الحصانةُ وما بعدها..!!
بقلم/ د . عبد الوهاب الروحاني
نشر منذ: 8 سنوات و 10 أشهر و 11 يوماً
الأربعاء 18 يناير-كانون الثاني 2012 07:33 ص

أستغرب كثيراً من هذا اللغط الكبيرالذي يدور حول "الحصانة المطلوبة للرئيس"، وبالذات في أوساط النواب الأكارم، وبعض الأروقة السياسية، ولا أقول الشبابية، لأن الشباب، ليس لديهم لون رمادي ثالث كما عند الساسه، فالشباب في الساحات على إختلاف إنتماءآتهم، ومستوياتهم ومواقعهم، هم أكثر الناس تضحية منذ إندلاع ثورة التغيير في 3 فبراير2011م، وأكثرهم معاناة، وهم أكثر غرماً من غيرهم، وأخلصهم إنتماء للثورة ولقضية التغيير.

وإذا كان شباب التغيير في الساحات والمؤسسات قد قادوا ثورتهم بمهارة عالية، وبتضحيات جسيمة خلال عام مضى من التضحية والصمود، فإليهم يعود الفضل الأول والأخير في أن تكسب المعارضة أوراق وشروط التفاوض، واليهم يعود الفضل في رضوخ الرئيس علي عبدالله صالح ونظامه للمبادرة الخليجية والتوقيع عليها.

وهؤلاء الشباب، هم من يجب أن نحرص عليهم، ونحافظ على دمائهم، لأنهم هم المعنيون ببناء مستقبل اليمن الجديد أولاً، وهم بالتالي من سيقود عملية التغيير بما يفضي الى ما يحلمون به، ويحلم به المجتمع، من قيام دولة يحكمها النظام ويسودها القانون، ويتساوى فيها أبناء الوطن في الحقوق والواجبات.

ما يعني أن التشدد تجاه منح الضمانات للرئيس ومن عمل معه، لا يفهم إلا من زاوية واحدة، هو الإنقلاب على المبادرة الخليجية، وليس من مصلحة أحد الدخول في دوامة نار وفوضى، فمن الغباء والسذاجة أن ننتظر من الرئيس وأبنائه وإخوته وأبناء إخوته أن يسلموا أنفسهم وهم لا يزالوا في قوتهم، والسلاح لا يزال بأيدهم، فالتشنجع الذي نتابعه من قبل بعض شخوص "سلطة المشترك" أمر ليس ذي معنى، لثلاثة أسباب رئيسية هامة هي:

1- أن المبادرة الخليجية في نسخها الأربع أكدت على إنتقال سلمي للسلطة، مقابل حصانة قانونية للرئيس ومن عمل معه، وضمانات "بعدم الملاحقة القانونية" يوافق عليها طرفا اللعبة السياسية الممثلون في مجلس النواب.

2- قرار مجلس الأمن رقم (2014) بتاريخ 21 اكتوبر 2011م، رغم أنه كان صريحا وواضحا في ديباجته بــ" عدم منح أية حصانة لضمان المحاسبة الكاملة" – ولكن كان ذلك لغرض التأكيد على وجهة نظر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة- إلا أنه في الأخير، وهو المهم أقر في فقرتيه رقم(6،4) الزام الرئيس والمعارضة معاً "بإنجازالتسوية السياسية على أساس مبادرة مجلس التعاون الخليجي، للدخول في عملية شاملة ومنظمة تقود نحو التحول السياسي "، وهو مايعني أن العمل بنصوص المبادرة يمثل أولوية على ما عداه، بإعتبار أن المبادرة الخليجية تسوية سياسية، والتسويات السياسية تتجاوز عادة الأنظمة والقوانين، أما إذا ناقشنا المبادرة من زاوية التجاوزات القانونية- وهو أمر غير مقبول في هذه الحالة- فهي بالأحرى تمثل بمجمل نصوصها خرقا وتجاوزاً لنصوص دستور الجمهورية اليمنية.

3- الأطراف جميعها تدرك بأنها ملتزمة بتنفيذ بنود الإتفاق وفقا للمبادرة، ووفقا لقرار مجلس الأمن أيضاً.

ومن هنا، فليس هناك من مبرر سياسي، ولا حتى قانوني، لرفض "قانون" الحصانة أو الضمانات بعدم الملاحقة للرئيس ومن عمل معه، لأن المبادرة – كما أشرنا- هي حل سياسي توافقي، جاء بمخالفة للقوانين النافذة، إذ ليس في الدستور ما ينص (مثلا) على أن يطيل مجلس النواب فترة (أقامته)، ويمدد لنفسه كسلطة تشريعية منتخبة، أكثر من إثني عشر عاماً، ولا يوجد في القوانين النافذة ما يشير الى تشكيل حكومة وفاق وطني مناصفة بين السلطة والمعارضة، ولا يوجد في الدستور ما يقضي "بالدعوة لإجراء إنتخابات رئاسية مبكرة"، ولايوجد في الدستور إنتخاب رئيس توافقي لمدة عامين" ، كما لا يوجد في الدستور ما ينص على أن القرارات في مجلسي النواب والوزراء توافقية، وإذا ما حدث خلاف يُرد لنائب الرئيس أو للرئيس فيما بعد، ليقول رأيه فيه، ويكون هذا الرأي هو القول الفصل"..!!!!.

كل هذه قضايا غير موجودة، لا في الدستور ولا في القوانين النافذة، وهي جلية وواضحة، يمكنها إذا ما تفهمناها ومضينا باتجاه تحقيقها وفقا للمبادرة، أن تنأى بنا بعيداً عن المزايدة باسم الأنظمة والقوانين وباسم الدستور، والعدالة، وحق الأيتام والمظلومين والمقهورين، والضحايا ...... الخ.

 فنحن شعب يعاني بلغ حد الأجلين، إما الموت أو الموت، نحن في حاجة ماسة إلى أن نسارع الخطى باتجاه بناء دولة مدنية حديثة، بعيدة عن عسكرة الحياة العامة، وبعيدة عن شخصنة الدولة والسيطرة على مقدراتها، ونهب ثرواتها لمصالح فئوية، وشليلة وقبلية مقيتة، فالوقت يمضي ونحن نتسلح، العالم يعسكر في الفضاء ونحن نحتل الشوارع، ونقتل المارة، العالم يصنع المعجزات في التكنلوجيا الحديثة، ونحن نكرس الجهالة والفوضى..!!

أوراق وشروط:

أعتقد أننا لسنا بحاجة لمزيد مما نحن فيه، ولسنا بحاجة لأن نزايد على أنفسنا وعلى أبنائنا، سواء كانوا من الموالين أو المعارضين، أنا شخصيا أدرك حاجة الأخ الرئيس وأبنائه وإخوانه وأقربائه لتنفيذ المبادرة كاملة دون نكوص أو تراجع في أي بند من بنودها سواء كانت لهم أوعليهم، وأدرك في ذات الوقت رغبة المعارضة، بل وإستماتتها في سبيل تنفيذ المبادرة نصاً وروحاً، بنداً بنداً، وخطوة بخطوة، ويداً بيد، لأن الجميع في قرارة نفسه، مدرك لمخاطر الإنقلاب على هذه المبادرة، وعواقبها الوخيمة على مستقبلهم كأشخاص وأسر، وعلى مستقبل البلاد عامة، لكنها المكابرة، بل قل المزايدة، التي أجزم بأنها لن تطول.

وكما أشعر بحاجة الجميع في سلطة" الوفاق الوطني" للتسريع في تنفيذ المبادرة، أتفهم أيضاً رغبتهم في توصيل رسائلهم السياسية الى العامة والخاصة، و"المهاجرين والأنصار"، لكن يبدو واضحا أن التشدد الذي يظهر مابين الوقت والآخر، هو ليس لتحسين شروط التفاوض، وإنما لتحسين شروط تنفيذ الإتفاق، الذي جاءت به المبادرة الخليجية، فالكل وأعني بالكل " سلطة المشترك/ الشعبي العام"، يعمل بطريقته لتحسين شروط تنفيذ هذه المبادرة.

فأحزاب "سلطة المشترك"، يخشون من الإنقلاب على المبادرة من قبل القوات الموالية للرئيس، ولذلك هم يحاولون تحسين أوراق وشروط تنفيذ ها من خلال:

- التصعد الإعلامي، وحشد وتعبئة الساحات، وإستخدام المنابر.

- تسيير القوافل والمسيرات والمظاهرات الرافضة لتقديم الضمانات.

- الزام نواب سلطة المشترك ووطلب المستقلين بالمعارضة حينا، والمراوغة حيناً، وإبداء الرفض حينا آخر.

- مواصلة التمترس في الشوارع والأحياء، وإخافة المواطنين، وإقلاق أمنهم والسكينة العامة.

أما سلطة المؤتمر الشعبي العام، المتمثلة في الرئيس وأبنائه وأبناء إخوته، وأخوته، وأقاربه وأنسابه، ومن لف لفهم من قيادات ارتبطت مصالحهم بمصالح عائلة الرئيس، فهم يسعون إلى تحسين شروط تنفيذ المبادرة بطريقتهم الخاصة، فهم:

- يصعدون من عمليات الضرب والقنص في صنعاء وتعز وأكثر من مدينة، ويحتلون الشوارع، ويطلقون العنان للبلاطجة من المسلحين وقطاع الطرق والغوغاء، لمواصلة حفر الخنادق، ومنع المواطنين من الدخول والخروج من والى بيوتهم.

- ضرب المواقع السكنية التي "يفترضون" أنها تقاوم القوات المسلحة والأمن.

- ضرب القرى والمواقع بالأسلحة الثقيلة والطائرات في أرحب ونهم، ومناطق مختلفة من أبين.

- يضربون الفرقة الأولى ويهددون بنسف كل شيء في حي النهظة، والمدينة الليبية وصوفان.

- التأليب المستمر على أنصار الثورة، ومضايقتهم في مواقع أعمالهم، وبيوتهم وأحيائهم السكنية.

- الحشد المتواصل ومحاولة إحياء ما تسمى بــ"جمع: إن عدتم عدنا"، والتهديد باقتحام الساحات عبر أفواج كبيرة ممن يطلق عليهم بــ"البلاطجة".

- اطلاق العنان لبعض الألسنة التي تبرأت من أصحابها، وتبرأ أصحابها من قيم وأخلاق مجتمعهم، فسفههم لم يترك شيئاً الا ونالوا منه.

فالمبادرة إذن، أتت لتحافظ على ماء وجه الجميع "سلطة المعارضة وسلطة المؤتمر" على حد سواء، وجميعهم لا يريد أن يفرط ولا يحيد قيد أنملة عن بنود المبادرة ، فهي لهم بالذات، وللبلاد طوق نجاة.

المبادرة في مفهوم الشباب:

 وعند التوقيع عليها في الرياض في 23 نوفمبر العام المنصرم 2011م ، كان لحل وتجاوز الأزمة اليمنية بالطرق السلمية والحوار، وقلنا حينها، وقال العالم من حولنا ، بأن الحكمة اليمنية انتصرت، وبأن اليمن له طرقه وأساليبه في حل مشاكله، وتجاوز محنه، وكانت الساحات، التي أنا أعرفها جيداً، ورابطت وشاركت في منتدياتها، قبل توقيع الإتفاق بالذات، كانت تنتظر بفارغ الصبر التوقيع على المبادرة، وكانت أسئلة كثيرٍ من شباب الساحات إن لم أقل معظمهم، تتمحور حول موعد توقيع الإتفاق، الذي طال إنتظاره، وكان أحد هم قال في سؤال وجهه إلي إثر محاضرة حول" المبادرة الخليجية – الأهمية والأبعاد" في إحدى خيام سا حة التغيير بصنعاء (خيمة الضباط المناصرون للثورة – على ما أذكر)، قال بمراره :

- بدأنا نشعر بالممل، وبدأ الكثير من الشباب ينصرفون عن الساحات، فمتى ستوقع الإتفاقية؟

وكان الإستحسان للسؤال باديا على وجوه الحاضرين في الخيمة، ولم يكن ردي مثبطا، لإدراكي بأهمية وحتمية التغيير، وأن ذلك لن يتأتى ما لم يرابط الشباب في الساحات، فقلت:

- "بأن مهمة الثورات والثوار ليست البحث عن حلول وتسويات أو مبادرات، لأن الفعل الثوري يجب أن يكون هو الحاضر والمسيطر، ثم أنها قد مرت على ثورة التغيير حوالى سبعة أشهر منذ إندلاعها، وعليها أن تتواصل، فالثورة الفرنسية لم تنتصر إلا بعد مرور سبع سنوات على إندلاعها، لكننا لا نريد أن تقود الى نفس النتائج التصفوية المأساوية التي حددها روبيسبير وجماعته من اليعاقبة".

فقد كان موضوع ملل الساحات، ورغبة الجميع في خروج المبادرة الخليجية الى طاولة التوقيع ثم الى حيز التنفيذ، هوهمُ قيادة وشباب المعارضة قبل السلطة، ومحل مناقشاتهم، وقد كانت المبادرة الخليجية، بما تضمنته من نصوص توافقية، هي المخرج العملي مما هي فيه البلاد من فوضى وإنفلات أمني، تجلى في أبشع صوره المأساوية منذ ستينيات القرن الماضي، حيث قطع واحتلال الطرقات والشوارع العامة في المدن الرئيسية كصنعاء وتعز وعدن ...، وقتل المواطنين الأبرياء وتشريد الأسر، وضرب البيوت الآمنة وخرابها، سواء كان في إطار استهداف شخصيات بعينها معارضة للنظام ومؤية للثورة أو ما هو محض رغبة في الإنتقام، القيمة الجديدة على اليمنيين، والتي تعتبر دخيلة على عاداتهم وقيمهم.

ما الذي تغير؟

وإذن، فــ"المبادرة" عهدُ يجب أن يلتزم به الجميع، ومجلس النواب معني بسرعة إنجاز قانون "الحصانة"، لأن المبادرة الخليجية نصت على أن" تقدم الى البرلمان صيغة الضمانات القانونية التي تمنح للرئيس، ليتم فور إقرارها من قبل البرلمان، إستكمال إجراءات الإنتخابات الرئاسية التوافقية المبكرة، التي يتم فيها إنتخاب عبد ربه منصور هادي رئيساً لمدة سنتين".

وبعيداً عن المزايدات، التي لن تقدم ولن تأخر في الأمر شيئاً، يمكن القول، إن عدم إقرار قانون" الحصانة" يعني تعطيل المبادرة، وانفراط عقدها، والتمنع عن تنفيذ آليتها التنفيذية، ويعني حل الحكومة، ويعود مجلس النواب المنتهية صلاحيته دستوراً، الى عَطلِه، وإنفراطه المعهود، ويتراجع نائب الرئيس عن مواصلة الخوض في الإنتخابات المبكرة، و"تعود حليمه لعادتها القديمة".

فالالتزام بالعهود والمواثيق شرعة الله، وسنة نبيه،" وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسسئولا" صدق الله العظيم.

ثم دعونا نتساءل، عن مالذي تغير اليوم..؟؟ ألم تكن من عوامل الخروج والثورة على الرئيس علي عبدالله صالح، أنه لا يلتزم بعهود، ولايفي بوعود، كما كان- ولا يزال- يتردد في وسائل الإعلام المعارضة للرئيس؟!! ألم نصرخ بأعلى أصواتنا أن الرئيس والمؤتمر انقلبوا على على اتفاق فبراير 2009م؟؟، ألم نقل بأن الرئيس وعد في 2005م بعدم الترشح للرئاسة وعاد من الباب الخلفي، وترشح وترأس من جديد في 2006م؟؟، ألم نقل بأن الرئيس وحزبه وعدا بمنجزات عملاقة، كالقضاء على الفقر، وتوفير فرص عمل للعاطلين، وإنشاء كهرباء ننوية، وبناء خطوط سكك حديدية ... الخ ، ولم يفي بوعوده ؟؟!!

أسئلة كثيرة يمكن أن نتبادلها ونناقشها بروية وهدوء، لكن بالمقابل، لا يمكن لأحد أن ينكر بأننا جميعاً من كان في السلطة ومن كان في المعارضة، كنا نشكك بملئ أفواهنا بأن الرئيس لن يوقع على إتفاق المبادرة، وأنه سيلتف عليها ، فما الذي يجري اليوم؟؟.

 نصيحة: 

ننصح السادة أصحاب السلطة في المشترك، وأعضاء مجلس النواب من طرفه، أن لا يوغلوا في الزهو والشطط، وأن لا يقدموا ورقة جديدة تبرر لمن يريد الإنقلاب على المبادرة إستغلالها، والإنقضاض على ما تم من خطوات إيجابية باتجاه تنفيذ بنود المبادرة الخليجية.

فالبلاد بإنتظار ما بعد "الحصانة" و ما هو أهم وأخطر من الحصانة، فما بعدها يتطلب المزيد من التفكير والتحضير، والتخطيط والتنفيذ، وربما المواجهة أيضاَ.. فالمؤشرات المؤسفة كثيرة، ولعل بوادر الصراع المذهبي، الذي يكشر بأنيابه هنا وهناك، وتذكيه بعض وسائل الإعلام بطرق وأساليب شرسة، وحاقدة غير معهودة، تنذر إذا ما توسعت شرارته، بصراع جهوي، وإقليمي وشطري، قد لايساعد على السير باتجاه تحقيق المصالحة الوطنية، ونجاح مؤتمر الحوار الوطني، فالمشوار لا يزال بعيدا، والطريق لا تزال شائكة.