القضاء اليمني..(إشكاليات وحلول)
بقلم/ د.خالد عبدالله علي الجمرة
نشر منذ: 7 سنوات و 10 أشهر و 5 أيام
الإثنين 16 يناير-كانون الثاني 2012 08:27 م
لو كنت بمكان القاضي السماوي لا قدر الله لسارعت دون تفكير إلى تقديم استقالتي من رئاسة المحكمة العليا، ولطالبت دون تردد بإعادة بناء القضاء من جديد شكلاً ومضموناً، فموقع مثل هذا في ظل ظروف كهذه ليس سوى مسؤولية ثمنها الحقيقي الصحة، والذمة، والسمعة، والتاريخ الأسود، إلا لو كان السماوي يرى موقعه من جانب مختلف فهذا شأنه وخاص برؤية فضيلته لنفسه ومكانه، من خلال فترة بسيطة قضيتها بالعمل داخل مجلس القضاء الأعلى أدركت حقيقة أن القضاء اليمني لا تعوزه الإمكانيات المادية مطلقاً، القضاء اليمني ليس جهازاً كبيراً ومتضخماً فعدد قضاة اليمن مع معاونيهم لا يصل إلى ربع عدد قوات الفرقة أو الحرس الجمهوري، لهذا لا يحتاج القضاء في اليمن سوى إلى إدارة تفكر بعقلية جديدة خالية من العـُقد؛ وفق روؤى واستراتيجيات واضحة، بعيدة المدى، ومتزاحمة الأفكار، ومتشبعة بفكر إصلاحي، مستقل، حديث، وشجاع...

الإشكالية في القضاء اليمني إشكالية إدارة، وترتيب لأوليات، بالمقام الأول، عندما عجز مجلس القضاء الحالي عن تقييمها، وترتيبها ترتيباً صحيحاً، فشل بالتالي في وضع إصلاحات ناجعة لأداء مكونات السلطة القضائية، لذلك لم يتمكن من إقناع القضاة ومعاونيهم بما يقوم بهِ، كما فشل في حشد تأييد شعبي ورسمي لإصلاحاته التي يتحدث عنها، فجل جهوده خلال الفترة المنصرمة صبت في نظر مواضيع هامشية كانت تـُحال إليه من وزارة العدل لأنها فقط مواضيع ذات واجهه إعلامية عريضة، وهذا ديدن السلطة التنفيذية في كل نشاطها خلال الفترة السابقة البحث عن العدسة، وفلاشات التصوير فحسب، وهو المطب الذي وقع به مجلس القضاء ورطته فيه للأسف وزارة العدل.. الدليل على ذلك أن مجلس القضاء فشل خلال الفترة الماضية في تنفيذ بعض قراراته التي أصدرها كونها التفتت أكثر للجانب الإعلامي منها للواقع، وهذا بحد ذاته مس هيبة القضاء ككل، فإذا كان مجلس القضاء عجز عن تنفيذ قراراته وهو أعلى تكوين إداري للقضاء كيف يمكن أن نطالب القاضي البسيط تنفيذ ما يقرره في منصة حكمة بعضهم يعمل في مناطق أطراف سيطرة الدولة فيها ضعيفة أو لنقل لا تسيطر الدولة عليها بالمطلق...

 من وجهة نظر كثيرين فإن أكثر ما لحق بالقضاء من تصدع خلال فترة عمل فضيلة القاضي السماوي كرئيس لمجلس القضاء الأعلى السابقة كان الجانب المتعلق باستقلال القضاء، فاستقلال القضاء للأسف خلال هذه الفترة تعرض لهزة كبيرة، وحتى لا يكون الحديث عمومياً أو مشخصناً أكثر من اللازم؛ فالتعيينات القضائية مثلاً لم تتحصن من أيدي من خارج مجلس القضاء الأعلى تعبث بأوراقها مجاهرة، هذا لا أقوله أنا فقط لكن أغلب أعضاء السلطة القضائية يعرفونه، ويتداولونه في المجالس الخاصة والعامة، وعلى القاضي السماوي ورفقائة بالمجلس أن يعرفون هذا جيداً، ويسمعونه، ويتقبلونه برحابة صدر، هذا إذا أراد وقرر فضيلته أن يستمر في موقعه، على الأقل حتى تكون فترته القادمة أكثر نجاحاً، مع أنه وفي كل الأحوال لن يقدم مستقبلاً أكثر مما قدّم سابقاً، نعم قد لا يتحمل قاضينا العزيز وحده كل أسباب هذا، لكنه بكل تأكيد يحمل وزره الكبير.... كونه مسجل رسمياً أنه المسؤول الأول بالسلطة القضائية وعن ما يحدث فيها... لذلك قلت لو كنت مكانه لتقدمت باستقالتي فوراً، وهي نصيحة أتمنى أن لا يفهمها أكثر من حدود سياقها الطبيعي......

من المفارقات الغريبة جداً أن استقلال القضاء تعرض لنكسة موجعة بعد أن تخلى رئيس الجمهورية عن صفته كرئيسٍ للمجلس وفق تعديل قانوني (سريع) لم يستشر به مجلس القضاء، ولم يكن هو من تقدم به كمقترح، كما ينص على ذلك قانون السلطة القضائية... تخلي رئيس الجمهورية في الحقيقة عن رئاسة مجلس القضاء كان الباب الواسع الذي اخترق منه القضاء، كونه كان تخلياً وهمياً؛ إذ بقى الرئيس هو الممسك بكل الصلاحيات المؤثرة، التعيينات يجب أن يوقعها هو، الترقيات والتسويات يجب أن يكون إمضاءه عليها، الضوء الأخضر لأي تنقلات قضائية على مستوى قاضي استئناف وأعلى يجب أن يخرج من مكتبه، بل إن توجيهاته وصلت حتى إلى مستوى تحديد مواقع معينة لقضاة حديثي التخرج، لتبدوا الصورة الأكثر وضوحاً أن رئيس الجمهورية لم يتخلى عن رئاسة مجلس القضاء بل تخلى عن رئاسة اجتماعاته فقط، اختراق القضاء لم يتوقف عند هذا النوع من الحالات، فلأجل يحصل القاضي على أدنى متطلباته الأساسية يجب أن يسبق ذلك توقيع من قلم وزير العدل، مثل هذه التفاصيل قد تكون مؤلمة لكنها تكون أشد إيلاماً، وأكثر جرحاً لهيبة القضاء واستقلاله عندما يبررها البعض بفخر! أنها تتم باسم القانون....

 

وزير العدل السابق الدكتور غازي الأغبري، ومع أن الكثير من العاملين بالقضاء كانوا ينظرون إليه أنه وراء الكثير من مقررات مجلس القضاء التي كانوا يرونها قاصرة واستقصادية خلال الفترة السابقة، إلا انه في حقيقة الأمر كان الرجل الذي ساعد مجلس القضاء على الوقوف على قدميه بفعل تنازله عن كثير من اختصاصاته لأجل عرضها على مجلس القضاء، وهذا من ناحية تفعيل دور مجلس القضاء وقتها كان سيكون إيجابياً، فقط لو أنه توقف عند الشهور الأولى من عمل هذا المجلس عقب انسحاب رئيس الجمهورية من ترأس جلساته مباشرة، لكن للأسف هذا الوضع تمدد إلى اليوم، مما شغل المجلس بقضايا ثانوية يستطيع الوزير أن يبت فيها خلال ربع ساعة دون إحالتها لمجلس القضاء الأعلى على اعتبار أنها مواضيع عادية من اختصاص وزير العدل أو هيئة التفتيش القضائي التي تتبعه للأسف!!!؟، بينما يتفرغ المجلس للقضايا الاستراتيجية الكبيرة، والمعقدة، مثل الإصلاح، والاستقلالية، والعمل على إلغاء أو تحجيم دور الجانب الحكومي ممثلاً بوزارة العدل في التفتيش على القضاة وتقييم أعمالهم وندبهم، وتعيينهم، والعمل على إعادة تقويم التشريعات القضائية بما يخدم القضاء قولاً وفعلاً، والأخيرة يجب المضي فيها بمهنية عالية حتى لا يتورط المجلس بمناقشة وتقديم اقتراحات بمشاريع غير متعلقة بشؤون القضاء وأحواله كما حدث مثلاً خلال فترة سابقة عندما تقدم المجلس للحكومة بمقترح لمشروع قانون التحكيم الذي هو بالأصل أمر يخص الغرف التجارية ومراكز التحكيم كونه قانوناً أحكامه تسلب الاختصاص القضائي الحكومي ولا تمنحه...!!!

قد لا يُـلام القاضي السماوي كثيراً على القليل الذي قدمه خلال فترة عمله السابقة، لكنني ألومه وأعتب عليه وأستغرب من عدم مسارعتة لتقديم استقالته رغم المطالبات القوية له بذلك من كثير من أعضاء السلطة القضائية في الفترة الأخيرة، منها ما انتهت باعتصامات أمام مجلس القضاء وفي أكثر من محافظة، ومنها ما وقر في القلب واستقر داخل قناعة الكثير من القضاة الذين لا يتحرجون من الحديث عن ما يُخالجهم من شعور أن رئيسهم الشاب يجب أن يبحث له عن عمل أخر... بكل أمانة لا أدري كيف سيقابل أعضاء السلطة القضائية وهو يؤمن تماماً أن الكثير منهم يطالبون بعزله، واستقالته، ويتهمونه بشكل علني و عبر وسائل إعلامية متعددة بتبديد موازنة السلطة القضائية، مع أني مازلت اعتقد أنه بشخصه أكبر من هذه التهمه بكثير على الأقل وفق ما يمليه علينا الواقع الظاهر فالله وحده يعلم ما تخفيه السرائر، وكذا وفق ما خبرته خلال فترة عمل قليلة قضيتها بجانبه كموظف بسيط أنهيتها قبل أن تبداء قبل أكثر من أربعة أعوام تقريباً وهي فترة يمكن أن تتغير فيها أشياء كثيرة...

وحتى لا نقع كذلك في شخصنة الواقع رغم أنه واقع وليد في الحقيقة لتصرفات شخصية، فإنه من الأهمية القول أن المنظومة القضائية باليمن ككل ليست بحاله جيده منئذ فترة طويلة تمتد إلى ما قبل ترك رئيس الجمهورية رئاسة اجتماعات مجلس القضاء للقاضي السماوي بصفته رئيساً للمحكمة العليا، فكثير من أجهزة هذه المنظومة شبه عاجزة، لأنه خلال الفترة السابقة التي نتمنى أن لا تستمر؛ ارتهن القضاء للتوجه الحكومي بفعل عوامل الإغراء تارة، أو بفعل الاستسلام لتأويلات وتفسيرات خاطئة للقانون، فالتعيينات لكثير من المواقع القضائية لم تراعي المهنية، ولا القدرات، ولا الخبرات، ولا الدرجات، فمثلاً هل يُعقل أن يقضي عضو نيابة أكثر من ثلاثين عاماً وأكثر متنقلاً بين نيابات محافظات الجمهورية بمختلف درجاتها ثم يعين في أخر المطاف عضواً بالدائرة المدنية أو الشخصية بالمحكمة العليا!!؟، كما لم تلتفت الإصلاحات القضائية التي لم يشعر بها المواطن العادي سوى في وسائل الأعلام الرسمي إلى حقيقة معنى الاستقلال الذي يجب أن يتمتع به القضاء، فمجلس القضاء بالكامل معين وفق مشيئة رئيس الجمهورية وحساباته السياسية، لا توجد شروط تقيد هذه المشيئة، ولا يمتلك المجلس حق رفض تعيين أحد أعضائه فيما لو صدر قرار رئيس الجمهورية بذلك، بل إن تعيين قضاة محاكم الاستئناف يتم بقرار يوقع على مسودته وزير العدل، ورئيس مجلس الوزراء، ورئيس الجمهورية، بينما يكتفي رئيس مجلس القضاء الأعلى رئيس المحكمة العليا، وأعضاء مجلس القضاء بالفرجة، وفي أفضل الأحيان بحق الاقتراح غير المُلزم....

إن الوضع المأساوي الذي وصلت إليه اليمن اليوم من تردي في كل المستويات هيّاء لارتكاب جرائم فساد، وقتل، وانتهاك، واختطاف، ونهب، وهذا نتاج لعوامل كثيرة أهمها افتقاد البلاد إلى قضاء شجاع مستقل يستطيع أن يوقف التجاوزات التي تحدث في مختلف المجالات، ويحاسب المسؤولين عنها حتى لو كان رئيس الجمهورية، فالقضاء القوي والشجاع يستطيع أن يقضي على الفساد والمفسدين، فهو المؤسسة الأهم الموكل إليها إنفاذ سيادة القانون على الجميع، لذلك يجب مراجعة الكثير من النصوص التشريعية التي تنظم وترتب شؤون القضاء لكي يستطيع إنجاز هذه المهمة بشجاعة واستقلالية من مثل

1- إعادة النظر في التشريعات المرتبة للمُدخلات القضائية....

2- مراجعة أحكام تعيين القضاة ابتداءاً وكذا تنقلاتهم داخل السلم القضائي....

3- تعديل كل النصوص القانونية التي تمنح الحكومة حق في التدخل بشؤون القضاء تعييناً، وندباًّ، ونقلاً، ومسائلة، وتقييم...

في فترات سابقة كنا ننادي رئاسة الجمهورية، والحكومة، وأجهزة الأمن، والجيش، والإعلام، والصحافة النظر إلى القضاء نظرة مختلفة عن رؤيتهم مثلاً لوزارة الزراعة، لكن للأسف بتنا اليوم نطالب مجلس القضاء الأعلى ورئيسه على وجه الخصوص أن ينظروا إلى القضاء نظرة مختلفة عن نظرتهم له كوظيفة عامة، عندما تتالت القرارات التي حولت للأسف القضاء من مركز شرعي ديني له الإجلال والاحترام داخل الوجدان الشعبي إلى مجرد وظيفة مُغرية يتسابق إليها حملة ليسانس الحقوق والشريعة، لم يكن بـُد نتيجة لذلك أن يتحول القضاء إلى مجرد مرفق حكومي تناقش موازنته مجموعة موظفين بوزارة المالية، ويتجه بعض مسؤولي تكويناته الإدارية إلى داخل أروقة وزارة الخدمة المدنية وهيئة التأمينات والمعاشات لينظر إليهم على أنهم مجرد مراجعين مثلهم مثل غيرهم، ، وهذا للأسف ضر كثيراً بهيبة القضاء، لو أن المجلس تعامل بقوة، وبحذر، أمام متطلبات القضاء المتعلقة بالجزئيات المالية والخدمة العامة، وطلب بشجاعة رئيس الحكومة ووجهه باستكمال اجراءات ومقررات المجلس المتعلقة بالحالات التي تحتاج لتفاهم مع الحكومة حولها لكان حافظ على هيبة القضاء بشكل أكثر وقاراًّ وهيبة..

إن إصلاح القضاء يجب أن يحدث سريعاً حالياً ولو في حدوده الدنيا وأشواطه الأولى، ويجب لكي يحدث ذلك أن يتم مراجعة أداء أعضاء مجلس القضاء، لقد أثبتت التجربة السابقة أن أداء هؤلاء لا يجب أن يكون بمنئى عن التقييم، والمراجعة، وحركة التنقلات، ولا يجب أن يستحوذ أعضاء المجلس على تسيير شؤون السلطة القضائية؛ كما أن إشراك جميع قوى الأطر القضائية بتنوعها أمر مهم وملح للنظر مستقبلاً في الآلية المناسبة لوضع استراتيجية فعالة، وحقيقية لإصلاح القضاء بعيداً عن البهرجة الإعلامية المخادعة، ثم نتحدث بعد ذلك عن تطوير القضاء إن كان الواقع يسمح... إن الحديث عن هذه الجزئية بالذات أكبر من أن نتناوله بورقة نقاش، أو بكتابة صحفية، لكن المهم الآن أن يشارك الجميع في تأسيس بناء قضاء جديد و حديث، نزيه وقوي، بوجوه مختبرة أكثر استقلالية، واحتراماً، وقبولاً، ومصداقية.. فالموضوع متعلق ليس فقط بالقضاء، والقضاة ومعاونيهم ومجلسهم فحسب، إنه موضوع متعلق بحاضر أمة، ومستقبل وطن يولد من جديد...