، ودماء سالت وأرواح أزهقت"، ويمكن في كل واحدة من هذه المفردات إيراد الكثير من البراهين والمعطيات ما يؤكد اقترابها من حقيقة مضمون القضية الجنوبية، فالدولة في الجنوب بعد العام 1994م، لم تتحول فقط إلى ملحق بالجمهورية العربية اليمنية بل جرى تدمير منظومة الحكم وتغييب مشروع الدولة وتفكيك أدواتها من أجهزة ومؤسسات قضائية وإدارية وتنفيذية وأمنية وخدمية واستعيض عنها باستيراد النموذج التقليدي السائد في الشمال، فصار لكريتر مثلا شيخ مشايخ مع إن كريتر تضم بين سكانها عددا من ذوي الأصول اليمنية من كل مناطق البلاد فضلا عن ذوي الأصول غير اليمنية من الجنسيات المتعددة ممن صاروا مواطنين يمنيين على مدى مئات السنين، وهذا ينطبق على جميع المدن الجنوبية، . . .ومعروف أن شيخ القبيلة يعتمد على رابطة الدم والعلاقات السلالية والعشائرية وهذا ما يناقض التركيبة السكانية لمحافظة مثل عدن أو غيرها من المدن الجنوبية المنفتحة على كل من يقطنها، ناهيك عن إن تجربة منظومة الدولة في مدن وأرياف الجنوب كانت قد رسخت حضور الحياة المؤسسية وصار الحديث عن شيخ القبيلة أو الحارة نوعا من العبث المضحك، وهو الأمر الذي لم تنجح تجربته حتى اليوم رغم الفراغ الكبير الذي تركه تغييب الدولة ومؤسساتها، . . . ويمكن تطبيق هذا المثال على بقية مفردات هذا الاجتهاد لتعريف القضية الجنوبية، سواء ما يتعلق بنهب الأرض أو سلب بالثروة أو مسخ الثقافة أو انتهاك الحقوق أو تزوير التاريخ وغير ذلك.

لقد أفرزت الحرب ونتائجها مجموعة من الحقائق والمعطيات والتغييرات العاصفة في حياة المواطنين الجنوبيين، التي لا يمكن التنكر لها ونحن نتحدث عن القضية الجنوبية ومشروعيتها وسبل البحث عن حل عادل لها، خاصة بعد قيام الثورة الشبابية السلمية التي قد لا تكون بلغت كل تطلعات من أشعلوها لكنها خلقت هي الأخرى حقائق لا يمكن القفز عليها، ومن أهم تلك الحقائق الناجمة عن الحرب:

1.إنهاء المشروع الوحدوي السلمي واستبداله بوحدة قائمة على الضم والإلحاق.

2.إعادة صياغة مستويات المواطنة، على أساس شطري ناهيك عن المستويات داخل هذين المستويين، فصار من المستحيل على المنتميين إلى محافظات الجنوب الحصول على فرصة عمل أو منحة علاجية أو حتى فرصة استثمارية إلا لمن كان مواليا للوضع الجديد أو من لديه وساطة من الموالين.

3.إعادة صياغة مستوى الشراكة بين طرفي مشروع الوحدة، بدءا باتخاذ القرار السياسي من خلال إلغاء مجلس الرئاسة، وتركيز القرار في يد شخص واحد هو ليس أفضل من في البلد، وحتى مستوى الشراكة في الوظيفة الحكومية والعسكرية والأمنية والقضائية، وأشير هنا مثلا إلى أن الكليات العسكرية في عدن (العسكرية والبحرية والطيران، والشرطة وغيرها من المعاهد) التي أغلقت بسبب الحرب وما تلاها من سياسات، كان يتخرج منها أكثر من 1500 ضابط سنويا، وبعد الحرب لم يعد يدخل أي مدرسة أو كلية أو معهد ما يتعدى أصابع اليدين من أبناء المحافظات الجنوبية وهو ما يعني انقراض الحضور الجنوبي في المؤسسة العسكرية والأمنية بمرور الزمن.

4.حرمان المواطنين الجنوبيين من جميع الخدمات المجانية التي كانوا يحصلون عليها قبل الحرب، من التعليم المجاني والتطبيب المجاني والدعم المقدم للمواد الغذائية الرئيسية وسهولة الحصول على فرصة عمل والرعاية الاجتماعية للمعدمين والفقراء وذوي الاحتياجات الخاصة.

5.تدمير القطاع العام بمؤسساته الصناعية والزراعية ومؤسسات التعاون الزراعية إما عن طريق النهب المباشر من قبل القيادات المنتصرة، أو تحت عباءة الخصخصة المشوبة بالفساد السافر.

6.انتقال الفساد المالي والإداري والأخلاقي ليصبح القاعدة العامة في حياة الناس وما نجم عن ذلك من انهيار في الحياة المادية والثقافية والقيمية وفي العلاقات الاجتماعية والروابط الإنسانية بين الناس.

إن انطلاق الحراك السلمي الجنوبي واندلاع الثورة الشبابية السلمية وما شهدته اليمن من تطورات خلال الأعوام الأخيرة يؤكد جملة من المعطيات التي لا بد من الإقرار بها ونحن نحاول البحث عن حل للقضية الجنوبية في إطار تشخيص الحالة السياسية القائمة اليوم بعد مرور ما يقارب عقدين على انتهاء حرب 1994م وأهم هذه المعطيات:

1.إن بقاء الوضع على ما أنتجته حرب 1994م لم يعد ممكنا بل إنه قد غدا مستحيلا بعد حالة الانقسام المدمر الذي أنتجته سياسات ما بعد الحرب، وما تركته من آلام لدى أبناء الجنوب وقواهم السياسية، وبعد أن خرج الجنوبيون إلى الشوارع وقدموا آلاف الشهداء الجرحى والمعتقلين معبرين عن رفضهم لهذا الوضع المعوج الذي رفضته أيضا الثورة الشبابية السلمية في عموم محافظات الوطن ما يؤكد شيخوخة النظام وعجزه عن تلبية حاجات تطور البلد ومستقبله وأصبح تغييره ضرورة حتمية غير قابلة للتأجيل.

2.إن معالجة القضية الجنوبية لا يمكن أن تتأتى من خلال العودة إلى دولة الحزب الاشتراكي اليمني أو الجبهة القومية أو اتحاد الجنوب العربي، باعتبار هذا الأمر لم يعد ذا أفق تاريخي أو سياسي، كما إن حل القضية الجنوبية لا يأتي من خلال خيار واحد وحيد، بل لا بد من افتراض مجموعة من الخيارات والبدائل التي لا بد من دراستها بتمعن بعيدا عن التمترس والتشدد لموقف واحد دون سواه واختيار أقلها ضررا وأكثرها ضمانا لتقدم وتنمية البلد ولسلامة المستقبل وأمن المنطقة والإقليم.

3.إن أي حل للقضية الجنوبية يجب أن ينطلق من إرادة الشعب في الجنوب فهو وحده صاحب الحق في الاختيار والإقرار لشكل مستقبله، ولا يمكن لأحد مهما كانت مكانته، حزبا كان أو حركة أو فردا أو سواه أن يفرض نفسه فوق إرادة الشعب أو أن ينصب نفسها بديلا عن الشعب أو وصيا عليه.

إن السياسات الانفصالية والشطرية التي انتهجها النظام بعد سبعة يوليو قد أدت إلى انقسام النخبة السياسية اليمنية على نفسها إلى مستويات مختلفة بين الرافضين كليا للوضع الذي أنتجته الحرب بل ويصل الأمر بالبعض إلى رفض المشروع الوحدوي رفضا كليا، وبين القائلين بأن الوحدة تمت ولا مراجعة ولا تراجع فيها ويصل الأمر بالبعض إلى اعتبار (تعميد الوحدة بالدم) مؤشرا على خلودها وأبديتها ـ وهناك من يرى أن الحرب قد أفرغت المشروع الوحدوي من مضمونه وإن الوحدة الاندماجية أثبتت استحالتها وإنه يمكن لليمنيين أن يعيدوا النظر في شكل الاتحاد في ما بينهم، من خلال البحث عن صيغة جديدة تضمن تماسك البلد وتجنيبها التفكك من ناحية وتؤمن الندية والشراكة في السلطة والثروة وصناعة المستقبل لطرفي المشروع.

الخيارات المتاحة والمحاذير القائمة:

تتبدى اليوم على الخارطة السياسية اليمنية جملة من الخيارات يمكن تلخيصها في المواقف الثلاثة التالية التي تعبر عن ثلاثة اتجاهات في النظرة السياسية وفي المصالح الاقتصادية:

1.خيار الإبقاء على الوضع القائم مع إمكانيات إجراء إصلاحات لتحسين بنية الدولة ومنظومة الحكم،. . . إن هذه الخيار يعبر عن رغبة الفئات التي استفادت من الحرب سواء أولائك الذين كونوا مجموعة من المصالح عن طريق الاستثمار المشروع من خلال توظيف الأموال في استحداث مشاريع إنتاجية أو تجارية أو خدمية في محافظات الجنوب، أو من خلال الغنائم التي تحصلوا عليها بفضل انحيازهم في الحرب إلى صف المنتصر، أو حتى أولائك الذين وجدوا فرص عمل بعد بطالة طويلة، أو أولائك الجنوبيين الذين كانت لهم تصفية حسابات مع الوضع السابق في الجنوب ما قبل الوحدة، إن هذا الخيار لم يعد له مستقبل ببساطة لأن الزمن قد تجاوزه وتقادمت به الأيام والسنين، وإذا كانت الثورة الشبابية السلمية قد قامت رافضة لهذا النوع من نظام الحكم، فإن الأولى بالنسبة للجنوب والجنوبيين أن يكون هذا النظام مرفوضا مرتين، مرة لأنه شائخ وغير قابل للاستمرار، ومرة أخرى لأنه يعبر عن العنوان الرئيسي الذي تسبب في كل معاناتهم على مدى عقدين من الزمن وما تعرضوا له من ظلم وسلب ونهب وإقصاء واستبعاد وتهميش وقمع وتنكيل، وبالتالي فإن هذا الوضع المرفوض من قبل غالبية سكان الشمال هو بالنسبة للغالبية العظمى من الجنوبيين بلا مستقبل حتى لو صار كل حكامه ووزرائه ومدرائه من أشرف شرفاء الجنوب، . . إن الإصرار على التمسك بهذا الخيار هو الطريق الأضمن لتمزيق اليمن وتفكيكها ليس فقط إلى شطرين شمالي وجنوبي، بل إلى عدة شمالات وعدة جنوبات.

2.خيار فك الارتباط ، . .وهذا الخيار تتبناه الغالبية العظمى من سكان الجنوب ويأتي هذا الخيار نتيجة طبيعية ليأس الجنوبيين من نتائج السياسات غير الحكيمة في التعامل معهم بعد الحرب نتيجة لفقدان المواطنين لمصالحهم، وهي الحجة التي ظل المنتصرون يستخدمونها للتهكم على الرافضين للوضع بعد الحرب، وكان كاتب هذه السطور قد قال مرارا إن فقدان المصالح ليس تهمة بل إنه جريمة بحق أصحاب المصالح يجب محاسبة من ارتكبها، ومن حق الذين فقدوا مصالحهم أن يستعيدوها خاصة عندما تكون هذه المصالح تتصل بالمستقبل والمصير وبالحقوق الدستورية الأساسية والانتماء وهي مصالح ظل غالبية الجنوبيين يتميزون بها طيلة عقدين ونيف من الزمن وفجأة فقدوها بين عشية وضحاها فقط لأنهم محسوبون على الطرف المهزوم، . . غير إن هذا الخيار هو الآخر لا يخلو من المخاطر والمجازفات لعل أهمها العودة إلى مراحل الحرب الباردة أو الساخنة وقابلية اليمن (كل اليمن) للتفكك والتشرذم بتأثير عوامل ومؤثرات قد لا تكون حاضرة في ذهن المنادين به ناهيك عن المخاطر والتحديات الأمنية والاقتصادية الموروثة من نظام علي عبد الله صالح.

3.خيار الدولة الاتحادية: وهذا الخيار يعبر عن اتجاه شريحة المثقفين والناشطين السياسيين والحقوقيين المدنيين، أو من يمكن تسميتهم بالنخبة السياسية المدنية، الجنوبيين والشماليين على السواء وهو لا يرتبط بالتعبير عن مصالح وقتية شخصية أو فئوية أو مكاسب تتصل بالحرب ونتائجها أو الموقف منها وإن كان المنادين بهذا الخيار قد كانوا في يوم من الأيام محسوبين على طرفي الحرب على السواء، إن هذا الخيار قد يكون أقل قابلية من غالبية العامة من الناس نتيجة لأنه لا يخاطب عواطف الناس ولا يتعامل مع اللحظة الحسية بقدر ما يخاطب العقول السياسية ويدرس الأبعاد والمخاطر المحدقة بمصالح الوطن والمواطنين، وربما بسبب عدم الترويج له بقوة في الأوساط الإعلامية ولأنه يلاقي هجوما عنيفا من الطرفين الآخرين إذ يعتبره دعاة الإبقاء على الوضع الراهن خيانة وتقسيم للوطن وتفريط بمنجزات (الوحدة)، بينما يعتبره أنصار فك الارتباط تفريطا بالجنوب وخيانة لدماء الشهداء والجرحى وتضحيات الجنوبيين من أجل تقرير مصيرهم، إن هذا الخيار له أيضا تعقيداته ومصاعبه التي من أهمها: ضعف تجربة اليمن في العمل الاتحادي، تداخل المصالح التي قد تقف عائقا أمام نجاحه، عدم التوازن الديمغرافي والاقتصادي بين مناطق اليمن ما يستدعي وضع ضمانات قانونية تكفل التنمية المتوازنة للبلد وتمكن الناس من أن يكونوا شركاء حقيقيين وفاعلين في صناعة القرار وفي الانتفاع بموارد البلد وثرواته والأخذ بالمعايير الاقتصادية والتاريخية عند رسم شكل الاتحاد المأمول، وعدم الاكتفاء بالعامل الديمغرافي وحده.

برقيات :

* أثبتت تجربة اللجان الشعبية في مديرية لودر محافظة أبين بتلاحمها مع المؤسسة العسكرية والأمنية أن الجهد الشعبي يمكن أن يكون حاسما في التصدي للإرهاب وأي عمل عدواني، . . .تحية لأبناء لودر وأبناء أبين وكل من ساهم في الدفاع عن حقوق وأرواح وممتلكات الوطن والمواطنين.

*أخيرا أطل محافظ أبين السابق صالح الزوعري الذي سلم زنجبار للجماعة المسلحة ليعلن حرصه على (الوحدة) وتصديه لكل من يحاول المساس بها، وهو الذي لم يتصد لجماعات الإرهاب والتخريب، . . صح النوم أيها الزوعري وقل لنا أين كنت ليلة سقوط جعار وزنجبار ومصنع الذخيرة.

 * قال الشاعر الفلسطيني معين بسيسو:

إنّ شعبي العملاق في القمــــ *** ـقم مثلي وفوقه اللــــــيل بحرُ

ويعاني الذي أعاني وهل يفــــ *** ـــرح نسر وفي السلاسل نسرُ؟

وهو لا بدّ حاطمٌ قيده الأســـــ *** ــــود يوماً والنصر يتلوه نصرُ

فإذا الصرخة الكبـــيرة تدوي ***  وإذا العالم المـــــــــــــــقّيد حرُّ